فلتسقط الفاشية… ولكن!


قبل بضعة أشهر، ذهبت وزوجتي إلى مكتب ينظم رحلات سياحية. أخبرَنا الوكيل عن ثمن الرحلة وتفاصيلها، وبلا تردد قدّمتْ له زوجتي بطاقة الاعتماد.
أخذ الرجل موافقة شركة الاعتماد وأخرج وصلاً من الطابعة يحوي مسار الرحلة وقدّمه لي. قرأت الورقة، فانتبهت أن المبلغ الذي جباه هو أكثر بألف شيكل من المبلغ الذي اتفقنا عليه ثمناً للرحلة، فسألتُه… لماذا؟
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وبريئة «متأسف متأسف، الحق معك، لقد أضفت ألف شيكل بالغلط».
ابتسمت أنا الآخر: «لا مشكلة يا عزيزي، هذه أمور عادية ممكن أن تحدث، أعد لحساب زوجتي الألف شيكل… ما صار شيء».
-أتريدينها نقداً أم أن أحولها إلى حساب بطاقة الاعتماد؟
-كما يريحك! تعيدها إلى حساب البطاقة أو نقداً، ما من مشكلة.
فكّر قليلاً وفتح الدُّرج، وبدا كمن يبحث عن نقود، ثم قال: «من الأفضل إعادتها إلى حساب البطاقة كي تكون الحسابات مضبوطة».
-ما من مشكلة…
-سامحوني على الخطأ، المهم أن تستمتعا في رحلتكما، خلال أيام قليلة سوف يظهر المبلغ في الحساب.
-شكراً شكراً…
خرجنا من عند الرجل، ورحت أتباهى بيقظتي التي لولاها لخسرنا ألف شيكل. لكن أكّدتُ أن الرجل أخطأ بكل بساطة، ولم يقصد.
ثم أسهبت في تحليل ملامح وجهه وتشريح ابتسامته ونظرته، وخصوصاً في لحظة اعترافه بالخطأ وثبات نظرته الهادئة. لو كان الأمر مقصوداً لظهر احمرارٌ على وجهه، وقد يتعرّق فلا سيطرة للإنسان على انفعاله، وترتبك نظرته، وقد ينظر جانباً ليتجنّب التقاء الأعين المباشر، وقد يطلق ضحكة غبية أو يرد بعصبية وقد يغضب، لكن الرجل تصرف بهدوء تام، ومن غير أي انفعال يُذكر بما يؤكد أنه أخطأ. أنا عندي فراسة في الوجوه، وهذه نعمة. ثم توسعت في موضوع الفراسة عند العرب، وضربت أمثالاً في الموضوع وتجاربَ شخصية.
سافرنا إلى رحلتنا وعدنا، ومضى أكثر من شهر عندما فطنت وسألت زوجتي: «هل أعاد لحسابك مبلغ الألف شيكل من وكالة السفر؟
-لا، لم يعدها بعد…
هالو… مرحباً، كيف حالك؟ أنا فلان… هل تذكرني؟ لقد بقي لنا في ذمتك ألف شيكل.
-آه، صحيح، لقد نسيت تحويلها الشهر الماضي، سوف أدخلها هذا الشهر إن شاء الله، ولكن أحتاج الأرقام الأربعة الأخيرة من بطاقة الاعتماد.
-حسناً، لحظات وأرسلها لك.
-شكراً شكراً..
-لا تؤاخذني… سامحني.
-بسيطة بسيطة…
يبدو أن أشغال الرجل كثيرة، وغفل عن الموضوع. مر شهر آخر، ومرة أخرى سألت زوجتي، فردّت سلباً.
هل خدعتني ملامحه؟ لا أظن ذلك… هذه أمور تحدث. ولكن مرّ شهر آخر.
ما لا أفهمه، لماذا كان يجب أن ننتظر هذه الفترة وهي عملية بسيطة، لقد وقع خطأ، وكان ممكناً إصلاحه في اللحظة نفسها.
أرسلت رسالة إلى هاتفه مستفسراً: « تحياتي، ماذا مع الألف شيكل»؟
لم تمر دقائق حتى رد بصورة له من الحرم المكي في الكعبة المشرفة: «عذراً، لقد تأخرت عليك، أرجو أن تسامحني، أنا الآن في العمرة، عندما أعود إن شاء الله، سوف أحول لك المبلغ فوراً».
رَقّ قلبي، وكادت دمعتي تسقط، فكتبت له: مبروكة العمرة أخي، ترجع بالسلامة إن شاء الله، لا مشكلة.
بعث لي قلباً أحمر ينفجر عن عدد كبير من القلوب الصغيرة: «سامحني أخي».
لا مشكلة أبدًا.
أنا على يقين أن الرجل لم تكن لديه أي نوايا للنّصب، وكل ما جرى ويجري حتى الآن ليس سوى خطأ وسهو وغفلة.
لا بد أنه عاد من رحلة العمرة، ومن المفضل أن أتواصل معه. «السلام عليكم أخي، مبروكة العمرة، إن شاء الله عدت إلى البلاد بسلام»؟
-نعم، لقد عدت الحمد لله.
-كيف كانت العمرة؟
-جميلة جداً أتمناها لكل مسلم… وأنت ماذا عنك؟ هل اعتمرت؟
-لا…
-أنصحك بها، لأنها تجدد الإيمان وتنقي الروح من مشاغل الحياة الدنيا.
كدت أخجل من سؤاله عن الألف شيكل، ولكن لا بد من هذا: «أخي أنا خجلان منك… لم تقل لي ماذا مع الألف شيكل؟ لقد مرّت أربعة أو خمسة أشهر!
-عفواً، أرسل لي اسم صاحب البطاقة…
– الاسم عندك، وقد أرسلته لك أكثر من مرة، وها أنا أرسله لك مرة أخرى…
-شكراً لقد وصل، أرجو أن تسامحني على التأخير… الحقيقة أن المحاسب الآن خارج البلاد، وعندما يعود سوف يحوّل المبلغ…
– ومتى يعود المحاسب؟
– خلال أيام قليلة…
-وهل تحتاج إلى تذكيرك؟
-يفضل أن تذكّرني، أرجو أن لا تؤاخذني وأن تسامحني يا أخي، لقد غلّبتك معي…
-لا شيء أخي، بسيطة، هذا يحدث.
مر أسبوعان، وانشغل الناس بالانتخابات العامة، ولا بد أن المحاسب قد عاد من سفره، اتصلت هذه المرة وأنا شبه يائس.
لكنه هذه المرة لم يرد.
فكتبت له رسالة: هل عاد المحاسب من رحلته؟ لقد مرت أشهر من المماطلة، ما هذا التصرف؟ ألا تريد إعادة الحق لأصحابه؟ هل تريدني أن أتوسّل؟ وعدتني أكثر من مرة بإعادة المبلغ. لقد مر على «الخطأ» خمسة أشهر وجرت أحداث كثيرة، لقد اتصلت بك وكتبتُ ووعدتني مرات. هذا إنذار أخير، فلا تضطرني أن أكتب منشوراً بك. لقد كنتُ طيباً معك، بل وأرسلت لك بعض الزبائن وامتدحت معاملتك كثيراً، لكن يبدو أن فراستي خانتني. الآن أفكر بنشر مقالة، وقد تضرّك، يبدو أنك تستغل طيبة أمثالي وسذاجتهم، ولكن اعلم… أنا لست طيباً ولا ساذجاً، سوف أعاقبك، أعدك بذلك.
بعد دقائق وصلني ردّه:
-السلام عليكم ورحمة الله… أرجو أن تسامحني أخي.. لم تكن لدي أي نية للمماطلة، ولكنها صدفٌ وأحداث، وأنا أعذرك في غضبك… لقد عاد المحاسب من خارج البلاد، ولكنه انشغل في الانتخابات، أنت تعرف الوضع، إنه ناشط ويدور من بيت إلى بيت، يجب إسقاط هذه الحكومة الفاشية!
– نعم، يجب إسقاط الفاشية، ولكن يجب إعادة الألف شيكل؟
-هل أنت في البيت الآن؟
-نعم…
-حسناً، أرسل لي رابطاً للموقع، وسوف آتي إليك بعد ساعتين على أبعد تقدير… هل تستقبلني؟
السلام عليكم:
-أنا في انتظارك.. ولكن إذا لم تصل، فلا تقل لي إن حادثاً وقع أمامك وأغلق الطريق، أو أن حادثة إطلاق نار وقعت والشرطة أغلقت الشارع، أو أن محرك سيارتك تعطل فجأة، أو أن سيارة كانت خلفك صدمتك على الشارة الضوئية… إياك وتقول إنك شعرت بدوخة ولم تستطع أن تقف على قدميك، أو أن زوجتك اتصلت بك لأن والدتها كسرت ساقها في الحمام فلحقت بها إلى المستشفى، ولا تقل إن بعض الفاشيين أغلقوا الطريق واعتدوا على السائقين العرب… تسقط الفاشية نعم، أعرف أن الوضع لا يطاق، نعم فلتسقط الفاشية، ولكن أعد لي نقودي…



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *