«فتح» في حاجة لتجديد التمثيل ولقيادة تعيد الثقة بها (فيديو)


رام الله- «القدس العربي»: رأت الأكاديمية والناشطة السياسية الدكتورة دلال عريقات أن فوزها بالمرتبة الأولى في انتخابات المجلس الثوري في حركة «فتح» دليل قوي وواضح «على عدم هندسة انتخابات الحركة قبل عقدها».
وقالت في حديث خاص مع «القدس العربي» إن المفاجأة كانت «صدمة جميلة» تعكس «وفاء من أعضاء الحركة نحو والدها الراحل»، وتشكل مكافأة للدور الإعلامي والسياسي الذي أدته خلال حرب الإبادة على قطاع غزة.
ودلال، المولودة في القدس في 17 أيار/ مايو 1982، باحثة في مجال الدبلوماسية وبناء الدولة، ومحاضرة في العلوم السياسية وحل الصراعات في «الجامعة العربية الأمريكية»، وهي ابنة كبير المفاوضين الفلسطينيين الراحل صائب عريقات.
وحاورت «القدس العربي» عريقات حول نتائج انتخابات الحركة، ودورها في ظل الحالة الفلسطينية التي تعاني الركود والتكلس، وحول رؤيتها لمواجهة ما آلت إليه القضية الفلسطينية، وفيما يلي نص الحوار:

■ كيف الحال.. عادة يكون الجواب قبل الفوز مختلفاً عما بعده؟
ممتنة وراضية جداً لكل الوفاء والأصوات التي منحتني ثقتها في انتخابات المجلس الثوري لحركة «فتح»، وإن شاء الله أكون عند قدر المسؤولية.
لقد عشت أسبوعين من أصعب الأيام في حياتي، توتر عالٍ جداً، وقلق، وعمل متواصل، وشعور مختلف وصعب مع وجود التنافس والتحدي، وحالة من عدم اليقين. أما بعد الفوز، فيمكنني القول ببساطة إن الحمل ثقيل، والأمانة ليست قليلة، والتحدي كبير، والمسؤولية أكبر.
■ فوزك في الانتخابات الخاصة بحركة «فتح» لا يتطلب، في تقديري، كلمة مبروك، تدركين السبب أكيد؟
صحيح، المسؤولية كبيرة جداً، والحمل ثقيل، ونحن نمر بوضع صعب جداً، وكل قائد ومسؤول سيكون تحت المحاسبة والمساءلة في هذا الظرف الحساس والمعقد، مع وجود انعدام ثقة على المستوى الفلسطيني المحلي. وعلى المستوى العالمي، هناك مؤامرات ضدنا وضد قضيتنا، في ظل الاحتلال العسكري الإسرائيلي الذي لم يُبقِ لنا أرضاً ولا شجراً ولا إنساناً، فكل فلسطيني مستهدف من قبل الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وبالتالي فإن الوصول إلى منصب أمر لا يُحسد عليه.

فجوة بين الشارع والحركة

■ رغم ذلك، كان من الواضح وجود رغبة عارمة لدى كثير من المترشحين للفوز في الانتخابات، والبعض رأى فيها نقطة جديرة بالاهتمام والبحث؟
لو نظرنا إلى الأرقام لوجدنا ازدحاماً في الترشح بشكل عام، إذ وصل عدد المترشحين في البداية إلى 556 مترشحاً للمجلس الثوري، وبعد الانسحابات أصبح العدد نحو 450 مترشحاً، وهو رقم عالٍ جداً. هؤلاء تنافسوا على 80 مقعداً.
ولدي تفسير لهذا التعطش والانفعالية تجاه صناديق الترشح والتنافس، إذ أظن أننا في حاجة إلى تجديد التمثيل، وإلى قيادة جديدة تعيد الثقة في الحركة. كثير من الناس خاضوا الانتخابات بدافع حبهم لعودة حركة «فتح» إلى مكانها القيادي والريادي والطليعي في قيادة المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.

انتخابات الحركة طريق لاستعادة دورها في قيادة الشعب الفلسطيني

وأظن أن معظم المترشحين يدركون حقيقة الفجوة التي أصبحنا نعيشها، فهناك فجوة بين الحركة والشارع الفلسطيني، وبالتالي كان الجميع مندفعاً بعد 10 سنوات من آخر انتخابات. وكانت انتخابات المؤتمر الثامن فرصة لاستعادة الذاكرة الوطنية، وعودة الوضع الطبيعي في الحركة عبر رفدها بقيادة تضم النساء والشباب، وعقولاً وكفاءات من تخصصات مختلفة. كل ذلك تستحقه حركة «فتح»، وهو طريق استعادة دورها في قيادة الشعب الفلسطيني، خاصة في هذه المرحلة الحرجة.
■ ترشحتِ للمجلس الثوري وفزتِ بأعلى الأصوات، ومعلوماتي تقول إن الأمر لم يكن في بالك مطلقاً، متى قررتِ؟
لم يكن الموضوع في بالي. قبل شهرين تقريباً، تواصلت معي مجموعة من الأسرى المحررين من الحركة، وفتحوا معي موضوع المؤتمر للنقاش، وبحثنا في أسئلة تتعلق بمن يمكن أن يترشح، ولفتوا نظري إلى إمكان أداء دور ما، وفي تلك اللحظة بدأت التفكير في الموضوع، وأن يكون لي دور سياسي بعد أن اقتصر عملي طوال عشر سنوات على المنصات الإعلامية والجانب الأكاديمي والمؤتمرات ومقالاتي الأسبوعية.

لقد جندت نفسي لخدمة غزة.. والشعب الفلسطيني كافأني

قلت لنفسي إنني إذا رغبت في خلق أثر سياسي فأنا في حاجة إلى حركة «فتح»، وبحاجة إلى نتائج صناديق الاقتراع، وإلى قاعدة سياسية حركية باسم الحركة، وبالتالي كانت هذه فرصة أمامي.
ومع ذلك، لم يكن القرار سهلاً، فأنا غير منخرطة تنظيمياً في الحركة، رغم أنني كنت من أوائل عناصر الشبيبة في صغري في أريحا، ثم عملت مع «برلمان الشباب الفلسطيني» لعدة سنوات، وبعدها انتُخبت رئيسة لمجلس الطلبة في الجامعة.
لكنني كنت أرى أن كل هذا لم يكن كافياً، في ظل غيابي تنظيمياً عن القواعد الفتحاوية، وكان ذلك يخيفني. ومع ذلك، أحمل وعياً يقول إن حركة «فتح» تفتقد دور المثقفين المشتبكين، ودور الأكاديمي والمثقف الذي يريد الاشتباك من أجل إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وتحقيق البرنامج السياسي للحركة عبر الأكاديمية والمنطق والقانون والعلاقات والكفاءة والخبرة والمهارة، وذلك لا يتم إلا بالتوازي مع العمل التنظيمي.
وأجد اليوم أن النتائج تعكس إدراك مجموعة كبيرة من الفلسطينيين والفتحاويين أن الحركة تحتاج إلى توظيف أدوات جديدة في العمل السياسي.

لم أولد فلسطينية عبثاً

■ هل يوجد عامل محدد أو موقف أو شخص صنع التحول في موقفك تجاه الترشح؟
أنا إنسانة تؤمن باستشارة أصحاب الرأي والتجربة والخبرة، واستشرت أشخاصاً كثيرين من الحركة وخارجها، من فلسطين وخارج فلسطين، وأعضاء في اللجنة المركزية، وأعضاء مجلس ثوري سابقين، ومؤثرين وأكاديميين. الجميع تفاجأ في البداية، لكنهم شجعوني كثيراً، وتمنوا أن أكون موجودة، لكنهم نبهوني أيضاً إلى ضرورة أن «أحسبها صح».
لم يكن القرار سهلاً، لكنني قررت في تلك اللحظة عدم التراجع عنه تحت أي ظرف، وهذا يأتي انطلاقاً من إيماني العميق الذي أحاول دائماً نقله لطلابي عبر محاضراتي، وهو أن علينا كمواطنين فلسطينيين، وكأفراد في المجتمع بشكل عام، مسؤولية وطنية وأخلاقية.
أنا مؤمنة جداً بأنني لم أولد فلسطينية عبثاً، وهذا ما تربيت عليه وفق فكر والدي صائب عريقات. وفي الوقت نفسه، لدي رغبة في استثمار علمي وقدراتي ومهاراتي في خدمة القضية التي ولدت من أجلها، ومسؤوليتي الفردية والوطنية والأخلاقية والدينية هي التي حتمت عليّ اتخاذ هذا القرار.

عباس اتخذ قراراً قيادياً

■ في المقابل، هناك كثيرون رأوا هذه الانتخابات بمثابة «مرحلة حرق» في ظل عدم وضوح المرحلة الراهنة، هل نبهك أحد إلى ذلك؟ وهل لديك مثل هذه المخاوف؟
كثيرون قالوا لي ذلك، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل إن كثيرين راهنوا على حركة «فتح»، وقالوا إنها نهاية الحركة، واستخدم بعضهم تعبير «آخر مسمار في النعش»، كما راهن كثيرون أيضاً على أن المؤتمر لن يُعقد وسيُلغى.
وعلى المستوى الشخصي، حذرني كثيرون من أنها مرحلة فيها درجة عالية من عدم اليقين، ونبهوني من المجازفة، وبالتالي كانت المعطيات صعبة جداً.

لم أسع للمناصب وهدفي توظيف كل ما أملك لخدمة قضيتي

ومن هنا أريد توجيه رسالة مفادها أن قرار الرئيس محمود عباس الاستمرار في عقد هذا المؤتمر قرار قيادي يجب أن نشيد به جميعاً. فقد كانت هناك أصوات كثيرة من داخل الحركة وخارجها تراهن على عدم عقد المؤتمر، وبالتالي فإن انعقاد المؤتمر بحد ذاته، بعيداً عن المدخلات وتوقعاتنا من المخرجات، أمر إيجابي وصحي جداً لحركة «فتح» وللشعب الفلسطيني بشكل عام.
■ لكن دكتورة دلال، أنتِ حصلتِ على أعلى نسبة تصويت بين جميع المترشحين، ما تفسيرك؟
مفاجأة جميلة، وفيها دليل على أن حركة «فتح» حركة وفاء، وحركة أحرار حريصين على المشروع الوطني الفلسطيني، وهي حركة تبحث عن المصلحة الوطنية العليا عبر استعادة «فتح» لدورها الطبيعي بصورة متجددة.
أنا أكبر دليل على ذلك، فمقارنة بأعمار القيادات الموجودة أُعد قريبة من عمر الشباب، وبالتالي فإن وجودي يعكس وعي الأعضاء الذين انتخبوني.
وقبل معرفتي بالنتائج كنت أترقب النتيجة، لكن عندما ظهرت نتائج الصندوق في مصر، وتبين أنني حصلت على أعلى الأصوات هناك، أثلج ذلك صدري، لأن من ينتخبون في مصر هم الأسرى المحررون والفلسطينيون من قطاع غزة، وبالتالي كان ذلك بالنسبة لي أكبر وسام شرف أحصل عليه.
بعد ذلك ظهرت نتائج أصوات غزة، وحصلت على أعلى الأصوات هناك، ثم نتائج لبنان الذي يرمز إلى شتات اللاجئين، وكان كل ذلك بالنسبة لي أكبر تشريف أحصل عليه.
■ عند سؤالي مجموعة من أعضاء المؤتمر حول سبب فوزك بهذه النسبة، كانت من بين الإجابات: دلال نشيطة جداً، تكتب مقالاً أسبوعياً، ولديها علاقات طيبة مع كل الشرائح في الحركة، وتحضر الندوات والمؤتمرات، كما تواصلت مع الأكاديميين والمثقفين في الحركة فدعموها. حدثينا عن خطتك وعملك بعد قرار الترشح؟
لقد تواصلت مع الجميع، لكن ذلك حدث في الوقت الضائع، إذ كان أمامي خمسة أيام فقط، وحاولت استغلالها. كنت أنام ساعتين يومياً، وحاولت التواصل قدر الإمكان مع جميع الفئات داخل الحركة: القيادات، والمثقفين، والشارع الفتحاوي، والأسرى، وعائلات الشهداء، وحاولت أن أعرّف بنفسي عن قرب.

أتمنى أن يحقق المؤتمر الوحدة بين جميع الأطراف الفتحاوية

وأظن أن أحد أسباب فوزي هو ثقة الشباب فيّ، إلى جانب رؤيتهم أنني امتداد لمدرسة والدي. وأعتقد أن الفتحاويين أوفياء، ويفتقدون فكر صائب عريقات، وتحديداً القيمة المعرفية التي كان يقدمها للحركة.
وهنا لا أتكلم عن نفسي فقط، ففي المجموعة التي نجحت وحازت أعلى الأصوات عدد كبير من المثقفين والكتاب والمحامين والمتخصصين.
أنا سعيدة بوجودي مع مجموعة من الشباب الفتحاوي أصحاب الكفاءة والخبرة، وأتمنى أن نستطيع معاً خلق التغيير الذي نريد.
وأجمل ما قامت به حركة «فتح» من خلال هذه المخرجات، ومنحي أعلى الأصوات، هو إثبات للعالم كله أن حركة «فتح» ليست مجرد تنظيم، بل حركة خرجت قبل 60 عاماً وتتجدد، وتتمتع بمرونة استراتيجية، وتؤمن بأن الزمن تغير وأننا بحاجة إلى أدوات جديدة.
ومن أجل أن تنجح هذه الحركة في إحقاق حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنهاء الاحتلال والتحرر والكرامة والحرية، فنحن في حاجة إلى المواءمة بين أدوات العصر والحفاظ على الإرث التاريخي في المشروع الوطني الفلسطيني التحرري.
ومن أجل تحقيق هذه المعادلة، كان لا بد من دمج الأدوات الجديدة والوجوه الجديدة، ومن بينها 16 امرأة في المجلس الثوري نجحن عبر التصويت المباشر وليس من خلال «الكوتا».
واليوم تقدم «فتح» نموذجاً مفاده أننا نريد أن نكون صوت وصورة النضال والمقاومة والدبلوماسية، والمنطق والقوة، والقانون والعمل المقاوم.
وقد ترسخ هذا التحول عبر استمرار وجود فئة تمثل القيادات التاريخية الأولى التي تمثل الإرث التاريخي والنضالي، ونحن بحاجة إلى هؤلاء أيضاً، وإلى تجاربهم وخبرتهم.

فوز لا علاقة له بإرث الوالد

■ في تقديري البسيط، لا يكمن سبب فوزك في كونك ابنة الراحل صائب عريقات فقط، بل ربما في حضورك الكبير والفاعل خلال حرب الإبادة ودفاعك عن القضية الفلسطينية وتمثيلها في كثير من المحافل؟
أتفق معك إلى حد ما، وأؤكد أن الله أكرمني كثيراً بأن تربيت على يد صائب عريقات تربوياً وفكرياً.
أما فيما يتعلق بدوري خلال حرب الإبادة، فهو رد فعل على غياب صوت فلسطين عن الشاشات بالشكل المطلوب، وعلى حضور فلسطيني دولي لا يليق بصمود شعبه ونضاله.
لقد وجدت نفسي مضطرة إلى الظهور والمشاركة في كل المحافل التي تسهم في إيصال صوت شعبي وقضيتي، ولم أرفض أي ظهور أو تمثيل لفلسطين في أي مكان، بل سخرت نفسي لخدمة كل امرأة وكل طفل وكل شيخ في قطاع غزة بما أملك من أدوات، وكنت أعمل بكل صدق وإخلاص وضمير حي، ولم أكن أنتظر أي مقابل.
واليوم أقول إن الشعب الفلسطيني كافأني كثيراً على ذلك.

نحن بحاجة إلى تكريس ثقافة المساءلة والمحاسبة داخل الحركة

■ لكن هناك من هو غير راضٍ عن فوزك في المجلس الثوري للحركة، ولهم أسبابهم؟
هذا شيء طبيعي، إنها الديمقراطية. أنا إنسانة مؤمنة بالديمقراطية والاختلاف، والاختلاف صحي.
وكانت هناك ظاهرة جميلة جداً خلال المؤتمر، فالكل كان إيجابياً، والجميع كان يتحدث عني ويشجعني ويدعمني، وهذا ما رأيته، وما أظهرته نتائج الاقتراع يدل على أن المجموعة الأكبر صوتت لي.
أما من لم يصوت لي، فهذا يعكس حالة صحية، فقد لا يعجبهم شكلي، أو قد يرون أن أدواتي وطريقتي ولغتي غير مناسبة لهم. وهناك من انتقد كوني أكاديمية، وقالوا: «خلوها في الجامعات والمؤتمرات ومع الأجانب أفضل»، وهناك من رأى ضرورة أن أبقى تكنوقراطية.
لكنني لم أرَ أصحاب هذه المواقف بصورة مباشرة، ولم أسعَ إلى المناصب، وهدفي توظيف كل ما أملك من طاقة وأدوات وخبرة وعلم وكفاءة في خدمة قضيتي.
■ بعيداً عن تجربتك الخاصة، نال المؤتمر نقداً وشهد جدلاً واسعاً، ومن أبرز الملاحظات أنه عقد وانفضّ من دون أن يوحد حركة «فتح»، وما زالت الخلافات والانشقاقات قائمة؟
كنت أتمنى أن يحقق المؤتمر الوحدة الحقيقية بين جميع الأطراف الفتحاوية، وما زلت على هذا الأمل.
ورغم ذلك، شهد المؤتمر حراكاً ونقاشات وحوارات مهمة، وأتمنى في المراحل اللاحقة أن نحقق الدرجة التي كنا نتوقعها ونتأملها من مخرجاته.
أما بالنسبة إلى الأشخاص الذين لم يحالفهم الحظ، فأقول لهم إن من يؤمن بـ«فتح» عليه أن يؤمن بها، سواء منحته أصواتها أم لا، فالمسألة قضية مبدأ.
وفهمي الخاص أن كل شخص يصل إلى منصب ما عليه أن يدرك أن ذلك يرتبط بالمساءلة والمحاسبة في تحقيق الأهداف التي وجد هذا المنصب من أجلها.
وأعتقد أن هذه الثقافة هي التي نحن في حاجة إلى توظيفها داخل الحركة وفي جميع أطرها التنظيمية، وبالتالي يمكن القول من مدخل التقييم والإدارة الاستراتيجية والمحاسبة إن ذلك خدم الحركة، وهو ما أتمنى أن يحدث.
■ لكن هناك نقاطاً مهمة أثيرت قبل المؤتمر وبعده أيضاً، مثل: كيف يكون العضو عضواً؟ وكيف وصل عدد الأعضاء إلى 2500 عضو؟ كيف تنظرين إلى هذا النقاش؟
هنا أود القول إن هناك بعض الإشكاليات التي يجب نقاشها ومراجعتها، فلا يوجد شخص كامل.
ومن المهم التأكيد أن المؤتمر شهد عدة نقاشات حول هذا الموضوع، وكانت هناك لجنة تحضيرية للمؤتمر تضم أعضاء من اللجنة المركزية السابقة، وأعضاء من المجلس الثوري.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن عمر هذه اللجنة خمس سنوات مثلاً، وبالتالي لماذا لم يتجه أعضاء المجلس الثوري السابقون إلى الانتقاد خلال هذه المدة الطويلة؟ ولماذا تركزت الانتقادات قبل المؤتمر بأيام؟ ولماذا لم يتحدثوا سابقاً عن الموضوعات المختلفة؟ ولماذا لم ينظروا إلى النظام الداخلي والقوانين والمحددات الداخلية من قبل؟
أعتقد أن هذه أمور حركية ويجب أن تؤخذ في الاعتبار في النقاشات الداخلية للحركة.
وهنا أعد كل من وثق فيّ بطرح هذه الأمور للنقاش لضمان حقوق الجميع.
أما بالنسبة إلى عدد الأعضاء، فقد كان مهولاً فعلاً، إذ وصل العدد إلى نحو 4000 عضو، لكن الرئيس رفض ذلك، وذكرهم بأن المؤتمر السابق كان يضم 1500 عضو.
وأنا أؤمن بأن علينا كأعضاء في الحركة انتخاب لجنة للمؤتمر نضع فيها كامل الثقة، كما يجب أن تعمل لجنة المؤتمر المقبل وفق آلية واضحة للطعون والاعتراضات والشكاوى.

يحق لـ«فتح» ما لا يحق لغيرها

■ البعض طرح قضية دلالة أن تقوم حركة «فتح» بالإجماع، بنسبة 100 في المئة، بإعادة انتخاب الرئيس محمود عباس قائداً للحركة، وقال البعض إن هذا ما كان يجب أن يحدث في فلسطين، ما رأيك؟
أولاً، نحن لا توجد لدينا أحزاب، بل «فتح» حركة تحرر وطني فلسطيني، وحركات التحرر يحق لها ما لا يحق لغيرها.
والرئيس محمود عباس من آخر القيادات التاريخية لـ«منظمة التحرير الفلسطينية» الذين ما زالوا على قيد الحياة، وبالتالي فإن الحفاظ على مكانته كان مهماً.
وأنا أراه رمزاً وطنياً وقيمياً وفكرياً، ونحن في حاجة إلى الإرث التاريخي لهذه الحركة بقياداتها ورموزها وفكرها وبرنامجها السياسي.
ومن غير المقبول حدوث تحول شامل في الحركة يقوم على إقصاء القادة التاريخيين، وأنا أسميهم الأصل والإرث التاريخي للحركة، ومن هذا المنطلق أتمنى من الجميع النظر إلى تجديد انتخابه من هذه الزاوية.
■ هناك من نظر إلى انتخابات الحركة باهتمام كبير لأنهم رأوا أنها تأتي في لحظة تاريخية يسعى فيها كثيرون إلى إعادة هندسة الشعب الفلسطيني، والبداية من حركة «فتح»، وبالتالي كانوا قلقين من نتائجها التي نالت اهتماماً كبيراً؟
هناك وقائع سياسية وميدانية تُفرض على الفلسطينيين، وهناك جرائم الاحتلال.

مطلوب من “فتح” أن تستعيد كامل دورها في قيادة المشروع الوطني التحرري

وفي سياق ترشحي، حذرني بعضهم وقالوا إن القوائم الفائزة تكون جاهزة، وإن كل شيء مُهندس من ناحية من يفوز ومن يخسر، وهذا هو الفكر الذي كان سائداً قبل المؤتمر، وقد أخافني ذلك كثيراً.
لكن النتيجة التي حصلت عليها كانت أكبر دليل وأكبر مطمئن على عدم وجود ذلك.
وحتى المترشحون الذين كانوا يتحدثون عن مباركة الرئيس أو أعضاء اللجنة المركزية، تبين عدم صحة ذلك.
وأقول إن المخرجات أكبر دليل على عكس ذلك، أي على عدم هندسة المشهد داخل حركة «فتح».
أما بالنسبة إلى هندسة الواقع والمشهد السياسي الفلسطيني، فالأمور مختلفة، فقد شهدنا منذ بداية السنة نقاش مسودة الدستور، ثم جرت الانتخابات البلدية المحلية، وبعدها انتخابات حركة «فتح» والمؤتمر الثامن، ثم ستجري في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل انتخابات المجلس الوطني، وبالتالي هناك حراك جيد، وعلينا دعمه والعمل على إنجاحه.
■ في موضوع فوزك، هناك من قال: لو ترشحت دلال لانتخابات اللجنة المركزية فستفوز؟
أنا أحترم التدرج والتسلسل، وطموحي السياسي لا يتعلق بالمنصب، بل بأثري السياسي في خدمة شعبي.
هذا أول مؤتمر أشارك فيه، ولم أسمح لنفسي بالتفكير في اللجنة المركزية.
وما يهمني أنني حصلت على شرعية كافية للعمل السياسي مدعومة بقاعدتي الفتحاوية.
■ الأثر والفعل والمسؤولية، وهذا ينقلنا إلى السؤال الجوهري: ماذا يمكن أن تفعل «فتح» في المشهد الفلسطيني الممتلئ بالخراب؟
لأجل ذلك، أطلب من الجميع أولاً التوقف عن جلد الذات، وثانياً: «خلوا عيونكم عليّ، وانصحوني وشاوروني، وأعطوني تغذية راجعة، فأنا منكم وفيكم، وأنا ابنتكم وأختكم، وهذا على المستوى الشخصي».
أما على مستوى المطلوب من «فتح» بعد مخرجات مؤتمرها، فهو كثير.
فعليها أن تعود وتفرض دورها الطبيعي على الطاولة، فالمؤتمر حمل رسالة مفادها أن «فتح» وحدت الشعب الفلسطيني عبر انتخابات جرت في الضفة وغزة ومصر ولبنان.
ورسالتي إلى «فتح» المتجددة، التي جاءت بأدوات عصرية، أن تحافظ على إرثها التاريخي، وأن تستعيد دورها بصفتها القانونية، وأن تقود «منظمة التحرير الفلسطينية» بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن تفرض نفسها على الطاولة عبر صناديق الاقتراع.
والمطلوب من «فتح» أن تستعيد كامل دورها الطبيعي في قيادة المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.
■ هذه الدعوة تحيلنا إلى فكرة غياب الوحدة الوطنية بحدودها الدنيا، رغم تجربة الإبادة المستمرة، ما رؤيتك لموضوع الوحدة الوطنية؟
أتحدث هنا بصورة شخصية وفق إيماني ورؤيتي.
وأريد تذكير الجميع بأن «فتح» لم توجد لخدمة «فتح»، بل وجدت لخدمة كل فلسطيني.
وبالتالي، فإن «فتح» لا تملك أيديولوجيا مغلقة، بل هي مظلة الجميع، من اليسار إلى اليمين، ومن الكبير إلى الصغير، ومن الليبرالي إلى الاشتراكي، ومن اليساري إلى اليميني.
وبالتالي، فالمطلوب من «فتح» التواصل مع الجميع، وهذا ما أمارسه دائماً، التواصل مع كل التيارات وكل الأحزاب.
و«فتح» أم الجميع، وبرنامجها السياسي الذي يميزها يقول ذلك، وبالتالي مطلوب منها التواصل مع الجميع، وتمثيل الجميع، وأن تكون مظلة الجميع.
■ هل تابع طلابك في الجامعة رحلة ترشحك، أم إنهم لم يكونوا مهتمين بالمشهد السياسي؟
معظم الطلاب لم يكن لديهم علم أصلاً، لكن بعد ظهور النتيجة كان الطلاب سعداء جداً، وجميعهم قالوا إنني منحتهم الأمل.
ومن المؤكد أن هناك إحباطاً لدى الشباب الفلسطيني، فدراسات كثيرة تقول إن الشباب لا يرغبون في الممارسة والمشاركة السياسية، وهو أمر يعكس جانباً من الإحباط، لكنني لاحظت أن فوزي منحهم الأمل.
وسأستمر معهم ليستعيدوا الإيمان بأدوارهم الفردية في التغيير.

هجمات المستوطنين

■ هناك من طرح سؤالاً: هل يمكن لضجيج المؤتمر أن يوقف هجمات المستوطنين أو يعوض المزارعين عن هجمات المستوطنين وسرقتهم أغنامهم؟ وهذا سؤال جوهري لحركة «فتح»؟
أولاً، علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، وأن ننطلق من حقيقة أننا ما زلنا شعباً تحت الاحتلال.
وعندما ننطلق من هذه الحقيقة، نبدأ في توظيف الأدوات المناسبة حسب التخصص.
أنا لست ناشطة ميدانياً، لكن تقع عليّ مسؤولية كبيرة في مجال تخصصي، في إعادة الذاكرة الوطنية، وإحياء القيم والأدوات القانونية والدبلوماسية التي تعزز صمود شعبي، وتؤكد حقي المشروع في المقاومة بكل الأدوات وصولاً إلى التحرر.
وسأقوم بدوري وفق تخصصي، وأتمنى من جميع زملائي أن يؤدوا أدوارهم وفق تخصصاتهم.
والدبلوماسية ليست كلاماً ناعماً، بل قوة ناعمة، وعلينا توظيف كامل أدواتنا في هذه القوة الناعمة.
■ في تقديري، الجرح الفلسطيني كبير ولا يمكن مواجهته من فصيل واحد؟
بغض النظر عن مخرجات المؤتمر، فقد وجدت شباب فلسطين الذين كنت أبحث عنهم، وجدت شباب المخيمات، وشباب الأسرى المحررين، والشباب والشابات المؤمنين بأننا فعلاً أصحاب حق، وكنت أبحث عن هؤلاء.
لقد أعادوا إليّ الثقة بوجودهم، وسيكونون جنباً إلى جنب معي، وكل شاب بأدواته.
وجزء من هؤلاء كانوا محبطين، لكن الانتخابات منحتهم أملاً جديداً.
■ نقطة قبل أخيرة، من المهم القول إنك لستِ الأولى فقط في المجلس الثوري، فهناك فدوى البرغوثي في المركز الثاني أيضاً؟
صحيح، ومن المهم القول إن العدد يجب أن يكون أكبر من 16 امرأة، فهذا يعكس وعي الحركة، خاصة أن الفائزات لم يصلن عبر «الكوتا».
وفي زاوية أخرى، صوتنا خلال المؤتمر لتبني كوتا المرأة في المؤتمر المقبل بنسبة 30 في المئة، وأتمنى تطبيق ذلك في المؤتمر المقبل.
ومن المؤكد أنني أفتخر كل الفخر بالمرأة الفلسطينية في جميع المجالات.
■ لو افترضنا أن والدك، رحمه الله، ما زال على قيد الحياة، كيف سيكون شعوره تجاهك؟
بداية، خسارتي شخصية ووطنية برحيل الوالد.
وأتمنى أن يزيدني الله قوة وحكمة لاستكمال مشواره، لكن لو كان على قيد الحياة، فمن المؤكد أنني لم أكن سأشارك في المؤتمر.
فقد أنهيت الماجستير والدكتوراه، ولم أتبوأ أي منصب في السلطة أو المنظمة، إذ كان لديه موقف حاد من تضارب المصالح.
■ من عائلتك، ما أبرز تعليق حصلتِ عليه؟
والدتي قالت: «كأني شايفة صائب رجع».
■ هل هناك وعد تقطعينه على نفسك بعد فوزك بانتخابات المجلس الثوري لحركة «فتح»؟
وعدي أن أكون صادقة، وأن أستمر في عملي بالأدوات التي أمتلكها، وأن أبقى على تواصل مع الجميع، وألا أذوب أو أختفي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *