غموض اتفاق «4+4» يفجر خلافاً حول النظام الانتخابي وتحذيرات من تكريس تقاسم السلطة في ليبيا


طرابلس – «القدس العربي»: تصاعد الجدل السياسي في ليبيا حول مستقبل العملية الانتخابية والمسارات المطروحة للخروج من المرحلة الانتقالية، بعد إعلان مجموعة من الأحزاب رفضها ما تردد عن اتجاه لجنة الحوار المصغر «4+4» إلى العودة لنظام الانتخاب الفردي، بالتزامن مع استمرار الغموض بشأن الاتفاق الذي وقعته اللجنة بالأحرف الأولى، وانتقادات وجهها رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، إلى طريقة إدارة بعض التفاهمات برعاية الأمم المتحدة، بينما حذر تحليل أمريكي من أن المبادرة التي يقودها المبعوث الأمريكي، مسعد بولس، قد تتحول إلى ترتيب جديد لتقاسم السلطة يكرس بقاء النخب الحالية ويؤجل الانتخابات.
وأعلنت تنسيقية تضم عدداً من الأحزاب الليبية، السبت، رفضها ما أثير بشأن اتفاق لجنة «4+4» على العودة إلى القانون رقم «10» لسنة 2010، الذي يقوم على الانتخاب الفردي، مع السماح لأعضاء الأحزاب بالمشاركة في الانتخابات بصفتهم أفراداً وليس عبر قوائم وبرامج حزبية.
وطالبت التنسيقية بالنشر الفوري والكامل لاتفاق اللجنة وجميع التعديلات والترتيبات الانتخابية المرتبطة به، معتبرة أن العودة إلى النظام الفردي، في حال تأكدت، تمثل تراجعاً عن القانون رقم «27» لسنة 2023 الذي اعتمد نظاماً مختلطاً وسمح بمشاركة الأحزاب عبر قوائمها.
وقالت الأحزاب إن التجربة السياسية منذ عام 2014 أظهرت أن الاعتماد الواسع على الانتخاب الفردي ساهم في تفكك الكتل البرلمانية وتغير التحالفات وغياب المساءلة المرتبطة بالبرامج السياسية، معتبرة أن السماح لعضو الحزب بالترشح بصفته الفردية لا يعوض مشاركة الحزب كمؤسسة سياسية.
وتأتي هذه الاعتراضات في وقت لم تكشف فيه بعد التفاصيل الرسمية لمسودة الاتفاق التي وقعها ممثلو لجنة «4+4» بالأحرف الأولى الخميس الماضي، الأمر الذي فتح الباب أمام تداول تسريبات ومعلومات متضاربة بشأن التعديلات التي جرى التوصل إليها، خصوصاً ما يتعلق بالقوانين الانتخابية وطريقة تشكيل السلطة التشريعية المقبلة.
وتدخلت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الجمعة، للرد على الجدل، مؤكدة أن المعلومات المتداولة في وسائل الإعلام الليبية بشأن الاتفاق «لا تعكس بدقة ما تم الاتفاق عليه»، ودعت إلى احترام القواعد التي تحكم المفاوضات، بما في ذلك سرية المداولات، مشيرة إلى أنها ستنشر الاتفاق بعد استكمال العملية والإعلان عنه رسمياً.
وكانت البعثة قد أعلنت أن أعضاء الاجتماع المصغر وقعوا بالأحرف الأولى مسودة الاتفاق النهائي، بعد تحقيق تقدم في ملفي القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، على أن يعقد لقاء جديد داخل ليبيا قبل نهاية آب/ أغسطس لاستكمال ترتيبات التنفيذ والإعلان الرسمي.
لكن استمرار حجب التفاصيل أثار اعتراضات سياسية، كان أبرزها موقف رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، الذي انتقد ما وصفه بالغموض الذي أحاط ببعض التفاهمات والترتيبات الجارية برعاية البعثة الأممية، معتبراً أن ذلك لا ينسجم مع مبدأ الشفافية الذي يفترض أن يحكم أي مسار ترعاه الأمم المتحدة.
وشدد المنفي على أن نجاح أي اتفاق مرتبط بوضوح أساسه القانوني واختصاصاته ومدى انسجامه مع المرجعيات الدستورية وقدرته على التنفيذ والاستمرار، مؤكداً أن ليبيا لا تحتاج بعد سنوات طويلة من المراحل الانتقالية إلى ترتيبات جديدة تعيد إنتاج الخلاف أو تقوم على تقاسم المواقع، وإنما إلى مسار يقود إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة.
في المقابل، طرحت الأحزاب تصوراً أكثر تشدداً بشأن شكل النظام الانتخابي، إذ طالبت بأن تشغل القوائم الحزبية ما لا يقل عن 80% من مقاعد السلطة التشريعية في مجلسي النواب والشيوخ، وأن يكون المقعد الذي تحصده القائمة ملكاً للحزب وليس للنائب بصورة شخصية، بحيث يفقد العضو مقعده إذا استقال من الحزب أو فقد عضويته وفقاً للقانون.
ويرى مراقبون أن الجدل يتجاوز مسألة الاختيار بين النظام الفردي والقوائم إلى سؤال أوسع يتعلق بطبيعة النظام السياسي الذي يجري تشكيله، ومدى قدرة المؤسسات المقبلة على إنتاج كتل سياسية مستقرة بدلاً من استمرار التحالفات المتغيرة التي ميزت المؤسسات الانتقالية خلال السنوات الماضية.
وتتزامن هذه الخلافات مع تصاعد النقاش بشأن مسار سياسي آخر تقوده الولايات المتحدة، وسط تقارير عن مبادرة يعمل عليها مبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، لتقريب معسكري الشرق والغرب وإعادة ترتيب السلطة التنفيذية.
وفي هذا السياق، حذر الباحث ابن فيشمان، في مقال نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، من أن المبادرة الأمريكية قد تتحول إلى «حل موقت آخر» يسمح للنخب السياسية بالاستمرار في تأجيل الانتخابات والإصلاحات، معتبراً أن منح مواقع قيادية لشخصيات بعينها قد يفتح الباب أمام أزمة سياسية جديدة.
وأشار المقال إلى بروز صدام حفتر، نائب قائد قوات شرق ليبيا، باعتباره أحد الوجوه الرئيسية في التحركات الأمريكية الأخيرة، مقابل شخصيات من معسكر حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، محذراً من أن تحويل التفاهم بين القوى المسيطرة فعلياً إلى صيغة رسمية لتقاسم السلطة قد يؤدي إلى إضعاف المسار الأممي بدلاً من إنهاء الانقسام.
ويعكس هذا الطرح مخاوف متزايدة من دخول ليبيا مجدداً في منافسة بين مسارين: مسار أممي يسعى إلى تعديل القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات تمهيداً للاستحقاق الانتخابي، ومسار أمريكي يركز بصورة أكبر على تفاهمات مباشرة بين مراكز القوة في الشرق والغرب.
ويزداد تعقيد المشهد في ظل استمرار أزمات الخدمات والكهرباء والاضطرابات الأمنية التي شهدتها مناطق في غرب البلاد، إضافة إلى النفوذ الواسع للتشكيلات المسلحة والانقسام العسكري والمؤسسي، وهي عوامل تعزز المخاوف من أن تتحول أي تسوية جديدة إلى إعادة توزيع للنفوذ بين القوى القائمة بدلاً من معالجة أزمة الشرعية.
وبين مطالب الأحزاب بالكشف عن مضمون اتفاق «4+4»، ودعوة المجلس الرئاسي إلى مزيد من الشفافية، وتحذيرات من تحويل المبادرة الأمريكية إلى صيغة جديدة لتقاسم السلطة، تبدو العملية السياسية الليبية أمام اختبار جديد: إما الانتقال من التفاهمات المغلقة والترتيبات الانتقالية إلى قواعد انتخابية واضحة ومعلنة، أو الدخول في جولة أخرى من التسويات المؤقتة التي أبقت الاستحقاق الانتخابي معلقاً طوال السنوات الماضية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *