طهران- «القدس العربي»: تم تعيين محسن رضائي، الشخصية السياسية والعسكرية المعروفة في إيران، أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
وبعد استقالة محمد باقر ذوالقدر من منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في الشهر الخامس من توليه المنصب، أصدر المرشد الأعلى، مجتبى خامنئي، حكماً بتعيين رضائي ممثلاً له في المجلس الأعلى للأمن القومي. ثم عُيّن، بقرار من مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، أميناً لهذا المجلس.
وأثار تعيين محسن رضائي اهتماماً كبيراً في الأوساط السياسية الإيرانية، وهنّأ كبار المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم رئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية ووزير الخارجية، إلى جانب مسؤولين كبار آخرين، بهذا التعيين. ورأى مؤيدوه أنه اختيار مناسب بفضل خبرته العسكرية والأمنية الطويلة، فيما اعتبره بعض المحللين رسالة إلى التيارات الأكثر تشدداً، وإشارة إلى رغبة القيادة في تعزيز التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية.
بعد تعيين محسن رضائي، نُشرت مقاطع فيديو من تصريحات سابقة لمحسن رضائي ينتقد فيها السياسة النووية الإيرانية ودور سعيد جليلي، الشخصية المتشددة في التيار الأصولي، في المفاوضات النووية في السنین الماضیة. كما اعتبر بعض الناشطين السياسيين تعيين محسن رضائي رسالة لمواجهة «جبهة بایداری» (جبهة الصمود) الحزب المتشدد داخل التيار الأصولي.
وخلال الأشهر الماضية، أدلى رضائي في تصريحات مختلفة بمواقف صريحة بشأن الحرب والولايات المتحدة وإسرائيل وأمن المنطقة ومستقبل العلاقات الإيرانية مع الغرب. فعلى سبيل المثال، قال في نيسان/ أبريل 2026، خلال مقابلة تلفزيونية، إن الحرب ستستمر إلى حين الحصول على تعويضات، ورفع العقوبات الاقتصادية، والحصول على ضمانات بعدم تدخل الولايات المتحدة. ومن هذا المنظور، يمكن أن يشير تعيينه إلى تزايد أهمية الخبرة العسكرية والأمنية في إدارة الملفات المطروحة أمام المجلس الأعلى للأمن القومي.
ومع ذلك، يُعرف محسن رضائي بأنه شخصية مرنة وتفاعلية، ولديه علاقات واسعة مع الأوساط غير العسكرية وغير الأمنية.
محسن رضائي ومحمد باقر ذوالقدر كلاهما من القادة المخضرمين في الحرس الثوري الإيراني. فقد عُيّن رضائي في السنة الثانية من الحرب الإيرانية-العراقية، في أيلول/ سبتمبر 1981، بقرار من روح الله الخميني، أول مرشد للجمهورية الإسلامية، قائداً عاماً للحرس الثوري، وظل يتولى هذه المسؤولية لمدة 16 عاماً. أما ذو القدر، فكان خلال الحرب الإيرانية-العراقية قائداً لمقر رمضان التابع للحرس الثوري. وكان هذا المقر مسؤولاً عن تنفيذ العمليات الخارجية للحرس الثوري، ويشار إليه باعتباره النواة الأساسية لقوة القدس التابعة للحرس الثوري.
كما كان الاثنان، قبل ثورة 1979، عضوين في جماعة “منصورون”. وكانت هذه المنظمة الإسلامية المسلحة تخوض الكفاح المسلح ضد حكم بهلوي، وبعد ثورة 1979 شكّلت، إلى جانب ست جماعات إسلامية أخرى، منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية.
ويتألف المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران من 10 أعضاء، هم: رئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، ورئيس السلطة القضائية، ووزير الخارجية، ورئيس منظمة الميزانية، ووزير الداخلية، ووزير الاستخبارات، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وممثلان اثنان عن المرشد. وعادةً ما يُعيَّن أحد ممثلي المرشد بقرار من رئيس الجمهورية أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي. ويشارك في اجتماعات المجلس، من دون حق التصويت، مسؤولون سياسيون وأمنيون كبار، من بينهم قادة الحرس الثوري والجيش وقوات إنفاذ القانون، ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون. ولكي تصبح قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي نافذة، يجب أن تحظى بموافقة المرشد.
وقد اتُّخذت قرارات رئيسية وأساسية في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية، من بينها وقف الحرب والموافقة على مذكرة التفاهم الأخيرة مع الحكومة الأمريكية، بعد إقرارها في المجلس الأعلى للأمن القومي وموافقة المرشد عليها.
ويرأس المجلس الأعلى للأمن القومي رئيس الجمهورية، لكن أمانة المجلس تُدار من قبل الأمين. ومع ذلك، فإن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي يُنظر إليه باعتباره مسؤولاً عن أمن البلاد، وليس مجرد صاحب منصب إداري.
ويُعد المجلس الأعلى للأمن القومي أعلى مؤسسة أمنية في البلاد، وتخضع له جميع القوات والمؤسسات العسكرية والسياسية والأمنية، باستثناء المرشد.
بعد اغتيال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي آنذاك، في الهجوم الإسرائيلي في 17 آذار/ مارس 2026، في خضم الحرب التي استمرت 40 يوماً، عيّن المرشد الجديد محمد باقر ذو القدر ممثلاً للمرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي، ثم عيّنه رئيس الجمهورية أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي.
وقد تولى ذو القدر المنصب لنحو خمسة أشهر، وهي أقصر فترة لتولي منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في تاريخ أربعة عقود من عمل هذه المؤسسة.
ولم تُنشر في المصادر الرسمية توضيحات واضحة بشأن السبب الدقيق لاستقالة محمد باقر ذو القدر. وقد نُشرت تقارير غير رسمية تربط هذا التغيير بوجود خلافات، إلا أنه لم يصدر حتى الآن أي خبر رسمي بهذا الخصوص.
وكان محمد باقر خرازي، وهو رجل دين أصولي ومثير للجدل وقريب من أسرة المرشد، أول من أعلن أن قرار المرشد الحالي، مجتبى خامنئي، بإبعاد محمد باقر خرازي واستبداله بمحسن رضائي، جاء في إطار إجراء اتخذه المرشد الجديد لإدارة ظروف الحرب.
محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، ومن الشخصيات العسكرية والسياسية المخضرمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يُعيَّن حالياً في أعلى منصب أمني في البلاد.
ويمكن اعتبار تعيين رضائي عودةً لإحدى أكثر الشخصيات العسكرية خبرةً في الجمهورية الإسلامية إلى أحد أهم المواقع في مجال السياسة الأمنية للبلاد وأعلى مؤسسة لاتخاذ القرار في إيران في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية.
وُلد رضائي عام 1954 في مسجد سليمان بمحافظة خوزستان جنوب غربي إيران، وتولى قيادة الحرس الثوري خلال سنوات الحرب الإيرانية-العراقية التي استمرت ثمانية أعوام (1980-1988)، ثم انتقل بعد ذلك إلى العمل ضمن البنية السياسية والاقتصادية في إيران.
ومن أهم المحطات في مسيرة رضائي دوره في إنهاء الحرب الإيرانية-العراقية التي استمرت ثمانية أعوام. فقد كتب رسالة إلى المرشد آنذاك، الإمام الخميني، دفعه فيها إلى قبول إنهاء الحرب. كما أن العديد من المسؤولين الإيرانيين الكبار الحاليين، ممن لديهم خلفيات في الحرس الثوري، عملوا ضمن هيكل القيادة التابع لمحسن رضائي.
وكان محسن رضائي قبل هذا المنصب يشغل منصب مستشار المرشد. كما شغل رضائي لسنوات طويلة منصب أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام، وكان في حكومة إبراهيم رئيسي، لفترة من الوقت، نائباً للرئيس للشؤون الاقتصادية وأميناً للمجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي لرؤساء السلطات الثلاث.
كما ترشح في أربع دورات للانتخابات الرئاسية، في 2005 و2009 و2013 و2021، لكنه لم يتمكن من الفوز في أي منها.
ويعد رضائي أحد المتهمين، وفقاً للقضاء الأرجنتيني، في قضية تفجير مبنى الجمعية اليهودية الأرجنتينية (آميا)، في بوينس آيرس في 18 تموز/ يوليو 1994، وأسفر عن مقتل 85 شخصاً وإصابة مئات آخرين.
ويدخل رضائي المجلس الأعلى للأمن القومي في ظروف مختلفة. فقد جاء تعيينه في وقت أصبحت فيه قضايا الأمن القومي الإيراني أكثر تشابكاً من أي وقت مضى مع الملفات العسكرية والسياسة الخارجية والتطورات الإقليمية. ومن بين الموضوعات التي يمكن أن تكون على جدول أعمال المجلس: الحرب والمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، والتطورات المرتبطة بإسرائيل، ووضع المواجهات مع دول المنطقة، والملف النووي، والعقوبات والمفاوضات، والتوتر مع واشنطن.
والآن سيكون من المهم معرفة ما إذا كان الأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي سيُحدث تغييراً في أسلوب إدارة الأمانة، والأهم من ذلك في طريقة التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية والحكومة.
وفي ظل وجود ملفات الحرب ووقف إطلاق النار والمفاوضات المحتملة مع الولايات المتحدة والعقوبات والبرنامج النووي والتطورات الإقليمية في الوقت نفسه أمام صانعي القرار الإيرانيين، يمكن أن يصبح المجلس الأعلى للأمن القومي أحد أهم مراكز اتخاذ القرار بشأن مستقبل السياسة الخارجية والأمنية للجمهورية الإسلامية.