عنف المستوطنين في الضفة الغربية خرج عن السيطرة والأمريكيون مسؤولون عن جزء من هذا الإرهاب


لندن- “القدس العربي”: قال نيكولاس كريستوف، كاتب الرأي في صحيفة “نيويورك تايمز” إن المستوطنين في الضفة الغربية أصبحوا خارج السيطرة، وتساءل إن كانت الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستغير من الوضع؟

وقال الكاتب إن بنيامين نتنياهو في موقع رئاسة الوزراء أكثر من أي رئيس وزراء سابق في تاريخ إسرائيل، لكنه كان الأكثر كارثية لليهود والفلسطينيين على حد سواء.

ففي الوقت الذي اختفت فيه غزة قليلا من الوعي الدولي، إلا أنها في حالة يائسة بدون طريق واضح للأمام، أما في الضفة الغربية التي تعاني من هجمات المستوطنين، فإنهم يخلقون فجوة بين إسرائيل وبقية العالم، وسيكون كل هذا هو إرث نتنياهو.

وقال كريستوف إن استطلاعات الرأي الإسرائيلية تقترح أن هذا العهد الخبيث قد ينتهي في انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر. ولكن هل ستتحسن الأمور في حال إزاحة نتنياهو؟ يجيب الكاتب أن الإجابة التي يسمعها من الخبراء هي نعم، ربما إلى حد ما.

لكن لا تتوقعوا قيام دولة فلسطينية أو تحولا جذريا، لكن قد يتم كبح جماح أسوأ التجاوزات والوحشية. وقال الكاتب إن غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، يبدو الأوفر حظا للفوز بالانتخابات إذا ما أثبت نتنياهو أنه غير قادر على البقاء سياسيا، مع أن آيزنكوت ليس من دعاة السلام بأي حال من الأحوال، فهو معروف بمساهمته في صياغة مبدأ “الضاحية” وهو الرد على الهجمات بتدمير شامل وغير متناسب لخلق رادع.

وهو مبدأ ظهر قبل عقدين من الزمان وسمي باسم الضاحية الجنوبية في بيروت، معقل حزب الله، وينظر إليه أحيانا بأنه كان مقدمة لهدم نتنياهو لغزة.

وقد انسحب آيزنكوت من حكومة الحرب بزعامة نتنياهو، بسبب خلافات حول مسار حرب غزة التي قُتل فيها ابنه، مما جعله شخصية تحظى بتعاطف خاص في السياسة الإسرائيلية. وتشير تصريحاته إلى أنه سيسعى إلى توجيه إسرائيل نحو مسار أكثر اعتدالا والسيطرة على المستوطنين العنيفين في الضفة الغربية الذين يشنون هجمات إرهابية ضد الفلسطينيين.

ونقل الكاتب عن دانيال كيرتزر، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل والأستاذ الحالي في جامعة برينستون قوله: “سيحدث آيزنكوت فرقا جوهريا من حيث تهدئة الأوضاع من جهة، ومكافحة الفوضى من جهة أخرى”.

وقال كريستوف إن هجمات المستوطنين التي تسبب أضرارا أو إصابات بلغت أعلى مستوياتها في عقدين، بمعدل خمس هجمات يوميا العام الماضي. وارتفع هذا المعدل إلى ست هجمات يوميا في النصف الأول من هذا العام، وفقا لإحصاءات الأمم المتحدة التي قالت إن نحو 1100 فلسطيني قتلوا في الضفة الغربية على يد جنود أو مستوطنين إسرائيليين منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. ويشمل العدد الإجمالي 243 طفلا.

وأشار الكاتب إلى أن الجيش الإسرائيلي، أصبح في عهد نتنياهو منحازا إلى جانب المستوطنين حتى عندما يرتكبون أعمالا غير قانونية أو عنيفة، وذلك حسب فلسطينيين ومنظمات حقوقية إسرائيلية وتقارير إخبارية وغيرها.

وقد أفادت لجنة تابعة للأمم المتحدة بأن “الجيش يرافق المستوطنين بشكل روتيني في الهجمات”. كل هذا يعني عمليا معاناة شديدة لأشخاص مثل عبد المجيد حسن، وهو مزارع فلسطيني في السبعينيات من عمره، كان الكاتب يزوره بشكل دوري لسنوات عدة. وهو كما يقول راعٍ هادئ الطباع في قرية قصرة، فخور جدا بأن جميع أبنائه الاثني عشر قد التحقوا بالجامعة. وقال للكاتب خلال زيارة في نيسان/أبريل بينما كان يرعى قطيعه: “أغنامي هي التي أرسلت أبنائي إلى الجامعة”.

ووصف حسن ما تعرض له خلال السنين الماضية من عنف المستوطنين الذين أطلقوا النار على ساقه وأحرقوا منزله جزئيا (مرتين) وسرقوا أغنامه واقتحموا منزله ومنعوه من الوصول إلى أشجار الزيتون وحاولوا حرق قطيع ماشيته وهي حية، ومنعوه من الوصول إلى النبع الذي كان يعتمد عليه لسقي حيواناته، وهددوا أحفاده ودمروا سياراته الخمس ورجموه بالحجارة مرات لا تحصى، وفقا لرواياته وروايات قرويين آخرين ومراقبين لحقوق الإنسان.

وقال للكاتب: “الوضع يزداد سوءا”. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي كان في السابق يكبح جماح المستوطنين أحيانا، لكنه الآن غالبا ما يحميهم. وبينما كانا يتحدثان، اتصل به أحد أبنائه ليحذره من اقتراب عشرين مستوطنا أو أكثر. وقال حسن باستسلام: “سيبدأون برمي الحجارة وإذا رأوا سيارة، سيحرقونها”.

ورأى الكاتب أن اعتراف عدد متزايد من الشخصيات الإسرائيلية البارزة بوحشية الهجمات التي يقوم بها المستوطنون ومطالبتهم الحكومة باتخاذ إجراءات صارمة، تعتبر تطورا يزيد الخناق على المستوطنين.

وقد وقّع رئيسا وزراء سابقين وشخصيات بارزة أخرى على رسالة هذا الصيف دعوا فيها نتنياهو إلى “اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة فورا لإنهاء الإرهاب اليهودي المتفشي” في الضفة الغربية.

وقال تامير باردو، الرئيس السابق لجهاز الموساد الأمني، للتلفزيون الإسرائيلي بعد جولة في قرى الضفة الغربية: “كانت والدتي من الناجيات من المحرقة، وما رأيته ذكرني بالأحداث التي وقعت ضد اليهود في القرن الماضي”.

وقال جوناثان شيمشوني، العميد المتقاعد في الجيش الإسرائيلي: “إسرائيل تستخدم الآن قوتها لتطهير الضفة الغربية من الفلسطينيين”.

وقال الكاتب إن الإرهاب يحقق غايته ويبث الرعب ويزيد من حيرة العائلات. وقالت شفا أبو عرام (54 عاما): “نفكر كثيرا بالرحيل” وذلك عندما زار الكاتبة قريتها حلاوة التي تتعرض لهجمات متكررة من المستوطنين. وقالت: “أشعر بقلق بالغ على أطفالي، لدي بنات صغيرات، مراهقات وأخشى أن يغتصبهن المستوطنون”.

وتحدث كريستوف لسكان قرية حلاوة الذين أخبروه بأن المستوطنين قيدوا الرجال وضربوهم وحرقوا بيتا وقطعوا أنابيب المياه واقتلعوا أشجار الزيتون والرمان ودمروا ألواح الطاقة الشمسية وخزانات المياه وهاجموا المراحيض التي كانت النساء بداخلها، وأضافوا أن المستوطنين يحملون أحيانا بنادق هجومية أمريكية.

ولعل الأمر الأكثر رعباً بالنسبة للأهالي في القرية هو قيام المستوطنين بصدم الحافلة التي كانت تقل الأطفال إلى مدرستهم.

وتحدث كريستوف إلى كوثر، وهي فتاة تبلغ من العمر 9 سنوات كانت داخل الحافلة: “شعرت بالخوف عندما هاجموا سيارتنا”.

ويقول الكاتب إنه عندما كان يخرج من قرية حلاوة، اعترضت مجموعة من المستوطنين طريق سيارته وتحدث إلى المستوطنين باللغة الإنكليزية، وطلب منهم إجراء مقابلة مع “نيويورك تايمز” لكنهم رفضوا وتراجعوا.

وقال الكاتب إن إدارة ترامب، كما يبدو متساهلة بشكل ملحوظ مع هذا النوع من الإرهاب، حتى عندما يصاب أو يقتل فلسطينيون أمريكيون. وقد حدث ذلك في شباط/فبراير، حيث قتل مستوطنون مواطنا أمريكيا يبلغ من العمر 19 عاما في الضفة الغربية.

ولاحظ كريستوف أن هجمات المستوطنين على الضفة الغربية تعمل على تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل ونتنياهو. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته مجلة “إيكونوميست” بالتعاون مع مؤسسة “يوغوف” الشهر الماضي أن الأمريكيين يؤيدون، بفارق 22 نقطة مئوية، اعتقال نتنياهو بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة. ولا تقتصر هذه التحولات في المواقف على الديمقراطيين فحسب، بل أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة “إيمرسون” أن ثلثي الناخبين المستقلين يعتقدون أن أمريكا تفرط  في تقديم مساعدات لإسرائيل.

وقال كريستوف إن هجمات المستوطنين وعنفهم يجب أن تثير قلق المسؤولين الأمريكيين، وذلك لأن الولايات المتحدة تقدم الدعم للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية فـ”نحن الأمريكيون نساعد في بعض الإرهاب هذا”.

وأشار كريستوف إلى وصف توماس فريدمان، وهو معلق أيضا في  “نيويورك تايمز”، لنتنياهو بأنه ليس فقط أسوأ زعيم في تاريخ إسرائيل، بل وربما “في تاريخ اليهود برمته”. وهذا تاريخ طويل.

وأضاف: “ما أعرفه شخصيا من خلال تغطيتي الميدانية في الضفة الغربية وقطاع غزة لسنوات عديدة، هو أن أرواحا لا تحصى قد أُزهقت في سبيل خدمة مسيرة نتنياهو السياسية، وأننا نحن الأمريكيين، على الأقل حتى وقت قريب، لم نمعن النظر في تواطئنا”.

وعبر كريستوف عن أمله بنهاية نتنياهو ومسيرته السياسية قريبا، وأن يخفف شخص مثل آيزنكوت من حدة القمع. ولكن حتى لو حدث ذلك، فلنكن صريحين: سيظل سكان غزة يعانون معاناة لا تطاق، وستبقى الضفة الغربية مضطهدة وتعاني من الظلم.

وقال ساري باشي، المدير التنفيذي للجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل: “حتى لو أرادت حكومة جديدة كبح جماح المستوطنين العنيفين، فسيكون ذلك صعبا”، وأضاف: “زودت الحكومة المستوطنين بالأسلحة والمركبات، مما زاد من جرأتهم، وليس معروفا أن يسار الوسط الصهيوني الإسرائيلي ولا حتى الوسط منه قد استخدم العنف أو غيره من الإجراءات القاسية ضد اليهود الإسرائيليين، وقد لا يعود هذا المارد إلى قمقمه بسهولة”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *