لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته راشيل تشاسون قالت فيه إن العمانيين يشعرون بالدهشة من تهديدات الرئيس دونالد ترامب لقصف بلدهم وتساءلوا عما سمعه الرئيس ليطلق تهديداتهم عن بلدهم المعروف بحياديته وتوسطته في الخلافات الإقليمية وبخاصة بين الولايات المتحدة وإيران.
وبدا التهديد وكأنه ظهر فجأة، حيث قال الرئيس ترامب لشبكة “فوكس نيوز” في إشارة إلى جهوده لإعادة فتح مضيق هرمز: “إذا وقفت عمان في طريقنا، فسوف نقصفها بشدة”.
وقالت إن العمانيين شعروا بالحيرة.
ومع أن التباهي، كقاعدة عامة، أمر غير مستحب في ثقافتهم، إلا أنهم افتخروا ببلدهم الصغير، الواقع في أقصى جنوب شرق شبه الجزيرة العربية.
فمياه البلد حافلة بالسلاحف البحرية، وتنتشر فيه واحات المياه العذبة بين الجبال الوعرة ويتميز شعبه بكرم الضيافة وبساطته، في منطقة تشتهر بثرواتها الباذخة. كما تتمتع عمان، رغم تعقيدات الشرق الأوسط، بسمعة طيبة في الحياد.
ففي شباط/ فبراير، توسط وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في ثلاث جولات من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. وبعد اجتماع في جنيف في 26 فبراير، أعلن البوسعيدي عن “تقدم ملحوظ”. وفي 27 شباط/ فبراير، قال في برنامج “واجه الأمة” على شبكة “سي بي أس” بأن: “اتفاق سلام بات في متناول أيدينا”. وفي اليوم التالي، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران، مشعلتين حربا لم تنته حتى الآن، بعد مرور أكثر من ستة أشهر.
وعليه كان تهديد ترامب لسلطنة عمان في 17 آب/أغسطس صادما للغاية، لا سيما وأن إطار السلام المبدئي الذي وقعه مع طهران في حزيران/ يونيو كان قد نص على أن تجري عمان “حوارا” مع إيران بشأن مستقبل مضيق هرمز. ووصف الباحث العماني عبد الله بعبود، استاذ كرسي دولة قطر للدراسات الإسلامية بجامعة واسيدا في طوكيو، تهديد ترامب بأنه “أمر شائن”، ملخصا بذلك رأيا عبر عنه العمانيون كثيرا في الأيام الأخيرة. وأضاف: “لم نفعل خطأ، وكنا نحاول مساعدة الولايات المتحدة”، في إشارة لإعادة فتح مضيق هرمز. وقال: “هذه هي طبيعتنا”.
وكان من المقرر أن تستضيف سلطنة عمان، اليوم الاثنين، اجتماعا لوزراء خارجية دول الخليج العربي، بما فيها إيران، لمناقشة إعادة فتح مضيق هرمز، وفقا لوزارة الخارجية الإيرانية. وهو ما كان سيثير غضب ترامب من جديد أو يضع السلطنة في مرمى النيران الأمريكية.
وقد ألغي الاجتماع، لأسباب منها اعتراض دول خليجية على حضور إيران.
ومنذ إطلاق ترامب تهديداته، بدأ الكثيرون في عمان بمراجعة شاملة لعلاقات بلادهم الطويلة، والمعقدة أحيانا، مع الولايات المتحدة، وكيف تعبر عمان، المعروفة بتكتمها، عن تاريخها.
وقال العديد من العمانيين إنهم لم يأخذوا تهديد ترامب على محمل الجد، لكنهم قلقون بشأن أن ما سمعه تحديدا عن بلادهم أدى لإثارة غضبه، وكذلك بشأن ما قد تفكر فيه الدول الأخرى.
ويرى البعض أن الوقت قد حان لكي تخفف عمان من صمتها قليلا. وقال بعبود: “لا نثير ضجة إعلامية لأن هذه ليست طريقة العمانيين. لكننا نعلم أن ذلك يؤدي إلى سوء فهمنا”.
وتنبع أهمية عمان من موقعها الجغرافي المحاذي لمضيق هرمز واعتماد اقتصادها على الصيد، وكان البلد مرة يحكم إمبراطورية امتدت إلى شرق أفريقيا وحتى موزمبيق، ويحكم السلطنة منذ عام 1744 عائلة البوسعيد. وسلطان عمان الحالي هو هيثم بن طارق، الذي تولى الحكم عام 2020 بعد وفاة ابن عمه السلطان قابوس بن سعيد الذي حكم البلاد لمدة نصف قرن. وكان السلطان قابوس هو من حدد سياسة السلطنة الخارجية القائمة على مبدأ: “صداقة مع الجميع وبدون أعداء”، وفي ظل حكمه، لعبت عمان دور الوساطة في الحرب العراقية- الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي وتوسطت لحل المقاطعة الخليجية على دولة قطر وفي الحرب الأهلية اليمنية.
إلا أن محاولات الحياد العمانية لم تكن بدون انتقادات، وبخاصة قرار مسقط عدم قطع علاقاتها مع مصر التي وقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1979. وعبرت دول خليجية، وبخاصة السعودية، عن غضبها من رعاية عمان للقنوات السرية لاتفاقية إدارة باراك أوباما النووية مع إيران. وهي في مرمى الانتقادات اليوم لعدم اتخاذها موقفا واضحا من إيران التي استهدفت دول الخليج بوابل من الصواريخ والطائرات المسيرة. ومع تورط ترامب في الحرب الإيرانية واصلت عمان المشاركة بالوساطة التي تقودها قطر وباكستان، بموازاة هذه الجهود وإن بشكل سري.
وتساءل العمانيون في الأسابيع الأخيرة عما دفع ترامب لتهديد بلادهم في أيار/مايو إن “لم تتصرف بشكل جيد”.
وقال عبد الوهاب البلوشي، رجل أعمال وأحد العمانيين الذين درسوا في جامعات أمريكية بمنح حكومية: “لا بد أنه سمع شيئا، لكننا لا نعلم ما هو”. وأضاف البلوشي، العضو الحالي في مجلس إدارة جامعة مسقط: “كان الوضع مختلفا في عهد كارتر وريغان وبوش وفي عهد الجميع”.
وعلق تايلر باركر، الأستاذ المساعد للعلوم السياسية في جامعة ميرسر بولاية جورجيا والمختص في شؤون عمان، إن ترامب شعر بالإحباط من عمان في البداية بسبب اعتقاده بأن الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 الذي طلبت إدارة أوباما من عمان التوسط فيه كان منحازا ضد الولايات المتحدة.
وأضاف باركر أن ترامب عاد ليغضب من عمان في الأشهر الأخيرة “بسبب اعتقاده بأن عمان أقرب إلى إيران”، حيث تابع قائلا: “لطالما كانت عمان وسيطا حذرا جدا” و”وجدت إدارة ترامب صعوبة في فهم هذا النوع من السياسة الخارجية”.
وقال دبلوماسي أمريكي سابق، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته إن جزءا من اللوم يقع على العمانيين، لسماحهم للنظام الإيراني بتشكيل الرواية، بما في ذلك تأخرهم في دحض فكرة دعم عمان لنظام الرسوم المقترح في المضيق. وأضاف الدبلوماسي السابق: “لم يدل العمانيون بتصريحات تذكر، مما جعل من معرفة ما يجري أمرا صعبا ويحتمل أن يسمع ترامب شيئا ما فيشن هجوما لاذعا”.
في الأسبوع الماضي، صرح البوسعيدي بأنه “لم يتم التوصل إلى حل بعد” في الجهود العمانية لتأمين حرية مرور السفن. كما اتهم “بعض قادة العالم” بتهميش الدبلوماسيين المحترفين ومحاولة التوسط في اتفاق بأنفسهم. وكتب في صحيفة “فايننشال تايمز”: “لكننا لن ننسحب”.
وقال يوسف البلوشي، وهو صياد ومهندس متقاعد إن العمانيين ضحكوا عندما سمعوا ترامب يتحدث عن إعادة تسمية المضيق باسمه أو إعلانه أرضا أمريكية، كما فعل الشهر الماضي. وأضاف أن ترامب يبدو أنه لا يفهم أبسط قواعد الجغرافيا والتاريخ حيث قال: “المدخل بأيدينا، لطالما كان كذلك نحن من نملك الباب”. وعندما سئل عن تهديدات ترامب، رد: “إنه لا يفكر، إنه يتكلم فقط، عليه أن يفكر قبل أن يتكلم”.
وأشارت الصحيفة للعلاقات التاريخية الطويلة بين عمان والولايات المتحدة والتي وتعود إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، عندما رست سفينة أمريكية، هي “بوسطن رامبلر”، في ميناء مسقط. وفي عام 1840، أصبح عماني أول دبلوماسي عربي يزور الولايات المتحدة، حاملا معه سجادا فارسيا وتمورا وجلود إبل. وفي السنوات الأخيرة، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 4 مليارات دولار سنويا، وتعد عمان واحدة من نحو 20 دولة تربطها بالولايات المتحدة اتفاقيات تجارة حرة شاملة، وفقا لغرفة التجارة الأمريكية في عمان.
ومن بين هذه العلاقات التجارية، علاقة شخصية مع الرئيس الأمريكي، تتمثل في ملعب غولف يحمل علامة ترامب التجارية بتكلفة 500 مليون دولار، يقع في التلال الجميلة المطلة على خليج عمان، ومن المقرر افتتاحه عام 2028.
وقال علي داود، رئيس غرفة التجارة في عمان: “العلاقة بيننا عميقة وطويلة الأمد وقوية ولطالما كنا حليفا قويا للولايات المتحدة”.
إلا أن هذه العلاقات لم تخل من تحديات، فبعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وبالتزامن مع حصار إسرائيل لغزة، قاطع العمانيون الشركات الأمريكية في البلاد بشدة لدرجة أن بعضها أغلق أبوابه. وحتى اليوم، يصعب العثور على مشروب كوكاكولا في العديد من المطاعم في عمان، لاعتقادهم بأن الشركة تدعم إسرائيل. وقال داود إن العديد من العمانيين استاؤوا أيضا من بدء الحرب في شباط/فبراير، حتى في الوقت الذي كانت فيه عمان لا تزال تتوسط. وأضاف أن الكثيرين “استاؤوا من تصريحات ترامب، كما هو متوقع”، على الرغم من أن أحدا “لم يصدقها حقا”، وتابع قائلا: “علاقتنا أقوى من أي رئيس”.