برلين- “القدس العربي”: بعد تحقيق حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف فوزاً غير مسبوق في انتخابات ساكسونيا أنهالت، تتزايد المخاوف في ألمانيا من تكرار المشهد في الاستحقاقات المقبلة، وسط تساؤلات عن قدرة الأحزاب التقليدية على وقف تقدمه ودور أصوات المواطنين من أصول عربية ومهاجرة في ترجيح كفة منافسيه. فقد حصد الحزب 43.8 في المئة من الأصوات، مقابل تراجع حزب المستشار فريدريش ميرتس إلى 17.2 في المئة، ليقترب من أغلبية تتيح له الحكم منفرداً ويضع سياسة عزله أمام اختبار بالغ الصعوبة.
وبحسب النتيجة الأولية الرسمية، حصل «البديل» على 39 مقعداً من أصل 83، أي أنه أصبح على بعد ثلاثة مقاعد فقط من الأغلبية المطلقة. أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي فنال 9.3 في المئة، والخضر 8.9 في المئة، واليسار 8.6 في المئة، وتحالف سارة فاغنكنيشت 5.3 في المئة، بينما خرج الحزب الديمقراطي الحر من البرلمان بعد حصوله على 2.5 في المئة.
لكن الرقم الأكثر دلالة قد لا يكون نسبة «البديل»، بل ارتفاع المشاركة من 60.3 في المئة عام 2021 إلى 77.8 في المئة، وهي الأعلى في تاريخ الولاية. فهذا يعني أن الحزب لم ينتصر بسبب عزوف خصومه فحسب، وإنما نجح في إعادة قطاعات واسعة من غير المصوتين إلى صناديق الاقتراع لمصلحته.
لم ينتصر الحزب بسبب عزوف خصومه فحسب، وإنما نجح في إعادة قطاعات واسعة من غير المصوتين إلى صناديق الاقتراع لمصلحته
التحول من حزب احتجاج
وبحسب استطلاعات معهد “إنفراتست ديماب” التي أُجريت بتكليف من شبكة ARD الألمانية، ونشر موقع “تاغسشاو” تحليلاً لنتائجها، ارتفعت نسبة من يرون أن حزب “البديل” الأقدر على دفع الاقتصاد إلى الأمام في ساكسونيا أنهالت من 8 في المئة عام 2021 إلى 30 في المئة في الانتخابات الأخيرة، مقابل 28 في المئة للاتحاد المسيحي الديمقراطي».
وتقدم قراءة أرقام مؤسسة «إنفراتست ديماب» تفسيراً أعمق من الرواية الشائعة التي تختزل التصويت لـ«البديل» في الاحتجاج على الحكومة أو القلق من الهجرة.
فالحزب تصدر هذه المرة اختيارات جميع الفئات العمرية تقريباً، ولم تتعادل معه أحزاب أخرى إلا بين من تجاوزوا السبعين عاماً. كما لم يعد ناخبوه ينظرون إليه بوصفه وسيلة لمعاقبة الأحزاب التقليدية، بل باتوا ينسبون إليه القدرة على معالجة ملفات الاقتصاد والعمل والتعليم والطاقة والعدالة الاجتماعية.
كيف نجح «البديل» في تعبئة الصامتين؟
وفق تحليل القناة الألمانية الأولى، تمكن «البديل» من جذب نحو 160 ألف شخص ممن لم يشاركوا في انتخابات 2021، إلى جانب عشرات الآلاف من ناخبي الاتحاد المسيحي والليبراليين.
وساعده في ذلك اختلاف حملته عن الصورة الصاخبة المعهودة لليمين المتطرف. فقد اعتمد مرشحه أولريش زيغموند أنشطة محلية منخفضة الطابع السياسي، من المهرجانات العائلية إلى الرحلات على الدراجات النارية، وظهر مبتسماً وقريباً من الناس، فيما بقيت العناصر الأكثر تشدداً في برنامجه خلف هذا الغلاف الشعبي.
وبدا أن استراتيجية ميرتس القائمة على تبني سياسة أكثر تشدداً في الهجرة والأمن، على أمل استعادة ناخبي «البديل»، حققت نتيجة عكسية. فقد أسهمت في جعل قضايا الحزب اليميني مركز النقاش السياسي، من دون أن تقنع الناخبين بالعودة إلى الاتحاد المسيحي. وعندما تتشابه اللغة، يميل الناخب الغاضب إلى اختيار الأصل الأكثر وضوحاً، لا النسخة المخففة منه.
تحذيرات عربية من تكرار السيناريو
وفي تصريحات لـ«القدس العربي»، يقول ناصر زياني، الناشط من أصول جزائرية والمنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إنه سبق أن حذر مراراً من الوصول إلى هذا السيناريو. ويرى أن ضعف مشاركة ناخبين من أصول مهاجرة وعربية أسهم، في تقديره، في إضعاف القدرة على مواجهة تقدم اليمين المتطرف، وأن ما حدث ينبغي أن يشكل إنذاراً تُستخلص منه الدروس قبل الانتخابات المقبلة.
وتتفق الناشطة سورا حسين، في تصريحات لـ«القدس العربي»، مع ضرورة قراءة النتيجة بوصفها تحذيراً للاستحقاقات القادمة، مشيرة إلى أهمية الاستفادة من التجربة في تعزيز المشاركة الانتخابية للمواطنين من أصول عربية ومهاجرة. وفيما يركز زياني على التحذيرات السابقة وما يعتبره فرصة ضائعة للتأثير، تضع حسين الدرس المتعلق بالانتخابات المقبلة في صدارة قراءتها للنتيجة.
لكن تقدير أثر ضعف المشاركة يحتاج إلى تمييز بين رأي الناشطين وما تثبته الأرقام. فالمصادر التي أمكن مراجعتها لا تقدم قياساً منفصلاً لنسبة مشاركة الناخبين العرب في اقتراع ساكسونيا أنهالت، ولا تسمح بالجزم بأن حضورهم بكثافة أكبر كان سيغير هوية الحزب الفائز.
ملايين الناخبين… ولكن ليسوا كتلة عربية
تعطي بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي فكرة عن حجم التأثير الممكن. فبحسب تقديرات مستندة إلى المسح المصغر للسكان لعام 2023، بلغ عدد المؤهلين للتصويت ممن لديهم تاريخ هجرة نحو 7.1 ملايين شخص، أي قرابة 12 في المئة من المؤهلين للتصويت على المستوى الاتحادي. والمقصود بهذا التصنيف من هاجروا بأنفسهم إلى ألمانيا أو هاجر كلا والديهم إليها.
هذه أرقام مرجعية سابقة، وليست إحصاءً للناخبين في انتخابات 2026. كما أنها تشمل أصولاً متعددة، ولا تمثل عدد الناخبين العرب. لكنها تظهر أن المواطنين المنحدرين من عائلات مهاجرة ليسوا هامشاً انتخابياً.
أما في ساكسونيا أنهالت، فالصورة مختلفة. فقد أفاد مكتب الإحصاء المحلي بأن نحو 33 ألف شخص من أصحاب تاريخ الهجرة كانوا مؤهلين للتصويت في انتخابات اتحادية وفق بيانات عام 2023، بما يعادل نحو 2 في المئة من مجموع المؤهلين في الولاية. ومن أصل نحو 157 ألف بالغ لديهم تاريخ هجرة، لم يكن يتمتع بحق التصويت، بحسب هذا التعريف، سوى نحو الخمس.
أين يصبح للصوت الإضافي وزن؟
قد لا تتمكن كتلة صغيرة من تغيير ترتيب الأحزاب، لكنها قد تؤثر في توزيع المقاعد أو فرص تشكيل ائتلاف عندما تتقارب النتائج. ويصبح الفرق مهماً بين منع حزب من تصدر الانتخابات ومنعه من امتلاك أغلبية تتيح له الحكم منفرداً.
غير أن زيادة مشاركة المواطنين من أصول مهاجرة لا تعني تلقائياً تراجع اليمين المتطرف. فقد أظهرت دراسة للمركز الألماني لأبحاث الاندماج والهجرة «دِتسيم» بشأن انتخابات البوندستاغ عام 2025 اختلافات واضحة بين مجموعات المنشأ.
ورصدت الدراسة ميلاً أكبر لدى المشاركين ذوي الصلات بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا إلى التصويت للاشتراكيين واليسار وتحالف سارة فاغنكنيشت، وميلاً أقل إلى «البديل»، مقارنة بالمشاركين الذين ليست لديهم خلفية مهاجرة. وفي المقابل، ظهرت أنماط مختلفة لدى ذوي الأصول المرتبطة بالاتحاد السوفييتي السابق، وبينها ميل أكبر إلى التصويت لـ«البديل».
المحطتان المقبلتان
لن تنتظر ألمانيا طويلاً لمعرفة ما إذا كانت ساكسونيا أنهالت حالة استثنائية أم بداية موجة. ففي 20 أيلول/سبتمبر ستجرى الانتخابات في برلين ومكلنبورغ فوربومرن.
وفي برلين، تكشف استطلاعات «إنفراتست ديماب» عن مشهد شديد التجزؤ: الاتحاد المسيحي عند 21 في المئة، واليسار 19 في المئة، والخضر و«البديل» عند 18 في المئة لكل منهما، فيما تراجع الاشتراكي الديمقراطي إلى 11 في المئة. وهذه ليست صورة هيمنة حزب واحد، بل انهيار قدرة الأحزاب الكبرى على تشكيل أغلبية من دون تحالفات معقدة.
أما في مكلنبورغ فوربومرن، فيتصدر «البديل» الاستطلاعات بنحو 35 في المئة، لكن الاشتراكيين بقيادة رئيسة الوزراء مانويلا شفيزيغ نجحوا في تقليص الفارق والوصول إلى 32 في المئة. والمفارقة أن الاتحاد المسيحي، حزب المستشار، لا يحصل هناك سوى على 8 في المئة.
لا يعني فوز «البديل» أن الحزب بات قريباً تلقائياً من المستشارية، ولا أن الديمقراطية الألمانية على وشك الانهيار. لكنه يعني أن البنية التي ضمنت استقرارها لعقود دخلت مرحلة جديدة
ولا يعني فوز «البديل» أن الحزب بات قريباً تلقائياً من المستشارية، ولا أن الديمقراطية الألمانية على وشك الانهيار. لكنه يعني أن البنية التي ضمنت استقرارها لعقود دخلت مرحلة جديدة.
فالحزبان اللذان شكلا محور السياسة الألمانية، الاتحاد المسيحي والاشتراكي الديمقراطي، لم يحصلا معاً في ساكسونيا أنهالت إلا على نحو 26.5 في المئة. ولم يعد تشكيل الحكومات يدور بين يمين الوسط ويسار الوسط، بل بين كتلة شعبوية متماسكة وكتلة واسعة من الأحزاب لا يجمعها سوى الرغبة في منعها من الحكم.