د. أوشريت بيرودكر
اتفاق الدفاع المشترك الذي وقع في نهاية الأسبوع في مكة بين السعودية وتركيا وباكستان يشكل نقطة انعطافة استراتيجية في الشرق الأوسط وفي جنوب آسيا. الحلف الإسلامي الجديد، الذي يجمع خادم الحرمين الشريفين، وقوة عظمى نووية، وعضو في الناتو، سيسرع سباق التسلح الإقليمي والعالمي.
هذا التطور يفرض تحديات ذات مغزى لإسرائيل، يبعد مسار التطبيع مع الرياض ويقتلع رؤيا الشرق الأوسط الجديد. كرد مناسب، إسرائيل مطالبة بأن توثق الآن التنسيق مع الإمارات والهند. هذا التطور ليس صدفة. فقد بدأت المباحثات حوله كرد على تآكل متواصل في الردع الأمريكي. سياسة واشنطن في الأشهر الأخيرة تجاه إيران، التي تميزت بالتردد، عظمت إحساس انعدام الأمن ودفعت دول المنطقة إلى تنويع مساندها الاستراتيجية.
رغم أن الدول الأعضاء تعرض الاتفاق كآلية دفاع جماعية، فإن بند الدفاع المتبادل بنمط الناتو بعد عن أن يكون واعداً، مثلما رأينا في أحداث سابقة مثل الاتفاق بين السعودية وباكستان في أيلول 2025. كما لا يوجد في هذه المرحلة أي مؤشر على إعطاء مظلة نووية باكستانية.
تركيا تطلق أذرعها
بعد أن راهنت على هدوء إقليمي لكنها دحرت إلى حرب متعددة الجبهات وحصار بحري ذي تداعيات هدامة على مداخيل الطاقة وخطط التنمية لديها، بقيت المملكة السعودية مكشوفة. أجبرها هذا الواقع على تنفيذ خطوة دراماتيكية حيال تركيا، بعد نحو عقد من العلاقات المتوترة وأساساً بسبب الرافعة التي يمنحها التواجد العسكري التركي في منطقة الصومال. بالتوازي مع مسيرة تسلح متسارعة، تتطلع السعودية الآن لتصميم منظومة حلفاء استراتيجية تمنحها الدفاع والوزن المضاد.
بالمقابل، تلوح تركيا كتهديد هام على إسرائيل بقدر لا يقل عن إيران. فهي تتطلع لاستغلال الحلف لتوسيع نفوذها في الخليج ولتحدي إسرائيل في المستوى السياسي والعسكري – بينما تواصل باكستان تثبيت مكانتها كلاعبة مؤثرة في ظل ترسيخ ذخائرها حيال الولايات المتحدة في ضوء الطريق المسدود وغياب الحل حيال إيران. لإسلام أباد تاريخ من التعاون طويل السنين مع الرياض. معادلة الأمن بينهما تقوم على تسوية ثنائية توفر فيها السعودية دعماً مالياً وطاقياً فيما عرضت باكستان قدرات عسكرية وقوى بشرية. اتفاق الدفاع الذي وقع السنة الماضية والذي استهدف إظهار وحدة وقوة عسكرية وإسلامية على حد سواء، شكل منذ ذلك الحين ارتفاع درجة هاماً.
من الجهة الأخرى، فإن المحور الذي بين أنقرة وإسلام أباد ينال زخماً متسارعاً في مركزه صناعة ومشتريات أمنية. تركيا اليوم موردة السلاح الثانية في حجمها لباكستان. ومؤخراً، في معرض في المجال عقد في باكستان بمشاركة مندوبين من 32 مؤسسة من الدولتين، أكد وزير الدفاع التركي ياسر غورل، بأن اتفاقاً رسمياً بمشاركة باكستان في تطوير وإنتاج KAAN يكاد يتحقق تماماً. العلاقات تحولت إلى هامة على نحو خاص في أثناء المواجهة بين الهند وباكستان في أيار 2025.
إن إطاراً ثلاثياً في صيغة “اتفاق مكة” كفيل بأن يقدم دفعة هائلة في هذا التعاون. فالإسناد المالي المكثف من جانب السعودية، التي تندرج في القمة العالمية للنفقات الأمنية، سيسمح للرياض بتوثيق سيطرتها في سلاسل التوريد في المجال. بالتوازي، هي وباكستان ستنالان قدرة وصول أوسع إلى تكنولوجيات دفاعية متطورة، إلى تعاون استخباري وخبرة وكفاءة من تركيا.
تطلع السعودية لإعادة تنظيم مبنى الأمن لديها سيوسع أيضاً التطوير المشترك لمنصات عسكرية.
كبح النفوذ
الواقع الجديد الذي تبتعد فيه السعودية عن المفاوضات للتطبيع، وتلوح تركيا كتهديد مركزي، يستوجب من إسرائيل تبني استراتيجية في محورين موازيين:
المحور الأول يعمل الآن في البحر المتوسط مع اليونان وقبرص، ويوفر لـ “القدس” [تل أبيب] وزناً مضاداً ضرورياً لكبح النفوذ التركي، بخاصة على خلفية تقرب أنقرة من الحكم الجديد في دمشق.
المحور الثاني يتجه شرقاً، ويركز على تثبيت وترسيخ المحور الاستراتيجي الثلاثي مع الإمارات والهند.
الإمارات التي تنظر بقلق إلى اتساع النفوذ التركي في الشرق الأوسط، بسبب صلة أنقرة بحركات الإسلام السياسي، ستجد نفسها في مركز احتكاك جديد مع الرياض. كما يذكر، الإمارات هي الدولة المركزية التي تجرأت على كسر الاجماع العربي طويل السنين وأقامت علاقات رسمية مع إسرائيل في إطار اتفاقات إبراهيم في 2020.
تخوف في نيودلهي
رغم أن مدى استيراد السلاح لدى الإمارات أدنى منه لدى السعودية، فإن الدولة تندرج في القمة العالمية انطلاقاً من استراتيجية واضحة: صغيرة لكن فتاكة. وسياسة تنويع الموردين لدى أبو ظبي، التي ولدت انطلاقاً من الاضطرار تحت إدارة أوباما أدت إلى تعميق الشراكة الأمنية والاستراتيجية مع إسرائيل، إلى جانب توثيق متسارع للمحور مع الهند. التعاون مع نيودلهي ارتفع درجة مع توقيع اتفاق إطار استراتيجي، ذروته في صفقة كبرى تتبلور لشراء صواريخ “براهمز”.
يضع الاتفاق الجديد الهند أيضاً في تحفز عالٍ؛ فنيودلهي لا تخشى فقط من تعاظم باكستان عسكرياً، الخصم، بل أيضاً من تحولها إلى قناة توسع عبرها تركيا ختم علمها الاستراتيجي جنوب آسيا. على هذه الخلفية، يبدو أن الهند ستضطر لتعميق التنسيق مع الدول المتأثرة بالتوسع التركي، وتعزيز قدرة الدفاع والاستخبارات لديها، وتثبيت تحالفات إقليمية إضافية.
في مواجهة الحلف الثلاثي المتشكل، تنكشف أهمية مثلث مضاد: إسرائيل، الإمارات، والهند.
العلاقات الاستراتيجية بين “القدس” ونيودلهي، التي تطورت تحت قيادة نتنياهو ومودي وأثمرت إسناداً سياسياً، ومساعدة عسكرية وتوسيعاً لخطوط الإنتاج، تلوح كمركب حرج في المناعة القومية في وجه خطر حظر السلاح والعزلة الدولية.
عندما نربط على طول الطريق بين الدول الثلاث مصالح متداخلة وعلاقات قريبة وبنية تحتية عميقة من الثقة المتبادلة، يصبح هذا الحلف مرسى جغرافياً سياسياً ضرورياً لاستقرار المنطقة وكبح التهديدات الناشئة.
إسرائيل اليوم/ معهد القدس للاستراتيجية والأمن 11/8/2026