لندن – “القدس العربي”: نشر موقع “ميدل إيست آي” مقالا لجيمس سميث، المحاضر في السياسات والممارسات الإنسانية بكلية لندن الجامعية (يو سي أل)، وطبيب طوارئ مقيم في لندن، عمل في غزة بين كانون الأول/ديسمبر 2023 وكانون الثاني/يناير 2024، ومن نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو، دعا فيه الغرب التحرك وإنقاذ الدكتور حسام أبو صفية من القتل على يد إسرائيل. وقال إنه يجب على إسرائيل الإفراج عن الدكتور أبو صفية فورا، وكذلك الأمر بالنسبة لجميع المعتقلين الفلسطينيين، بما في ذلك 82 من العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين ما زالوا في السجون الإسرائيلية.
وأضاف أنه التقى في 1 أيار/مايو مع الدكتور أبو صفية، طبيب الأطفال ومدير مستشفى كمال عدوان، في غزة وبعد عامين، بات عرضة لخطر الموت في سجن نيتسان الإسرائيلي سيئ السمعة، بعد احتجازه لأكثر من 550 يوما. “ففي اليوم الأول من أيار/مايو 2024، انضم طاقم الإسعاف التابع لنا إلى قافلة صغيرة تابعة للأمم المتحدة متجهة إلى شمال غزة. وقد منحنا مهلة قصيرة لإنزال فريق طبي نرويجي في مستشفى العودة، ثم نقل المرضى من كمال عدوان إلى جنوب غزة حيث كان من المقرر إجلاؤهم”.
و”في مستشفى العودة، شاهدنا آثار استهداف إسرائيل المتكرر للمستشفى، كانت الجدران مثقبة بالرصاص من عيار كبير وبقي فراغ كبير بين الطابقين الثالث والرابع، ناجم عن غارة إسرائيلية على المستشفى في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 أسفرت عن مقتل ثلاثة أطباء ومرافق مريض”.
ويضيف سميث: ” وصلنا إلى مستشفى كمال عدوان بعد الظهر، فقد أخرنا الجنود الإسرائيليون عند نقطة تفتيش في نتساريم لمدة ثلاث ساعات تقريبا، مما يعني أنه لم يكن لدينا سوى وقت قصير جدا لتحديد هوية المرضى المدرجين في قائمتنا ونقلهم بأمان”.
و”استقبلنا الدكتور أبو صفية في عيادته، وكان ممثلون عن منظمة الصحة العالمية وأطباء بلا حدود حاضرين أيضا. ودعينا للجلوس بينما شرح هو وزملاؤه التحديات الكثيرة التي يواجهونها بصفتهم المستشفى الأقصى شمالا في غزة”. و”كان دوي الطائرات الإسرائيلية المسيرة لا ينقطع. ورغم التهديد المستمر بالهجمات والندرة المصطنعة للغذاء، قدم لنا الماء والبسكويت، كما هي عادة الضيافة الفلسطينية”.
وأشار الكاتب إلى الجولة التي قام بها الدكتور أبوصفية للوفد وجالوا فيها بأروقة المستشفى، حيث كانت الساحات والسلالم مكتظة والعنابر ملأى بالمرضى.
ثم أخذوا إلى جناح الأطفال الذين كانوا تحت رعايته، عشرات منهم كانوا من المصابين بأمراض خطيرة، بعضهم يعاني من سوء تغذية واضح، وآخرون في حاجة ماسة إلى أدوية منعتها إسرائيل من الوصول إلى مستشفيات غزة.
ونقل الوفد معه أربعة أطفال إلى جنوب غزة في ذلك اليوم. فقد تسببت غارة إسرائيلية في إصابات مروعة لثلاثة منهم، بينما احتاج الرابع إلى إجلاء عاجل لإجراء عملية زرع أعضاء.
وبقي الدكتور أبو صفية والممرضات والأطباء في مستشفى كمال عدوان، بما تبقى لديهم من قوة.
وقد كانت المرة التالية التي رأى فيها الكاتب الدكتور أبو صفية في مقطع فيديو بعد ثمانية أشهر، حيث انتشرت صور على الإنترنت للطبيب وهو يسير نحو مركبتين إسرائيليتين مدرعتين متمركزتين في شارع مجاور للمستشفى. و”كان واقفا منتصبا، ينظر إلى الأمام مباشرة، ويرتدي معطفه الأبيض الخاص بالأطباء. ففي الأسابيع السابقة، تعرض المرفق الطبي لهجمات متكررة واقتحام وحصار وقتل عشرات المرضى والموظفين داخل المستشفى، والعديد غيرهم في المنطقة المجاورة مباشرة.
اختفى الدكتور أبو صفية قسرا ولم يكن معروفا الكثير عن مكان وجوده، أو حتى إن كان لا يزال على قيد الحياة، إلى أن تمكن محام من منظمة “الميزان” من زيارته في شباط/فبراير 2025
ثم اختفى الدكتور أبو صفية قسرا ولم يكن معروفا الكثير عن مكان وجوده، أو حتى إن كان لا يزال على قيد الحياة، إلى أن تمكن محام من منظمة “الميزان” من زيارته في شباط/فبراير 2025. وبحلول ذلك الوقت، كان قد تعرض للتعذيب بالفعل، حيث جرد من ملابسه، وضرب أكثر من مرة واحتجز في الحبس الانفرادي لفترات طويلة.
وبعد أسبوعين، نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية مقطع فيديو للدكتور أبو صفية، مكبل اليدين والقدمين ومحاطا بحراس السجن الإسرائيليين. كانت وجوههم مغطاة بالطبع، فحراس السجن والجنود الإسرائيليون يعلمون أن المساءلة لن تلاحقهم على الأرجح، ولكن حتى مع ذلك، فهم لا يتركون شيئا للصدفة.
ويحتجز الدكتور أبو صفية منذ ذلك الحين، دون توجيه أي تهمة أو إدانة، بموجب قانون المقاتلين غير الشرعيين الإسرائيلي غير الشرعي، وخلال هذه الفترة استمر تعذيبه وإساءة معاملته بشكل صارخ.
ويضيف سميث أنه لم يتم تقديم أي دليل لتبرير احتجاز الدكتور أبو صفية، ولن يبرر أي دليل العنف السادي الذي تعرض له.
ولكن ما هي جريمته؟ يجيب الكاتب أنها إصراره على البقاء مع مرضاه ورفضه المغادرة، على عكس موظفي وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية، وبذلك لم يضف أي شرعية لمحاولات إسرائيل المتكررة للتطهير العرقي. فالأيدي الحانية التي تقاوم المحو بإنقاذ الأرواح ستظل تهديدا دائما لمن يطمحون إلى الإبادة الجماعية. وهكذا، تعاملت إسرائيل، التي ترتكب الإبادة الجماعية، مع الدكتور أبو صفية.
وأثناء الزيارة الأخيرة لمحاميه في 2 تموز/يوليو، كان قد تعرض للضرب المبرح بحيث بالكاد صار يمكن التعرف عليه. وكان يعاني من صعوبة في التنفس وضعيفا، وبدا على وشك فقدان الوعي، وكان في حالة نفسية سيئة للغاية. وقال الدكتور أبو صفية لمحاميه: “هذه آخر مرة تراني فيها لقد أحضروني إلى هنا [سجن نيتسان] ليقتلوني”.
ويقول سميث: “حياته في خطر محدق لا شك في أن هذا الخطر حقيقي، فقد قتل ستة من العاملين في مجال الرعاية الصحية الفلسطينيين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023”.
ودعا سميث للتحرك وإنقاذه من موت وشيك، لكن من يملكون القدرة على الفعل اختاروا بدلا من ذلك الجلوس مكتوفي الأيدي ومشاهدة إسرائيل وهي ترتكب جرائم القتل والدمار في جميع أنحاء فلسطين، وفي دول أخرى في المنطقة. كما أن اعتقال الفلسطينيين وتعذيبهم وقتلهم داخل نظام السجون الإسرائيلي ليس مخالفة، ولا هو من فعل قلة من حراس السجون المارقين، بل هو أحد أسوأ عواقب حاجة إسرائيل المتأصلة إلى تجريد الشعب الفلسطيني من إنسانيته وقمعه.
وقال: “يجب الإفراج الفوري عن الدكتور حسام أبو صفية. وكذلك يجب الإفراج عن جميع المعتقلين الفلسطينيين، بمن فيهم 83 من العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين ما زالوا في السجون الإسرائيلية ، حتى نيسان/أبريل، 23 منهم كانوا يعملون أيضا في مستشفى كمال عدوان”. وأضاف: “من الواضح أن التزاماتنا لا يمكن أن تنتهي عند هذا الحد، فلا يوجد ما يسمى بالاستعمار الاستيطاني المتوافق مع حقوق الإنسان أو الفصل العنصري الكريم أو الاحتلال الإنساني. إن استمرار إسرائيل كمستعمرة استيطانية يعتمد على استمرار تعذيب الفلسطينيين واحتجازهم، وعلى هذا النحو، لا يمكن أن يكون هناك أي أمل في وضع حد لهذا الانحطاط طالما سمح للاستعمار الاستيطاني بالازدهار”.