عطلة الأمومة في تونس… عامان من مخاض التشريع ما الذي تغير؟


تونس ـ «القدس العربي»: حين أقرّت تونس القانون عدد 44 لسنة 2024 المتعلق بتنظيم عطل الأمومة والأبوة في الوظيفة العمومية والقطاع العام والقطاع الخاص في شهر آب/أغسطس 2024، اعتُبر النص «محطة مفصلية فارقة» في تاريخ التشريعات الاجتماعية وحقوق المرأة والطفل. فقد جاء ليطوي صفحة تشريعية تجاوزت النصف قرن من الجمود، واضعا حدا للتفاوت الصارخ بين القطاعين العام والخاص، ومكرسا مبدأ حماية الأسرة والطفولة من واقع مهني طالما اعتبر الأمومة عبئا إنتاجيا.

اليوم، وبعد مرور عامين كاملين على دخول هذا القانون حيز التنفيذ، تقف المنظومة الاجتماعية التونسية وجها لوجه أمام الحقيقة الميدانية: ما الذي تغير فعليا في حياة الأمهات العاملات؟ وهل نجح النص القانوني في كسر معادلة الاختيار القسري بين لقمة العيش ودفء الأمومة؟

المكتسبات التشريعية

ينص القانون الجديد بوضوح على حزمة من المكاسب غير المسبوقة، إذ أقرّ عطلة ما قبل الولادة لمدة تصل إلى 15 يوما خلال الشهر الأخير من الحمل، وحدد عطلة الولادة الأساسية بثلاثة أشهر كاملة، مع الترفيع فيها وجوبا إلى أربعة أشهر في الحالات الاستثنائية مثل ولادة التوأم، الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، الولادات المبكرة «الخداج»، أو التشوهات الخلقية الموجبة للتدخل الطبي. ولم يستثن القانون الآباء، إذ وسّع نطاق عطلة الأبوة لتصبح 7 أيام خالصة الأجر، وترتفع إلى 10 أيام في الحالات الخصوصية.
كما أرسى القانون قواعد حمائية صارمة تمنع تسريح المرأة بسبب الحمل أو الولادة، فضلا عن سحب عطلة ما بعد الولادة وتطوير آليات راحة الرضاعة.
غير أن الفجوة تظل عميقة بين سحر النصوص القانونية ومرارة الواقع المعيشي، وهو ما تجلى بوضوح في المقاربات والمداخلات الحقوقية والنسوية التي واكبت هذا الملف.

جرس إنذار

في قراءة مفصلية ومطولة حول كواليس معاناة العاملات والمناضلات من أجل حقوق الأمومة في تونس، سلطت الباحثة والناشطة حياة قادري رئيس جمعية «النساء أولا» الضوء على الجانب المظلم الذي ترتطم به النساء في بيئات العمل الخاصة وغير الهيكلية.
اعتبرت قادري في مداخلتها لـ«القدس العربي» أن «الأمومة في العديد من القطاعات الاقتصادية غير المحمية تحولت إلى عقوبة مهنية مقنعة. وأشارت بجرأة إلى قصص صادمة لنساء وجدن أنفسهن أمام خيارات صعبة، ذاكرة شهادات حية عن عاملات اضطررن إلى الإجهاض القسري أو الصامت خوفا من الطرد المباشر أو فقدان مواقع الشغل في ظل غياب آليات الرقابة الصارمة.
وأكدت قادري أن التحدي الأكبر لا يكمن في جودة الصياغة التشريعية للقانون 44 لسنة 2024، بل في «غياب الثقافة المؤسساتية المتبنية للبعد الاجتماعي للدولة»، حيث تتعامل إدارات الشركات الصغرى والمتوسطة والفضاءات التجارية الكبرى مع الحمل باعتباره خسارة مادية صافية يجب تقليص أضرارها بشتى الطرق، حتى وإن اقتضى الأمر الالتفاف على القانون وحرمان النساء من مدة العطلة كاملة أو التهديد بالتسريح التعسفي المبطن. ودعت في ذات السياق إلى ضرورة تحويل النصوص القانونية إلى ترسانة ردع قضائية تحمي العاملات الهشّات في القطاعات الفلاحية والخدماتية اللاتي لا يجرؤن على رفع شكاوى لتفقدية الشغل خوفا من قطع أرزاقهن.

نحو عدالة اجتماعية فعلية

من جهتها، قدمت الناشطة الحقوقية رباب الهمامي في مقاربتها لـ«القدس العربي» قراءة سوسيولوجية واقتصادية عميقة لمعنى مرور عامين على هذا القانون، معتبرة أن تقييم الإصلاح لا يجب أن يقتصر على نصوص الرائد الرسمي، بل يجب أن يقاس بمدى نفاذ الطبقات الهشة إليه.
وأوضحت الهمامي أن «التفاوت الجغرافي والطبقي هو المقتل الحقيقي لكل سياسة عمومية في تونس»، فبينما تتمتع الموظفات في الوظيفة العمومية والقطاع العام بضمانات أرحب واستقرار نسبي في الحصول على حقوقهن المرتبطة بعطلتي الولادة وما قبلها وما بعدها، تعيش العاملات في القطاعات الهشة، كالمناطق الريفية والمصانع الصغرى والقطاع الفلاحي، بمعزل تام عن هذه المكتسبات.
وأشارت الهمامي إلى أن العاملات في الفلاحة والخدمات يضطرن للعودة إلى أعمالهن الشاقة بعد أسابيع معدودة (لا تتجاوز أحيانا الشهر الواحد) متحاملات على جراحهن وأوجاعهن البدنية والنفسية، وذلك تحت وطأة الفقر وضغط الأجور المتدنية وغياب التغطية الاجتماعية الفعلية أو عجز صناديق الضمان الاجتماعي عن تغطية المنح بالنجاعة المطلوبة. وشددت على أن «معركة عطلة الأمومة لم تنتهِ بصدور القانون، بل بدأت للتو معركة النضال ميدانيا من أجل فرض تنفيذه، وتغيير العقليات السائدة التي تعامل جسد المرأة العاملة كآلة إنتاج صماء لا تقبل التعطل أو التعب».
شهادات حية

كوثر الشايبي، هي صحافية في وكالة «تونس أفريقيا للأنباء»، أوضحت لـ«القدس العربي» تجربتها مع قانون الأمومة الجديد قائلة إن تمتعها بعطلة الأمومة وفق القانون الجديد قد منحها 15 يوما قبل الولادة، والتي كانت مهمة للغاية لتحضير نفسها وبيتها وطفلها، فضلا عن التخلص من ضغوط العمل واستعادة صحتها النفسية والجسدية. وأشارت إلى أن فترة الثلاثة أشهر الحالية المخصصة لعطلة الأمومة تعد أفضل بكثير مقارنة بالشهرين المعمول بها سابقا، نظرا لما توفره من راحة نفسية وصحية للأم، وتمنحها وقتا أطول للاهتمام بطفلها الرضيع وتربيته ورعايته بالشكل الكافي. كما بينت أن القانون الجديد تضمن إنصافا نسبيا للمرأة مقارنة بالتشريعات السابقة من خلال توفير حقوق أفضل، داعية الأمهات كافة إلى إدراك الأهمية القصوى للرضاعة الطبيعية والاستفادة من الوقت الذي أتاحه القانون الجديد لرعاية أطفالهن.
يمثل القانون الجديد مكسبا تشريعيا هاما يضاف إلى رصيد المكاسب التاريخية للمرأة التونسية، غير أن تقييم التجربة بعد عامين يكشف بوضوح أن سنّ القوانين ليس سوى المحطة الأولى في مسار طويل ومعقد. فمعركة حقوق المرأة في تونس لا تزال طويلة وممتدة، ولا تقتصر على انتزاع النصوص الورقية، بل تتطلب نضالا مستمرا لترسيخ هذه الحقوق في الممارسة اليومية، وتفكيك العقليات الأبوية والمنظومات الاقتصادية الريعية التي تقاوم التغيير. فالتحدي الحقيقي اليوم يكمن في تحويل هذه المكتسبات التشريعية إلى واقع معيشي ملموس تستمده كل امرأة عاملة – بغض النظر عن موقعها الطبقي أو الجغرافي أو طبيعة تعاقدها – لتنعم بحقوقها الكاملة في بيئة عمل عادلة ومنصفة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *