عبد الوهاب الدكالي ولحن الرحيل الحزين


بعد أن ودع المغاربة المطرب الكبير عبد الهادي بلخياط بحزن لم يكد يهدأ، شاء القدر أن يودعوا بعد ثلاثة شهور وبضع أيام، المطرب الكبير عبد الوهاب الدكالي، وأن يتسع ذلك الحزن الممتد ليشمل القلوب في العالم العربي حزناً على فقدان القامة تلو القامة، والهرم تلو الهرم. وفي ذلك السياق الحزين تستدعي الذاكرة بشكل تلقائي الهرم الثالث محمد الحياني الذي كان أسبقهم إلى الرحيل، لتجتمع أهرامات المغرب الفنية الثلاثة في دار البقاء، ويظل ما قدموه من ثروة فنية للمغرب والعالم العربي ودنيا الفن محفوظاً يمضي إلى خلوده وكلاسيكيته.
بلخياط والحياني والدكالي، أهرامات ثلاثة كما سماهم أهل المغرب، لكنها أهرامات تتساوى لا تعرف كبيراً ولا صغيراً، ربما تتفاوت الرحلة، وتقل سنوات العطاء أو تزيد، لكن الثلاثة كانوا ملوكاً في القيمة الفنية وعبقرية الموهبة وصدق الأداء. نجوم ثلاثة ظهرت تباعاً في سماء المغرب لتضيء وتشع فناً وتنثر النور والجمال من المحيط إلى الخليج، كانت السماء تمتلئ بالنجوم والكواكب الأخرى بلا شك، في بلد ذي تراث موسيقي عريق، غني بتنوع أنغامه وإيقاعاته وأشعاره المغناة، وعلى رأسها الملحون، وقد امتد تأثير المغرب الموسيقي والإيقاعي والشعري في القرون الغابرة إلى إسبانيا وبعض مناطق أوروبا، لكن ظهور بلخياط والحياني والدكالي، شكّل دائماً مرحلة فنية خاصة في تاريخ الفن المغربي، يؤرخ لها بأنها تمثل الأغنية المغربية الحديثة، التي انطلقت في مطلع الستينيات بعد سنوات قليلة من استقلال المغرب، ومن أهم أركان تلك المرحلة أيضاً الموسيقار عبد السلام عامر والشاعر عبد الرفيع جواهري، بالإضافة إلى العديد من الأسماء الأخرى بالطبع. ومن الظواهر الفنية الجميلة أن يتم ذكر بلخياط والحياني والدكالي دائماً، لا على سبيل المقارنة أو التنافس، وإنما كجمال يضاف إلى جمال، وألق يجاور ألقاً، وكان وجود أحدهم على الساحة الموسيقية يشجع الآخر على المزيد من الرقي والإبداع. كانت سنوات الميلاد متقاربة حيث ولد بلخياط عام 1940، وولد الدكالي عام 1941، ثم ولد الحياني وهو أصغرهم عمراً عام 1945 ورحل مبكراً عام 1996. كما توقف بلخياط في الفترة الأخيرة من حياته وقصر نشاطه الفني على أداء الأغنيات الدينية والوطنية، وأحاط نفسه بالأجواء الروحانية، وبذلك كانت مسيرة عبد الوهاب الدكالي هي المسيرة الأطول والأكثر استمرارية، إذ ظلت روحه متشبثة بالفن حتى النهاية لا حياة لها من دونه، وظل العطاء متدفقاً بوهج الشباب الذي يسري في العقل والروح والموهبة وإن شاخ الجسد.
مرسول حب من المغرب
من بين فناني المغرب كان عبد الوهاب الدكالي الأسبق والأسرع وصولاً، والأكثر قدرة على قطع المسافات البعيدة، من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، مروراً بمصر ودول المشرق العربي، كان ذلك في وقت تعد فيه المسافة مشكلة وللبعد تأثير لا يخفى، ولم يكن الحال كما هو الآن، حيث باتت المسافات لا تمثل أي مشكلة، ولم يعد المغرب بعيداً وصارت لهجته مسموعة مفهومة المفردات لدى أغلب العرب. نتحدث هنا عن وصول الدكالي للمستمع العربي بالأغنية المغربية، لا من خلال القصائد المغناة بالعربية الفصيحة أو أعماله القليلة باللهجة المصرية التي قدمها في بداية مشواره أثناء وجوده في القاهرة في الستينيات. فاستطاعت أغنية «مرسول الحب» على سبيل المثال أن تصل إلى أسماع الجميع، وأن تتردد على ألسنة الناس بلهجتها المغربية الخالصة، وكلماتها البسيطة ولحنها السهل، بل تحول الدكالي نفسه إلى مرسول حب قادم من المغرب يحمل جمالاً لا يغيب. يقول الدكالي عن أغنية «مرسول الحب» إنها الأغنية الأسرع تلحيناً، التي لم تأخذ منه الكثير من الوقت أو الجهد، وإنه لحنها وتركها لبضع سنوات ثم قرر أن يصدرها، فانطلقت بسرها الإبداعي ونجاحها المتجدد وجاذبيتها الدائمة، وقد يظن سامع هذه الأغنية للوهلة الأولى أنها أغنية من التراث بلحن فولكلوري، نظراً لسهولة وصولها للناس داخل المغرب وخارجه، وسهولة ترددها على ألسنتهم أيضاً.
بموهبة شديدة الذكاء لحن الدكالي هذا العمل كأنه يصنع تراثاً حديثاً أو حداثة تراثية، فقد وظف المقامات المغربية بأسلوب يبدو مألوفاً للأذن العربية العامة، والإيقاعات المغربية أيضاً، التي هي من أكثر العناصر جاذبية في أغنية «مرسول الحب»، فالإيقاع يخلق حالة من الاستمرارية والسير الذي لا ينقطع، فما أن تنتهي الأغنية حتى يرغب المستمع في الإصغاء إليها من جديد، وإن لم يفعل ستبقى تتردد في ذهنه، كما أنها تعتمد على التكرار كجمالية من جماليات الموسيقى، بالإضافة إلى التراكيب والصور غير المعقدة.
بدأ عبد الوهاب الدكالي مشواره الفني عام 1959 عندما كان شاباً يافعاً في الثامنة عشرة من عمره، يحمل موهبته وطموحه وأفكاره الموسيقية الجديدة، وتصوره الحديث لشكل الأغنية المغربية التي أراد أن يقدمها. وقد امتلك صوتاً بديعاً خلاباً ذا رنين حلو رخيم، وامتلك موهبة التلحين وصياغة الموسيقى، وموهبة العزف على العود، التي جعلته من البارعين المتمكنين من هذه الآلة الموسيقية، وموهبة الرسم والتعبير بالريشة والخطوط والألوان، وطاقة فنية لم تعرف الضعف أو الخمول، ورؤية ثاقبة تبصر الفن جيداً وتحيط بجوانبه، وتقرر ما يجب أن يكون عليه، كما حباه الله الكاريزما والحضور وجاذبية الحديث الآسر. وُهب عبد الوهاب الدكالي كل ذلك فوهب الناس من فنه وإبداعه كل ما هو جميل ورفيع وراق، فلم يفسد ذوقاً ولم يلوث سمعاً ولم يؤذ بصراً، بل قدم كل ما يهذب الذوق ويرقق الشعور، ويحرك المشاعر الإنسانية ويسمو بها. فصدق الموسيقار محمد عبد الوهاب عندما سمّاه «وهّاب»، وعندما قال إنه مهندس موسيقى يصمم ألحانه بدقة ومهارة.
يسعد كل مصري بلا شك عندما يستمع إلى حديث عبد الوهاب الدكالي عن مصر، وذكرياته على أرضها، ومع من عاصرهم من الكبار في زمن الفن الحقيقي، وقد اختص جزءاً من كتاب سيرته الذاتية «شيء من حياتي» لسرد تلك الذكريات المهمة، التي باتت جزءاً من تاريخ الفن في مصر والمغرب. وكان الدكالي محبوباً من فناني مصر الكبار كما كان محبوباً من الشعب المصري، الذي عرفه ورآه واستمع إليه في الستينيات، كموهبة قوية شابة فرضت نفسها، واستطاعت أن تظهر في وقت اجتمع فيه محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، وأن يجالس الدكالي الذي كان شاباً في بداية العشرينيات من عمره هؤلاء الكبار، بفضل موهبته الكبيرة، وأن يحادثهم أحاديث الفن التي لا تنتهي، ويكتسب ويتعلم من خبراتهم وخطواتهم التي سبقت خطواته، ومن المهم دائماً أن نسأل، في أي زمن نجح هذا الفنان أو ذاك؟ ووسط من استطاع أن يتألق ويحقق الشهرة؟
غنى الدكالي باللهجة المصرية مجموعة من الأغنيات، نذكر منها أغنية «بعدك على عيني» تلك الأغنية الجميلة لحناً وأداءً وإيقاعاً، ويجيد الدكالي الغناء باللهجة المصرية بانضباط تام، حيث تجري الكلمات سهلة على لسانه بلا تكلف أو معاناة، ولا يصطدم السمع بتضخيم زائد للحروف، أو ترقيق مصطنع كما نجد لدى بعض المطربين العرب. كما شارك عبد الوهاب الدكالي في فيلم «القاهرة في الليل» عام 1963 وغنى أغنية «حكايتي ويا حبي»، منذ الستينيات غنى الدكالي على العديد من مسارح القاهرة وغنى في دار الأوبرا المصرية. فقد أحب القاهرة وأحبته، ومن أطرف أحاديثه عن مصر ذلك الحوار بينه وبين الفنان فريد شوقي، عندما أبدى ملاحظته عن مفارقة أن المصريين لا ينطقون حرف القاف نطقاً عربياً سليماً في معظم الكلمات تقريباً، لكنهم ينطقون «القاهرة» بالقاف السليمة القوية.
نغم ودمع ووداع
كان الرحيل آخر الألحان وأحزنها، نودع عبد الوهاب الدكالي مع المغاربة ونستشعر حجم الفقد وثقل الخسارة، ونودع معه زمناً بأكمله تحول إلى خانة الذكريات، تبقى الذكريات حية بلا شك، لكنها تحمل دائماً قدراً من الألم أو الشجن، ألم الحنين واستحالة الإمساك باللحظة الفائتة الهاربة. كان الدكالي مغربياً صميماً حتى النخاع، وكان مثالاً للشخصية المغربية بخطوطها المستقيمة في التفكير والقول والعمل، كان شجاعاً لا يتردد في قول آرائه الفنية بصدق وحرية، ولا يخشى في الفن لومة لائم، لكنه لم يكن حاداً كغيره من الفنانين الذين يدعون امتلاك الرؤية ويمارسون الفوقية على أقرانهم وعلى الجمهور، بل كان شديد التهذيب والرقي في كل أحاديثه التي لم تكن تخلو من المتعة والفائدة.
في مسيرته الفنية كان دائم البحث عن الجمال والمعنى، يسعى دائماً نحو التجديد والمزيد من الإتقان، ولم يتوقف يوماً كما لو كان في تحد دائم مع طاقاته الفنية ليخرج أفضل ما عنده، فإن لم يمسك بريشة العود أمسك بفرشاته ليرسم أو بقلمه ليكتب، ويضم متحفه الصغير الذي أسسه قبل وفاته مجموعة كبيرة من لوحاته الرائعة، بالإضافة إلى ما حصل عليه من جوائز وأوسمة، وبعض من أرشيفه الصحافي منذ بداية مشواره، وكذلك القطع الثمينة من ملابسه وأحذيته وأكسسواراته، وقد عرف بالأناقة الفائقة والمظهر المميز، بحسن اختياره وتنسيقه للثياب والألوان برؤية الفنان التشكيلي وذوق الموسيقار ورهافة حس المطرب.
امتلك الدكالي العديد من وسائل التعبير الفنية، كان أهمها بالطبع الغناء والموسيقى، إلى جانب الرسم والكتابة والتمثيل، الذي خاض بعض تجاربه. لكن الغناء والموسيقى هما الأسرع وصولاً إلى المتلقي دائماً، وهما موهبته الأساسية وفنه الأكبر. استطاع من خلال تطويره للأغنية المغربية الحديثة أن يجسد الهوية المغربية ويترجم وجدان المغاربة، وأن ينفذ إلى القلب والروح بتأثير مباشر، وأن يقدم للعالم العربي خلاصة الروح والأسلوب المغربيين. حافظ الدكالي على كيان ومقومات الموسيقى المغربية المعاصرة وقام بتطويرها، فكانت موسيقاه مغربية خالصة صادرة عن بيئتها ومتفاعلة مع محيطها، لكنها قادرة على أن تخاطب الجميع بلغتها الخاصة. وهو إن غنى بلهجة أخرى غير لهجته المغربية بضع أغنيات قليلة، فإنه لم ينفصل عن الذوق المغربي سعياً وراء إرضاء ذوق آخر، بل إنه جذب ذلك الآخر نحو الذوق المغربي ليستمتع بجمالياته. وسوف يذكر تاريخ الفن أنه قام بتحرير الأغنية العربية من إطارها المحدود وأفكارها التي تكاد تنحصر في المواضيع العاطفية والوطنية والدينية، فجعلها أكثر شمولاً وعمل على توسيع آفاقها، وتفعيل دورها في التعبير عن المشترك العربي والإنساني بشكل عام.
في نبرات صوته الجميل نجد العاطفة المتقدة، والمرونة في الأجوبة والقرارات، وقوة النفس وامتداده، كما نجد ذلك الرنين الأنيق الذي ترتاح النفس لسماعه. كان ذلك الصوت يتفنن في ألوان الطرب بإحساس عميق، ويتمكن من أداء الأنواع المختلفة، والتدرج بالصوت من الطبقات الهامسة إلى الطبقات الجهيرة في تنغيماته الشجية. كان يجيد التعبير بالغناء واستخدام الصوت، بل والتمثيل وخلق الدراما بالغناء أيضاً، ونذكر هنا مثالاً صغيراً من أغنية « هادي هيا إنتي» حيث الضحكة المغناة الشهيرة التي هي أداء درامي باستخدام الصوت والتنغيم للتعبير عن الشعور بالصدمة والألم. وكذلك في أغنية «كان ياما كان» التي تناولتها في مقال منفرد من قبل، التي هي أشبه بمسرحية موسيقية مصغرة بأثرها الدرامي، وتعبيراتها عن الصراع الشعوري، ورسم القصة بالألحان والحكي الغنائي، تلك الأغنية المدهشة التي تعد من القطع الفريدة في عالم الغناء العربي ولا نجد لها مثيلاً، والتي نتابع فصولها بشغف لا ينقطع وتستمتع الأذن بتتبع إبداع الدكالي في ألوان الغناء والإلقاء الملحن والتعبير الدرامي.
في ألحان الدكالي تحضر المقامات والإيقاعات المغربية، التي وظفها بمعرفته الموسيقية الكبرى وتمكنه من تكنيك وأسرار الموسيقى، وتتسم ألحانه بالسلاسة والتنوع في المقامات والتراكيب والأوزان الإيقاعية. كما نلمح في ألحانه اهتماماً كبيراً بالميلودية والشاعرية الغنائية، والافتتاحيات العذبة والمقدمات الجاذبة، والصياغة اللحنية المنظمة المنمقة، والاهتمام بالجانب التعبيري والوصفي في الموسيقى. وتتجلى طاقاته التعبيرية في الغناء في أعمال مثل «مشى غزالي» و»حكاية هوى» و»وحداني» و»أنا والغربة» و»حجبوك العدا». وتعد قصيدة «مولد القمر» نموذجاً لقدرة الدكالي على المزج بين عذوبة الموسيقى وجمالها، وقوتها وعمقها وتعقيدها الكلاسيكي في الوقت نفسه. في مسيرته الفنية الطويلة وعطائه الكبير، قدم الدكالي مجموعة من الأغنيات الوطنية نذكر منها «حبيب الجماهير»، «العهد»، «رحلة النصر»، «حبيبي يا وطني». وقدم أيضاً أغنية «في محراب القدس» وهي من أجمل وأصدق الاغنيات العربية عن المسجد الأقصى، لحنها وغناها بأداء نابع من القلب وخشوع غير مصطنع، كما أنها لم تكن من الأغنيات المباشرة المتكلفة التي لا تستطيع أن تلامس شعور السامع. وكذلك قدم أغنية «مونبارناس» حزناً على مقتل شاب جزائري في فرنسا.
وقدم أغنيات عربية قادرة على مخاطبة العقل والفكر والوجدان، كأغنية «سوق البشرية» التي تتناول موضوعاً شديد الأهمية وتثبت أن الدكالي الذي كان يحلق في سموات الفن الرفيع لم يكن مقطوع الصلة بالواقع ودنيا الناس، وكذلك أغنية «الله حي» ذات الأسلوب الفريد في الغناء والموسيقى، وتظهر قدرته على تلحين الاسم، بل وتلحين الحرف الواحد.

كاتبة مصرية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *