عبد العزيز مخيون… رحلة الشهد والدموع والإبداع


ظل وفياً لمبادئه ومُلتزماً بأداء رسالته الإنسانية والفنية، فلم يحد عن الطريق الذي رسمه لنفسه منذ تخرجه في المعهد العالي للفنون المسرحية وانضمامه لفرقة التلفزيون، حيث أسس أول مسرح للفلاحين ينطق باسمهم ويُعبر عن واقعهم ومُشكلاتهم في انحياز كامل لأولئك المهمشين الخارجين عن دائرة الاهتمام الرسمي للحكومات الرشيدة المتوالية في مُعظم المراحل السياسية.
لقد كرس عبد العزيز مخيون جُل جهوده الإبداعية وسخر موهبته للدفاع عن البسطاء والفقراء طوال مسيرته الإبداعية التي استمرت طويلاً وأسفرت عن مُنجزات كثيرة في المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة، لذا تم تصنيفه ضمن التيار اليساري أخذاً بأفكاره التقدمية وانطلاقاً من دفاعه الدائم عن الطبقات الكادحة.
وفي الحقيقة أنه لم يكن بعيداً عن هذا التصنيف الإنساني التقدمي، إذ فرضت عليه طبيعته الرقيقة وتربيته الثقافية الرفيعة ذلك التعاطف المُعلن مع الطبقات الفقيرة التي تُمثل الأغلبية من الشعب المصري، لهذا حاول أن يجعل الفن دائماً في خدمتهم ويطوعه كوسيلة إيجابية تصلهم بالعالم وتضعهم في بؤرة الاهتمام، فالبسطاء من الناس هم ملح الأرض وفق عقيدته ورأيه وتصوره.
في بداية مشواره الفني وكان لا يزال شاباً صغيراً في مُقتبل العُمر، تم اختياره ليقدم دوراً متميزاً أمام الفنانة فاتن حمامة في الفيلم التلفزيوني «أغنية الموت» مع حمزة الشيمي وكريمة مختار، حيث اضطلع بتجسيد شخصية الطالب الأزهري الذي أرسلته أمه للدراسة في القاهرة ليكون بعيداً عن أعين أعدائه الذين قتلوا أبيه غيلة وغدراً.
وحين أنهى دراسته الأزهرية واشتد عوده طالبته أمه ذاتها بأخذ ثأر أبيه بعد أن أمضى سنوات طويلة في الدراسة والتحصيل، وتلك كانت العُقدة الدرامية للفيلم، إذ كيف يتحول الشاب الأزهري التنويري إلى قاتل؟
هذا الدور كان بمثابة الصرخة الأولى التي أطلقها مخيون ضد الجهل واستمرار تيار العُنف والدم في صعيد مصر، هذا الفيلم كتب أغانيه الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي وغناها المطرب النوبي محمد حمام.
وقد حقق في حينه نجاحاً ارتقى به إلى مستوى الأفلام المُعتبرة المعنية بمُعالجة المشكلات الاجتماعية المُستعصية كمشكلة الثأر المُزمنة.
وبامتداد المسيرة وطول المشوار وبعد نحو أربعين عاماً تقريباً، قدم الفنان الراحل عبد العزيز مخيون رسالته الأخرى المُتصلة بنفس الموضوع في فيلم «الهروب» إخراج عاطف الطيب وبطولة أحمد زكي، مع اختلاف الدور والتناول والشخصية، حيث قام هذه المرة بدور ضابط مباحث يسعى لحفظ الأمن في قرية الحاجر إحدى القرى الجنوبية بصعيد مصر ويبذل جهداً مُضنياً للحد من ظاهرة الثأر.
وهنا يتأكد دور الفنان المُثقف صاحب الرسالة باختلاف أدائه وذكائه المعهود في التعامل مع أدواره، فلم يكن الراحل يعتني كثيراً بفكرة البطولة المُطلقة أو المساحة الدرامية، قدر اعتنائه بالمضمون والمعنى والهدف، القيمة الثلاثية لأي عمل إبداعي سواء في السينما أو التلفزيون أو المسرح، فالتميز ليس بالوفرة، وإنما يصح أن تكون المقاييس موضوعية كي يجد الفنان نفسه فيما يُقدمه من أدوار وشخصيات.
لا شك في أن عبد العزيز مخيون قد ترجم مبادئه حرفياً في مُعظم أعماله، فهو من قدم في السينما أهم الأدوار المؤثرة من خلال أفلام مثل «شحاذون ونبلاء» للمخرجة أسماء البكري و«الجوع» لعلي بدرخان و«حدوتة مصرية» ليوسف شاهين و«بئر الخيانة» و«النمس» و«دكان شحاتة» و«الفرح» و«الحكم آخر الجلسة» و«الزمن الصعب» وأفلام أخرى كثيرة تجلت فيها مواهبه وملكاته.
كما كان له في الدراما التلفزيونية أيضاً عناوين بارزة ومهمة تمثلت في مُسلسلات مثل، «سفر الأحلام» و«الشهد والدموع» و«ليالي الحلمية» و«هارون الرشيد» و«جمهورية زفتى» و«أبواب المدينة» و«خالتي صفية» و«الدير» و«بدون ذكر أسماء» و«شيخ العرب همام» و«الجماعة» و«سقوط الخلافة» و«محمد رسول الله»، إلى آخر القائمة الطويلة المليئة بالدُرر الدرامية والأدوار النوعية ذات الطبيعة الخاصة التي أجادها الفنان إجادة تامة وتأسست بموجبها القاعدة الجماهيرية التي توافرت له برغم كونه مُمثلاً استثنائياً غير تقليدي يختص عادة بالأدوار الفلسفية والذهنية البعيدة كل البُعد عن النمط التجاري المُستهلك. وفي المسرح لم يُحقق الفنان الراحل الكبير غايته، فلم يشأ أن يكون رقماً بين مُمثلي المسرح المُحترفين، لذا جاءت أدواره قليلة لكنها الأكثر تميزاً بشهادة النُقاد والجمهور، فقد قدم خلال سنوات تألقه ونجوميته مسرحية «المشخصاتية» و«مريض الوهم» والمسرحية الأشهر «واقدساه» عن القضية الفلسطينية والقدس، لاعتبارهما قضيتين أساسيتين لهما الأهمية القصوى في الأولوية والتناول والاعتبار، وبالفعل خصهما الفنان المُناضل باهتمام شخصي بالغ من ناحيته.
وتأتي الدراما الإذاعية في مرتبة ليست متأخرة في أجندة مخيون، ولكن بحكم الإنتاج المحدود لم يكن بوسعه الإسهام بأكثر مما ساهم به، فعلى قدر ما أتيح له من فرص كان العطاء مقصوراً على عدد قليل من الأعمال من بينها، عندما يموت الخوف – عيون عطية – أغرب القضايا ـ غُربة الحُب.
رحل الفنان الكبير والمُمثل القدير عبد العزيز مخيون بعد رحلة طويلة مع المرض ومشوار قاسي مع الحياة ومواجهات عنيفة صادفته وتغلب عليها بصبره واحتماله وصموده.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *