عبد الرحمن أبو زهرة بطل المسرح القومي ونجم أفلام التحريك


أقعده المرض الطويل عن مواصلة رحلته وهو الفنان والمُمثل الاستثنائي المهم، فبرغم قُدراته الفائقة لم يسعده الحظ بأداء دور البطولة المُطلقة ولو في عمل واحد، فقد ظل محصوراً في أدوار أقل من إمكانياته بكثير.
رحل الفنان عبد الرحمن أبو زهرة عن عُمر ناهز 93 عاماً تاركاً إرثاً عظيماً من المسرحيات والمُسلسلات والأفلام، لكنه كأغلب مُمثلي المسرح الكبار ظلمته الأدوار النمطية التي اعتاد المخرجون أن يسندوها إليه، باعتبار ذلك مضمون النجاح والتأثير، بعكس التنوع الذي يُمثل مُغامرة غير مضمونة العواقب بحسابات المكسب والخسارة.
ووفق هذه القاعدة التي أهدرت فرصاً عديدة كان من المُمكن أن يحصل عليها الفنان المُخضرم لو أحسن توظيفه بعيداً عن الأدوار الثانوية وشبه الثانوية، حيث تحددت إسهاماته وظل أسير النمط الواحد، المعلم العصامي طيب القلب كما في مُسلسل «لن أعيش في جلباب أبي»، أو الداهية الشرير في صور مُتكررة ومحفوظة في العديد من الأعمال الدرامية التاريخية والدينية.
لقد نجح الراحل عبد الرحمن أبو زهرة في استغلال المساحات المحدودة، سواء في السينما أو المسرح أو التلفزيون استغلالاً إيجابياً مُقنعاً إلى حد كبير مُعتمداً على ذكائه الفطري وموهبته وخبراته المُتراكمة على مدار سنوات، ومن ثم حصل على الامتياز الأهم والأفضل المُتمثل في إعجاب الجمهور الذي يمتلك القُدرة على التفرقة بين الغث والسمين من الأعمال والأدوار من خلال إحساسه الخاص بالمُمثل وأدائه الجيد وقُدرته على الإقناع. من بين ما تميز به الفنان الراحل، إجادته القوية للأداء باللغة العربية في الدراما الدينية والتاريخية، على الرغم من تكرار الأنماط كما أسلفنا، ولعله يُشابه في هذه الجزئية مُمثلين ونجوم آخرين كان لهم نفس الامتياز، أمثال عادل المهيلمي ومحمد السبع ونبيل الدسوقي وسناء جميل وزوزو نبيل وسميحة أيوب ومحسنة توفيق وبالطبع الأخوين حمدي وعبد الله غيث، كل هؤلاء امتلكوا إمكانيات ومواهب كبيرة، لكن للأسف لم يتم إنصافهم بالشكل اللائق على مستوى السينما بالتحديد، فأدوارهم كانت قليلة ومحدودة وأغلب ظهورهم كان ظهوراً عابراً كضيوف شرف، باستثناء دور حمدي غيث في فيلم «الناصر صلاح الدين» ودور عبد الله غيث في فيلم «أدهم الشرقاوي».
وبالقياس على هذه النوعية من الأدوار والأفلام جاء توظيف أبو زهرة في السينما تحديداً متواضعاً للغاية وربما مُجحفاً في بعض الأحيان، فالفيلم الذي ترك أثراً قوياً كان «أرض الخوف» للمخرج داود عبد السيد لأن الأداء فيه كان أداءً نفسياً إنسانياً، بحكم طبيعة الحكاية والفكرة والجزء الخاص بأزمة مدير مكتب البريد الذي ظل يستقبل لسنوات رسائل مجهولة المصدر من شخصيات وجهات غير معلومة.
وعندما حانة لحظة المواجهة بينه وبين الضابط يحي أبو دبوره «أحمد زكي» كان اللقاء مُربكاً ومؤلماً على النحو الذي ورد في الفيلم وظهرت فيه براعة المُمثل القدير الذي تحرك داخل حيز ضيق جداً وأعمل قُدراته وانفعالاته بصدق شديد.
وفي الأعمال التي شارك فيه الفنان الراحل عبد الرحمن أبو زهرة عادل إمام، سواء في مسلسلي «عفاريت عدلي علام» أو «أستاذ ورئيس قسم» أو فيلم «النوم في العسل»، كان متفوقاً أيما تفوق، حيث الظهور أمام نجم جماهيري كبير كان يستلزم الشحذ والاستعداد التامين ليكون في المستوى الموازي لأداء البطل، وهذا ما حدث بالفعل ولن نكون مُبالغين إذا قلنا أنه تفوق على نفسه في كثير من المشاهد فعلى نجمه وزاد ألقه.
هناك أدوار قام بها الفنان الراحل أيضاً في أفلام أخرى تُحسب له كفيلم «بئر الحرمان» وفيلم «حُب البنات» وفيلم «الجزيرة» و«الشوارع الخلفية»، وهي إضافات مهمة لأعماله الدرامية البارزة كمسلسل «ولاد السيدة» ومسلسل «ستائر الخوف» ومسلسل «الجماعة» و«ظل المحارب» و«الصفعة» و«عابد كرمان» و«الملك فاروق» و«سماره» و«فرح ليلى» و«العراف».
أما في المسرح فكان أبو زهرة هو اللاعب المُحترف، فخشبة المسرح هي أرضه وموطن رسوخه وتوهجه بحكم الدراسة والميول الطبيعية، فقد بدأ مسيرته بعد تخرجه في المعهد العالي للفنون المسرحية بمسرحية «عودة الشباب» للكاتب الكبير توفيق الحكيم، ثم مسرحية «بداية ونهاية» المأخوذة عن رواية الأديب العالمي نجيب محفوظ، إذ برع في أداء دور حسنين الضابط الشاب المُتمرد على الفقر والمستوى الاجتماعي المُتدني وسُلطة الشقيق الأكبر.
بعد ذلك حصل على دور البطولة في مسرحية «المحروسة» بعد وفاة الفنان صلاح سرحان وتوالت أدوارة وأعماله التي بلغت نحو مئة مسرحية قدم مُعظمها على المسرح القومي الذي عُين فيه عقب تخرجه.
ومن أوجه تميز الفنان الراحل الكبير خلال مشواره الإبداعي، اهتمامه بالطفل وثقافته وترفيهه وبناء شخصيته، حيث قدم انطلاقاً من هذه القناعات أدواراً عديدة في مُسلسلات الكارتون مُستغلاً أدائه الصوتي وبراعته في إحداث التأثير الدرامي المطلوب، ولهذا حصل على الجائزة الأولى عن دوره في فيلم ديزني النسخة العربية والذي جسد من خلاله شخصية الأسد الملك، مُعطياً درساً بليغاً في فن التمثيل الصوتي ومهارة التقمص والمُعايشة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *