ظِل الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران سيرافق دول الخليج وسيشوش خططها للبحث عن مستقبل ما بعد النفط


لندن – “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعده إيفان هالبر وراشيل تشاسون، قالا فيه إن دول الخليج تطلعت إلى بناء اقتصاديات ما بعد النفط، إلا أن الحرب الأمريكية ضد إيران جعلت المهمة صعبة.

وقالا إن الحرب أصبحت بمثابة اختبار حقيقي لمستقبل دول الخليج الغنية اقتصاديا، والتي رسخت مكانتها كمراكز مالية عالمية ومراكز سياحية وتكنولوجية رائدة.

وحتى لو تمكنت الولايات المتحدة وإيران قريبا من التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز، فإن الخبراء يحذرون من أن الحرب ستترك آثارا عميقة على خطط دول الخليج للتحرك إلى مرحلة ما بعد النفط.

وعلق فريدريك شنايدر، الباحث البارز في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، قائلا: “الرواية الرسمية في هذه الدول هي أن هذه الأزمة الاقتصادية ستكون شبيهة بكوفيد-19 وأن التعافي منها سيكون سريعا، إلا أن هناك خللا بنيويا يصعب إصلاحه، فالقطاعان النفطي وغير النفطي يتضرران بشدة على حد سواء ويواجهان أضرارا قد تكون طويلة الأمد”.

احتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز بشكل مفاجئ قد يزعزع ثقة المستثمرين الأجانب ويقوض سمعة دول الخليج الغنية كملاذات آمنة للأعمال

وتقول الصحيفة إن نقاط الضعف الأمنية البنيوية نفسها، إلى جانب التحديات الجغرافية التي ألقت بظلالها على مستقبل اقتصاد الوقود الأحفوري في المنطقة، تهدد الآن قطاعاتها الناشئة، فاحتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز بشكل مفاجئ قد يزعزع ثقة المستثمرين الأجانب ويقوض سمعة دول الخليج الغنية كملاذات آمنة للأعمال.

وتركت الحرب أثرها الواضح على الأوضاع الاقتصادية في دول آسيا، من خلال نقص الوقود الحاد وإغلاق المصانع وارتفاع أسعار الأسمدة نتيجة لإغلاق المضيق.

وهذا يدفع قادة تلك الدول إلى إعادة النظر في اعتمادهم على دول الخليج في التجارة، مما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف عالميا، كما يثير تساؤلات حول قدرة الشركات الغربية على استقطاب الاستثمارات من الدول الغنية بالنفط كما فعلت في السابق.

ومن جانب آخر، تتساءل الشركات المالية عن جدوى توسيع عملياتها في مكان قد تصبح فيه مكاتبها هدفا لهجمات الطائرات المسيرة. وألغى السياح رحلاتهم، حيث يقدر المجلس العالمي للسفر والسياحة أن الحرب كلفت المنطقة 600 مليون دولار يوميا من الإيرادات المفقودة خلال الأسابيع الأولى منها. وتواجه شركات التكنولوجيا خطر فقدان التمويل الحكومي لمشاريع مراكز البيانات العملاقة، ويعاني قطاع العقارات من ركود حاد، حيث يعيد العمال الأجانب الذين يقودون نموه النظر في قرارهم بالانتقال إلى المنطقة.

وتضيف الصحيفة أن استعادة عائدات النفط والغاز، التي لا تزال ضرورية لتمويل التنمية الاقتصادية في المنطقة، تزداد غموضا يوما بعد يوم مع استمرار الحرب وعدم التوصل إلى حل. وتمتلك كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية خطوط أنابيب تسمح لهما بتجنب مضيق هرمز، لكن الكويت وقطر والبحرين تجد نفسها “بلا مخرج”، كما يقول أندرو ليبر، الباحث غير المقيم في برنامج الشرق الأوسط التابع لوقفية كارنيغي للسلام الدولي. وأضاف: “إنها تعاني من ضغوط اقتصادية أكبر”.

وراقبت الكويت والبحرين تبخر ما كان يدر عليهما مليارات الدولارات من الإيرادات الشهرية، وتعرضت البحرين لتخفيض كبير في تصنيفها الائتماني من قبل وكالة موديز، من “مستقر” إلى “سلبي”، مع توقف صادراتها الرئيسية. أما خطة قطر لاستخدام بنيتها التحتية الضخمة لتصدير الغاز الطبيعي لدعم اقتصادها، فهي موضع شك نظرا لتوقف الصادرات وتضرر منشآت الإنتاج بشدة جراء الهجمات الإيرانية.

وفي الوقت الذي تسعى فيه دول الخليج جاهدة لإيجاد حلول لتصدير نفطها واستيراد سلع أخرى، بما في ذلك عبر خطوط الأنابيب في السعودية والإمارات، وشبكات النقل البري في السعودية وسلطنة عمان، كشفت الحرب مدى هشاشة هذه الدول، حسبما قال يوئيل غوزانسكي، الباحث البارز ورئيس قسم أبحاث الخليج في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب.

وبينما تحكم إيران سيطرتها على مضيق هرمز، استهدفت أيضا خط أنابيب النفط بين الشرق والغرب وميناء الفجيرة في الإمارات، الذي اندلع فيه حريق يوم الاثنين وسط سلسلة من الهجمات. ويحذر المحللون من أن هذه التهديدات قد ترافق المنطقة لسنوات، إذ يبدو التوصل إلى اتفاق سلام دائم يزيل أي خطر لتجدد الأعمال العدائية أمرا مستبعدا بشكل متزايد.

وفي الوقت نفسه، سارعت الدول التي تعاني من صدمات الأسعار الناجمة عن الحرب إلى البحث عن مصادر طاقة بديلة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع الطلب العالمي على النفط والغاز بشكل دائم.

سارعت الدول التي تعاني من صدمات الأسعار الناجمة عن الحرب إلى البحث عن مصادر طاقة بديلة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع الطلب العالمي على النفط والغاز بشكل دائم

ومن جهتهم، عبر قادة دول الخليج عن ثقتهم بقدرتهم على تنفيذ خططهم التنموية. وفي بيان لها، قالت حكومة الإمارات إن الدولة “تبنت استراتيجيات اقتصادية استشرافية تعزز قدرتها على استيعاب أي ضغوط جيوسياسية واقتصادية”.

ومع ذلك، بدأت المعاناة تنتشر بالفعل في اقتصاديات دول الخليج.

ونقلت الصحيفة عن ريبيكا باترسون، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، قولها إن مليارات الدولارات من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وتزايد التهديدات الأمنية من إيران، وخسارة عائدات النفط، دفعت الدول إلى تحويل الأموال التي كانت ستخصص لمشاريع خارجية لتلبية احتياجاتها المحلية، بما في ذلك بناء منشآت إنتاج النفط والغاز، وبناء خطوط أنابيب جديدة واسعة النطاق تقلل الاعتماد على مضيق هرمز، وزيادة الإنفاق العسكري.

وأضافت الصحيفة أن هذه المشاريع ليست قصيرة الأمد، بل تمثل تحولا جذريا، وربما دائما، في الأولويات. وقد قلصت السعودية بالفعل مبادرة “رؤية 2030″، وهي خطة استثمارية شاملة لتحفيز التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعا. ويجري تقليص الاستثمارات الاختيارية، بما في ذلك هبة بقيمة 200 مليون دولار لدار الأوبرا المتروبوليتان في نيويورك، والتي سحبت الشهر الماضي، كما تعتزم السعودية وقف تمويل بطولة “ليف” للغولف.

والأهم من ذلك، كما قالت باترسون، أن شركات التكنولوجيا الكبرى التي اعتمدت على السعوديين لتمويل مشاريع مراكز البيانات الضخمة، التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات في الشرق الأوسط والولايات المتحدة، قد تضطر إلى البحث عن مصادر تمويل أخرى.

ولن تقتصر هذه الضغوط على الشركات الأجنبية فحسب، ففي الكويت، كشفت تداعيات الحرب حقيقة أن الكهرباء المجانية التي يعتبرها المواطنون والشركات أمرا مفروغا منه قد لا تكون مستدامة. فقد تفاقمت انقطاعات التيار الكهربائي مع تجاوز الطلب على الطاقة العرض، في ظل تردد الحكومة في بناء المزيد من المحطات بسبب التكلفة الباهظة لدعمها. ويقول جيم كرين، الباحث في شؤون الطاقة بمعهد بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس: “إنهم يخسرون المال على كل كيلوواط من الكهرباء يبيعونه، العالم الآن يمر بأزمة طاقة، والمواطنون في الكويت بمنأى عن تقلبات الأسعار”.

ويضيف أن بعض دول الخليج ستحتاج إلى إعادة النظر في الدعم السخي والخدمات المجانية التي تعد سمة مميزة للمنطقة. وفي الوقت نفسه، فإن قطاعي السياحة والعقارات المزدهرين، اللذين يفخر بهما قادة الخليج، يتعرضان لضغوط خطيرة.

ونقلت الصحيفة ما قاله رضا نمازي، صاحب مطعم وناقد طعام في دبي: “نشعر جميعا بذلك، يكاد لا يوجد سياح”. وأضاف أن الجميع في المنطقة، وبخاصة في قطاع الضيافة، “يعانون بشدة”.

فالفنادق التي كانت تعج بالوافدين والسياح تغلق أبوابها، والمطاعم تواجه خطر الإغلاق، أما المطاعم التي استطاعت البقاء فقد اضطرت إلى حذف المكونات المستوردة من قوائم طعامها.

ويحاول الإماراتيون المواطنون والأجانب الذين بقوا في دبي زيادة إنفاقهم محليا لسد هذا الفراغ. لكن المنطقة تعتمد بشكل كبير على السياحة وقوة عاملة مهاجرة ضخمة معرضة للتلاشي السريع مع تضاؤل فرص العمل اليدوي، وتساؤل المديرين التنفيذيين الأجانب عما إذا كان العيش والعمل هناك آمنا.

وبعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في أواخر شباط/فبراير، انخفض عدد الباحثين عن عقارات على موقع “بروبرتي فايندر” – وهو موقع مشابه لموقع “زيلو” الأمريكي – بنسبة 70%، وفقا لما ذكره شريف سليمان، الرئيس التنفيذي للإيرادات في الشركة. وبينما عادت عمليات البحث منذ ذلك الحين إلى 80% من مستويات ما قبل الحرب، فإن عدد المعاملات لا يزال عند حوالي 60% مما كان عليه قبل الحرب. وأوضح: “لم يختف الطلب، لكن الناس ما زالوا مترددين، ينتظرون ما سيحدث”.

وهناك من يرى أن المنطقة قد رسخت مكانتها بالفعل كمركز اقتصادي عالمي رئيسي، وبات من المستحيل السماح بانهياره. وقال سليمان: “الناس متعطشون للعيش هنا، سواء كان ذلك بسبب الطقس أو النظام الضريبي أو الاستقرار في الحياة اليومية”.

وأشارت باترسون إلى عامل آخر: “إذا كنت بحاجة إلى رأس مال للاستثمار، فأين تذهب؟”. فقد ظلت الشركات، وعلى مدى عقود، تتطلع إلى الاستثمار في الصين وتمويل مشاريع ضخمة مثل المجمعات المكتبية وملاعب الغولف ومراكز البيانات. ولكن في ظل التوترات السياسية الحالية مع الصين، أصبحت أقل جاذبية في كثير من الحالات.

وأضافت باترسون أن الشركات الغربية التي تسعى للحصول على تمويل تدرك أن صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط لا تزال تسيطر على أصول بمليارات الدولارات، مضيفة: “إنهم بحاجة إلى المال”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *