ضوء ينبعث من نوافذ البيت المكسورة… في وداع خميس العدوي


 أحداث كثيرة حصلت مؤخرا، لكن يبدو أن الحدث الأكبر تأثيرا كان الرحيل الصادم والمفاجئ للكاتب والمفكر خميس العدوي، الذي غادر عالمنا متأثرا بنوبة قلبية، وإذا كان مثل وطن الفلسفة اليونانية يقول، إن قصة الإنسان لا تكتمل إلا بموته، فإن هذا الرحيل المبكر يوجب علينا إعادة قصة الراحل، كما عرفناها على الأقل في خطوطها العامة، لقراءة إرث الرجل وأثره، عبر سيرته وأعماله وكتاباته وأنشطته المتعددة، ما دمنا لا نملك حيلة غير الحياة أمام الموت. وبالفعل كتب عن رحيل الرجل وتراثه كتاب كثر في هذه الجريدة وغيرها، وما زالت الأصداء مستمرة، وهذه المقالة لا تدعي أنها تتصدر لمهمة كهذه تحتاج إعادة قراءة كل ما كتبه وأنجزه الراحل، لكنها في المقابل تحاول أن تسهم ولو قليلا، وفي حدود معرفة كاتبها، لتسليط الضوء على المثال الذي كان يبرزه الرجل.

التقيت خميس العدوي وجها لوجه أول مرة في بيت الشاعر الراحل محمد الحارثي، وكنت قد سمعت عنه من قبل، فقد كان أحد أبرز وجوه التجديد في التيار الإسلامي المعاصر في المذهب الاباضي، وقد تعرض هذا التيار التجديدي لأكثر من هجوم عنيف من أكثر من جهة، منذ كان جنينا في بطن التيار الديني الأكبر، عبر تهمة التنظيم، التي أدت لسجن واعتقال أعضاء كثر من رموز وأعلام المذهب الاباضي المعاصرين، إثر أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وكان خميس العدوي أحد الذين تعرضوا للسجن آنذاك، وقد أثارت تلك القضية المجتمع في حينها، وحدثت صدامات واحتجاجات شعبية على اعتقالهم، حتى انتهت الأزمة بعد أشهر عديدة بصدور عفو السلطان قابوس عن المتهمين.
تركت تلك الأزمة الأولى أثرها لا شك في نفوس الجميع، ودافع المتهمون حينها بأن التنظيم لا يعدو أن يكون مجرد محاولة لتنظيم العمل الاجتماعي والأنشطة الدينية هدفها، تعزيز وغرس الثقافة الإسلامية والنهج الاباضي في نفوس أفراد المجتمع في مواجهة تيار العولمة المتنامي، وحملات الكراهية التي يشنها بعض الدعاة والوعاظ من المذاهب الأخرى.

ربما كانت الأجهزة الأمنية تحاول بتلك القضية نزع فتيل أي حادثة عنف محتملة في الداخل العماني، خاصة مع تداعيات المفاجأة المدوية التي هزت العالم في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والتي تبناها تنظيم «القاعدة»، بينما في الواقع تأخرت الكارثة الداخلية لتحدث بعدها بعقدين تقريبا في منطقة أخرى أبعد بكثير لم تكن في دائرة الاشتباه، وتحت التأثير المباشر للمنهج الفكري نفسه لتنظيم «القاعدة» الذي أنجب تنظيم «داعش»، والذي ما يزال ينشط في مناطق من عالمنا العربي والإسلامي. لعل الملمح الأبرز في ما يخص هذه القضية هو أن المذاهب الكبرى بما فيها المذهب الإباضي في العصر الحديث ظلت خارج دائرة الاتهام بالعنف المسلح، أو حتى الخطاب التنظيري لإنتاج مثل هذا الفكر العنيف، بينما تحوّل تيار العنف الإسلامي، أو باسم الإسلام، تدريجيا من الهجوم على الغرب إلى وسيلة سياسية سهلة بيد القوى الكبرى، وتحولت التنظيمات الإسلامية إلى خادم مسلح وعنيف لتحقيق أهداف الإمبريالية والهيمنة والاحتلالين الأمريكي والإسرائيلي، سواء في العراق أو سوريا أو غيرهما من البلدان، في تناقض واضح بين الخطاب والممارسة، حتى صارت غاية تلك التنظيمات زعزعة الاستقرار والتعايش ونشر الفوضى وتخريب لحمة المجتمعات ونسيجها، وتحويل المعركة على الأرض إلى عمليات انتقامية تستهدف المذاهب والتيارات الأخرى.

أما الأزمة الثانية فقد جاءت من داخل المذهب نفسه عبر اتهام التيار التجديدي بالمروق، وهو الذي حاول إعمال العقل، أو الاجتهاد بالتعبير الفقهي، في التراث والمنظومة الفقهية، وكانت غاية التجديد في نظري، هي ترسيخ القواعد المتينة للمعتقد نفسه، عبر جعله أكثر تماسكا في المقياس العقلي في عصر عقلاني، لكن ذلك التيار الناشئ آنذاك، والذي كان خميس العدوي مخلصا له حتى رحيله، تعرّض لهجمة أخرى قاسية وتشهير، وتحولت العقلانية إلى تهمة، وحولها الخطاب الشعبي إلى ما يقارب السُبة، وتعرض أفرادها البارزون إلى الإقصاء وشبه العزل الاجتماعي، بلغت أحيانا إلى الاعتداء على المنازل والممتلكات، وكان الراحل ضحية إحدى تلك الحوادث المؤسفة.
إن التيار التجديدي تيار شامل في العالم الإسلامي المعاصر له تمظهرات مختلفة في كل البلدان والمذاهب والثقافات الإسلامية، ويبدو بمجمله نتيجة طبيعية للتغيرات العالمية في عصور الحداثة وما بعدها، وأثبت الرهان على التجديد نجاحه اليوم، حيث تمكن من كسب وإقناع صفوف جماهير الشباب ذوي التعليم الحديث الذين اكتسبوا خبراتهم من هذا العالم المنفتح على نفسه بأشكال متعددة. في كل مكان، وقدم خطابا أرقى من خطاب التنظيمات المسلحة المنغلق، وشكل سياج حماية فكرية وعقائدية ونفسية من العنف المسلح وخطابه. ولو عدنا إلى الذين هاجموا تيار التجديد في بداياته، لوجدنا أنهم كانوا في مرحلة أسبق مجددين في وجه تيارات أقدم كانت أكثر تزمتا ورفضا لكل مظاهر الحداثة وتجلياتها.

شكل التحدي السافر الذي واجهه التوجه الفكري المجدد داخل المدرسة المشتركة عقبة اتسعت من إطارها الفكري إلى الفضاء الاجتماعي العام، وإذا كانت غاية الهجوم المباغت وأد تيار التجديد في مهده، فإن ما حدث هو العكس، فقد أظهر أفراد التيار شجاعة فكرية وتحررا وصبرا وتحملا بشكل لافت، وشيئا فشيئا تحرر التيار من منطقته الضبابية المترددة والخجولة، بل وعمق وجذّر مشروعه التجديدي عبر مزيد من الجهد والبحث، حتى أنتج أعمالا أكثر صفاء وانفتاحا في الرؤية والمشروع، تجاوزت الأطر المذهبية والدينية إلى الإطار الإنساني الأشمل.
كان من اللافت حينها كذلك أن أعضاء تيار التجديد اعتصموا بحضن الثقافة الأوسع، وتعالق أفراده وانطلقوا في تكوين علاقات مع الأدباء والفنانين والمفكرين وأهل الثقافة خارج الدائرة الضيقة التي كانت تحتكرهم، وتحول الهجوم عليهم إلى مكسب لهم، وهكذا تعددت إسهاماتهم في المعرفة والثقافة والأدب والفكر والفلسفة والمعرفة والفنون وتقارب المذاهب والأديان، وكان الراحل خميس العدوي أحد أبرز كتاب هذا التيار، مع آخرين بينهم زكريا المحرمي وخالد الوهيبي وبدر العبري وآخرين كثر، وهو ما أنتج في محصلته للمذهب الإباضي خطابا بآفاق جديدة أكثر عصرية، يتناسب مع العصر وتوجهاته، وسرعان ما استوعبهم النظام واستثمرهم بطريقته وأدواته.
استمر خميس العدوي في عطائه وانخرط في الفضاء العام عبر وسائل التقنية ومواقع التواصل والكتابة، كما توسع مشروعه الثقافي في بهلا وهو مكتبة الندوة وحاز المشروع عدة جوائز مهمة، ويذكرنا دور العدوي في مكتبة الندوة وفي أنشطته ومساهماته المتعددة، سواء في المنطقة الداخلية أو في العاصمة مسقط، بدور المثقف العضوي المنخرط والمهموم بنشر المعرفة والفكر في الوسط الاجتماعي.

كما تميزت تجربة العدوي كذلك بعنايته بالتصوف والنظر إليه كأفق أوسع وأرحب، إضافة إلى استخراجه النماذج التاريخية المشرقة من بطون التراث، وكل ذلك يتفق مع توجهه وسيرته الفكرية التي أنتجت بحوثا وكتبا كثيرة لا يسع المجال لتتبعها. هكذا برحيله المفاجئ تتموضع مقالة خميس العدوي الأخيرة المنشورة بعد رحيله في جريدة «عمان» الأسبوع الماضي، كوصية علنية، وإن بشكل قدري غير مقصود، واذا استعدناها وجدنا فيها خلاصة الانفتاح وغاية روح التجديد، إذ أنها مقالة تدعو إلى إعادة قراءة آية الحج بوصف شعيرة الحج دعوة للناس كافة، وليست حكرا للمسلمين وحدهم، وفي هذه الإشارة، إضافة لتزامن رحيله المحزن مع هذه الأيام المقدسة والمحرمة، ما يكفي من دلائل الانفتاح الفكري على مشروع الوجود الإنساني بأسره، وهو ما جعله يميّز بين الطقس الديني والوحدة الإنسانية، جاعلا من الخطاب القرآني خطابا يتوجه للبشرية بأسرها وليس لجماعة المسلمين وحدهم.
يترجل العدوي بطريقة مفاجئة عن صهوة الزمن، وما زالت ابتسامته وضحكته مشرقة في نفوس من عرفوه واحترموه، ولا شك تبقى هذه القراءة محاولة قاصرة عن استيعاب المثال الذي كان الراحل يشكله، على روحه عاطر السكينة والسلام.

 كاتب عُماني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *