صراع اللائحة يفتح باب «تنازع الشرعيات» داخل البرلمان الليبي



 نسرين سليمان 

طرابلس ـ «القدس العربي»: دخل مجلس النواب الليبي مرحلة غير مسبوقة من الخلاف الداخلي، بعدما تحول النقاش حول تعديل اللائحة الداخلية وإقرار دورة برلمانية محددة المدة إلى مواجهة مباشرة بشأن مستقبل هيئة رئاسة المجلس التي يتولاها عقيلة صالح منذ سنوات، وسط تضارب في المواقف حول شرعية جلسة عقدت في بنغازي وصوت خلالها عشرات النواب على انتخاب مكتب رئاسة جديد.
وبدأت الأزمة مع دعوة منسوبة إلى رئيس مجلس النواب لعقد جلسة رسمية الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر في مقر البرلمان بمدينة بنغازي، لمناقشة تعديل القانون رقم 4 لسنة 2014 وإدراج بند «الدورة البرلمانية»، إلى جانب بحث دستورية القوانين المقدمة من لجنة «4+4» والمعتمدة من مجلس النواب، تمهيداً للنظر في تضمينها بالإعلان الدستوري.
لكن التطورات سبقت موعد الجلسة، إذ عقد المجلس، الإثنين، جلسة برئاسة النائب الثاني لرئيسه، مصباح دومة، بحضور 102 نائب، بحسب الناطق باسم المجلس عبد الله بليحق، وصوت 98 منهم على اعتماد نظام الدورة البرلمانية لمكتب هيئة الرئاسة.
وحسب الصيغة التي أعلنها بليحق، أصبحت مدة ولاية مكتب الرئاسة 12 شهراً من تاريخ انتخابه وتنتهي بانقضاء هذه المدة، على أن تبدأ الدورة التالية بانتخاب مكتب جديد، مع النص على إجراء انتخاب هيئة الرئاسة الجديدة خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام.
كما تضمن التعديل عدم ترتب أي تمديد تلقائي لولاية هيئة الرئاسة في حال تعذر عقد جلسة الانتخاب في موعدها، وعدم جواز تعطيل أو تأجيل انتخاب المكتب الجديد من جانب الهيئة المنتهية ولايتها، مع انعقاد المجلس بقوة القانون إذا امتنعت الرئاسة عن الدعوة إلى الجلسة وتوافر النصاب المطلوب.
وبذلك، وضعت مخرجات الجلسة مستقبل رئاسة عقيلة صالح موضع جدل مباشر للمرة الأولى بهذا الشكل، إلا أن الأخير سارع إلى رفض الاعتداد بما جرى، معتبراً أن اجتماع النواب الإثنين «لا يعد جلسة رسمية» ولا يترتب عليه أي أثر قانوني. وقال عقيلة، في بيان، إن الاجتماع عقد رغم وجود دعوة سابقة منه إلى جلسة رسمية الثلاثاء، وإن القرارات الصادرة عنه تفتقر إلى السند القانوني بسبب عدم اتباع الإجراءات والضوابط المنصوص عليها في القانون واللائحة الداخلية، ولا سيما ما يتعلق بتعديل القوانين وإقرارها.
وفي خطوة زادت المشهد تعقيداً، أعلن عقيلة إلغاء جلسة الثلاثاء التي كان قد دعا إليها وتأجيلها إلى موعد آخر، بعدما كان جدول أعمالها نفسه يتضمن مناقشة إدراج الدورة البرلمانية ضمن اللائحة.
وانضم النائب الأول لرئيس مجلس النواب فوزي النويري إلى التحذيرات المتعلقة بالإجراءات القانونية، مؤكداً أن مخرجات أي اجتماع لا يمكن أن تكتسب صفة قرارات مجلس النواب ما لم تستوف شروط الانعقاد والنصاب والأغلبية المقررة قانوناً.
ورغم إعلان دعمه إصلاح اللائحة الداخلية وتفعيل الرقابة والمساءلة، فإنه شدد على أن الإصلاح لا يبرر تجاوز الإجراءات القانونية، محذراً من انتقال الانقسام الذي تعانيه مؤسسات الدولة إلى داخل المؤسسة التشريعية نفسها. وسرعان ما انتقل الخلاف من داخل مجلس النواب إلى مستوى مؤسسات الدولة الأخرى، إذ تدخل رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي داعياً أعضاء البرلمان إلى الالتزام بالإعلان الدستوري وتعديلاته، وتقديم وحدة المؤسسة على الدخول في «تنازع الشرعيات».
واستند المنفي في موقفه إلى المادة السادسة، الفقرة «د»، من التعديل الدستوري السادس، المتعلقة بالنصاب المطلوب لإقالة رئيس مجلس النواب، معتبراً أن أي تفسير أو نص قانوني أو لائحي يجب ألا يتعارض مع النص الدستوري ما دام رئيس المجلس لم يقدم استقالته.
ودعا النواب إلى الاحتكام إلى دولة القانون والمؤسسات والمرجعيات الدستورية، وتجنب نقل الخلاف إلى القضاء الدستوري بصورة قد تفتح الباب أمام وجود أكثر من طرف يدعي شرعية تمثيل مجلس النواب.
وبهذا الموقف أصبح الجدل لا يدور فقط حول ما إذا كان النواب يملكون حق تعديل اللائحة وتحديد مدة مكتب الرئاسة، وإنما أيضاً حول العلاقة بين اللائحة الداخلية والنصوص الدستورية المنظمة لإقالة رئيس المجلس، وما إذا كانت آلية «الدورة البرلمانية» يمكن أن تنهي ولاية الرئيس دون المرور بإجراءات الإقالة المنصوص عليها دستورياً.
وتزامنت هذه التطورات مع تحركات لافتة لقائد القيادة العامة خليفة حفتر مع عدد من أعضاء مجلس النواب. ففي الأول من تشرين الأول / أكتوبر، التقى حفتر مجموعة من النواب في مقر القيادة العامة ببنغازي، وأشاد بدور المجلس في المسار السياسي ومخرجات لجنة «4+4»، مؤكداً دعمه للجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة.
وجاء ذلك بعد أسابيع من تصاعد مطالب داخل مجلس النواب بإصلاح آليات عمله. ففي 21 أيلول / سبتمبر، اتهم 86 نائباً رئاسة المجلس بمنعهم من دخول المقر وعقد جلسة قالوا إنها كانت مكتملة النصاب لمناقشة إصلاح المجلس وتعديل لائحته الداخلية، وهي اتهامات نفتها أطراف قريبة من رئاسة البرلمان. كما التقى حفتر، في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر، مصباح دومة، النائب الثاني لرئيس مجلس النواب الذي ترأس جلسة التصويت على الدورة البرلمانية، وبحث معه آخر المستجدات السياسية وسبل دعم جهود توحيد المؤسسات والدفع بالمسار السياسي.
وجاء اللقاء في اليوم نفسه الذي عقدت فيه جلسة النواب محل الخلاف، غير أن البيانات الرسمية المنشورة عن اللقاء لم تربطه مباشرة بقرار تعديل اللائحة أو مستقبل هيئة رئاسة البرلمان.
وعلى خط مواز، يتقاطع الصراع داخل مجلس النواب مع خلاف أوسع بشأن مخرجات لجنة «4+4». فقد أعلن المجلس الأعلى للدولة رفض نتائج اللجنة المصغرة، بعد تصويت 72 عضواً من أصل 92 شاركوا في جلسته، مبررين موقفهم بافتقار المخرجات إلى التوافق الوطني والمرجعية الدستورية والقانونية.
كما رفض مجلس الدولة الإجراءات والقوانين التي قال إنها صدرت بصورة أحادية عن رئيس مجلس النواب، ولا سيما المتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية، متمسكاً بأن هذه الملفات تخضع للتعديل الدستوري الثالث عشر ولآليات التوافق بين المجلسين.
ويضع ذلك الخلاف داخل مجلس النواب ضمن أزمة سياسية أوسع تتشابك فيها ثلاثة ملفات: مستقبل رئاسة عقيلة صالح، ومشروعية تعديل قواعد إدارة البرلمان، ومصير التفاهمات السياسية والانتخابية المرتبطة بلجنة «4+4».
وبينما يتمسك النواب الذين شاركوا في جلسة الإثنين بأن التصويت بأغلبية 98 عضواً منح قرار الدورة البرلمانية أساساً داخل المجلس، يرفض عقيلة صالح الاعتداد بالجلسة ومخرجاتها، فيما يتمسك النويري بضرورة استيفاء الإجراءات القانونية، ويطرح المنفي بدوره مسألة النصاب الدستوري كقيد أعلى من أحكام اللائحة.
ومع إلغاء جلسة الثلاثاء وعدم حسم الخلاف بشأن قانونية جلسة الإثنين، تبقى الأزمة مفتوحة على سجال قانوني وسياسي حول الجهة المخولة بالدعوة إلى جلسات مجلس النواب، ومن يملك رئاسة المجلس وتمثيله، وما إذا كان تعديل اللائحة كافياً لفتح باب انتخاب هيئة رئاسة جديدة، أم إن الأمر يتطلب إجراءات دستورية مختلفة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *