طرابلس – «القدس العربي»: يتسع الحراك الخارجي لمعسكر شرق ليبيا بصورة لافتة، بالتزامن مع تصاعد حضور صدام حفتر في اللقاءات السياسية والعسكرية الإقليمية والدولية، في وقت تواجه فيه حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة ضغوطا شعبية متزايدة في غرب البلاد على خلفية استمرار أزمة الكهرباء وتدهور الخدمات.
وفي أحدث هذه التحركات، أعلن مكتب إعلام قوات شرق ليبيا أن صدام حفتر، نائب قائد قوات «القيادة العامة»، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر الكرملين بالعاصمة موسكو، خلال زيارة رسمية إلى روسيا، بعد يوم من اجتماعه بوزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف.
وقال المكتب إن صدام نقل إلى بوتين تحيات والده خليفة حفتر، وأكد حرص «القيادة العامة» على تعزيز التعاون مع موسكو في مختلف المجالات، فيما نقل عنه قوله إن الرئيس الروسي أشاد بدور قوات الشرق في حفظ الأمن والاستقرار، وأكد دعمه للجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات والحفاظ على وحدة ليبيا.
وسبق لقاء بوتين اجتماع بين صدام حفتر ووزير الدفاع الروسي، تناول، وفق إعلام قوات الشرق، التعاون العسكري والأمني ومستجدات الأوضاع الدولية والإقليمية، في مؤشر إضافي إلى استمرار العلاقة الوثيقة بين موسكو والقيادة العسكرية في شرق ليبيا.
وتأتي زيارة موسكو في وقت تشهد فيه علاقات معسكر حفتر مع تركيا أيضا تحولا ملحوظا، بعد سنوات كانت خلالها أنقرة من أبرز الداعمين لحكومة طرابلس في مواجهة قوات حفتر، خصوصا خلال الهجوم على العاصمة بين عامي 2019 و2020.
وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد استقبل صدام حفتر في أنقرة في يوليو/تموز الماضي، قبل أن يزور بنغازي في أغسطس/آب ويلتقي خليفة حفتر بحضور صدام وعدد من قيادات معسكر الشرق، ضمن جولة ليبية بدأها من طرابلس والتقى خلالها رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي.
ويكشف هذا التحرك عن سعي تركي إلى توسيع قنواتها مع شرق ليبيا من دون التخلي عن شراكتها السياسية والعسكرية والاقتصادية مع الغرب، فيما يستفيد معسكر حفتر من هذا الانفتاح في تخفيف اعتماده على داعمين تقليديين وفتح خطوط اتصال مع قوى كانت حتى وقت قريب على الطرف المقابل من الصراع الليبي
وبالتوازي مع موسكو وأنقرة، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خليفة حفتر في القاهرة، وأكد موقف بلاده الداعم لوحدة ليبيا وتوحيد مؤسساتها وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فيما شدد حفتر على استمرار التنسيق مع مصر في الملفات الأمنية والسياسية.
أزمة الكهرباء تعمّق الضغوط على حكومة الدبيبة
غير أن التحركات الأخيرة تلفت الانتباه بشكل أكبر إلى صعود صدام حفتر داخل المشهد، بعدما بات حاضرا في لقاءات تتجاوز طابعها العسكري إلى اتصالات ذات أبعاد سياسية مباشرة.
وكان اسم صدام قد برز أيضا في تسريبات سابقة بشأن مقترحات أميركية لمعالجة الانقسام السياسي في ليبيا، تضمنت تصورات للإبقاء على عبد الحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة، مقابل تولي صدام حفتر موقعا متقدما في السلطة التنفيذية، وتحديدا رئاسة المجلس الرئاسي خلال مرحلة انتقالية مقترحة.
ورغم أن تلك الطروحات لم تتحول إلى اتفاق سياسي ملزم وظلت ضمن مقترحات وتفاهمات أولية، فإنها عكست دخول صدام حفتر بصورة واضحة في حسابات العواصم المنخرطة في الملف الليبي، وسط مساع من معسكر الشرق لتقديمه باعتباره شخصية سياسية وعسكرية قادرة على لعب دور في أي ترتيبات قادمة.
ويأتي هذا الصعود وسط استمرار الانتقادات الموجهة إلى بنية السلطة في شرق ليبيا، حيث تتركز المناصب العسكرية والأمنية والاقتصادية المؤثرة بصورة متزايدة داخل عائلة حفتر ودائرتها المقربة، وهو ما يثير مخاوف خصومه من تحول الترتيبات الدولية الجديدة إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة القائمة بدلا من الدفع نحو انتخابات تنهي المراحل الانتقالية.
وفي المقابل، تواجه حكومة الدبيبة في غرب البلاد أزمة مختلفة ولكنها لا تقل تأثيرا على موقعها السياسي، مع استمرار الانقطاعات المتكررة للكهرباء وتصاعد الغضب الشعبي في طرابلس والزاوية ومدن أخرى.
وشهدت مناطق في غرب ليبيا خلال الأيام الماضية احتجاجات وإغلاق طرق وإحراق إطارات، تركزت مطالب المشاركين فيها على معالجة الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وتحسين الخدمات، فيما رُفعت في بعض التحركات شعارات تطالب برحيل الحكومة ومحاسبة المسؤولين عن تدهور الأوضاع المعيشية.
وحاولت حكومة الوحدة احتواء الأزمة عبر سلسلة إجراءات، من بينها تغيير مجلس إدارة الشركة العامة للكهرباء، وتكليف البشير المرعاش برئاسة مجلس إدارة جديد، إلى جانب تشكيل غرفة تنسيق مشتركة لمتابعة كميات الوقود والغاز المخصصة لمحطات التوليد والتدخل في أي اختناقات تؤثر على الشبكة.
وخلال اجتماع مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، شدد الدبيبة على ضرورة المتابعة اليومية لإمدادات الوقود والغاز الموجهة إلى محطات الكهرباء، فيما أكدت المؤسسة عدم وجود عراقيل رئيسية أمام توفير الكميات المطلوبة وفق المتاح.
وأقرت الشركة العامة للكهرباء بحجم معاناة المواطنين، وقال الناطق باسمها وئام التايب إن الفرق الفنية بدأت تنفيذ خطة عاجلة لتحسين استقرار الشبكة ومعالجة الاختناقات، مؤكدا أن الإجراءات الأخيرة بدأت تنعكس تدريجيا على الحالة التشغيلية.
وحذرت الشركة في الوقت نفسه من اقتحام المحطات أو التدخل في عمليات إعادة الأحمال، معتبرة أن أي تصرف عشوائي قد يتسبب في اضطراب الشبكة أو انهيارها جزئيا أو كليا.
وتضع أزمة الكهرباء حكومة الدبيبة تحت ضغط مباشر، باعتبارها السلطة التنفيذية القائمة في طرابلس والمسؤولة أمام السكان عن إدارة قطاع الخدمات، لكن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي بين شرق البلاد وغربها يظل عاملا أساسيا في إضعاف مؤسسات الدولة وتعطيل قدرتها على معالجة الأزمات بصورة شاملة.
وبينما يسعى معسكر حفتر إلى توسيع شبكة علاقاته الدولية والدفع بصدام حفتر إلى واجهة المشهد، تجد حكومة الدبيبة نفسها أمام اختبار داخلي يرتبط بالخدمات وقدرتها على تهدئة الشارع. وفي الحالتين، يبقى المسار الانتخابي غائبا عن قلب التحركات الجارية، رغم أنه المطلب الذي يفترض أن ينهي تعدد السلطات بدلا من إعادة توزيعها بين القوى المسيطرة حاليا.