شكرا بريطانيا… لكن أين «الإبراهيميون»؟


من ابتهج بالعقوبات التي قررتها الحكومة البريطانية على المستوطنات الإسرائيلية واعتبرها ضربة قاصمة لإسرائيل، فهو مخطئ.
هناك شبه إجماع على أن الموقف البريطاني جديد واستثنائي في قوته. بريطانيا، في نهاية المطاف، هي الرحم الذي أنجب إسرائيل، والأم التي دافعت عنها ووفرت لها كل أنواع الحماية منذ لحظة الولادة إلى اليوم وما بعده. فمن حق أيٍّ كان أن يتوقف عند هذا التطور اللافت.
لكن الموقف البريطاني في موضوع المستوطنات خصوصا وإسرائيل عموما، مهما قسا وتشدد، لن يخرج عن إطار جاهز هو جزء من عقيدة غربية جماعية متجذرة، سياسية واستراتيجية وثقافية ودينية وإنسانية. تؤمن هذه العقيدة بأن إسرائيل جزء من الغرب، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وأستراليا والكل، حتى روسيا. تعتبرها امتدادا لهذا الغرب ولمشروعه الكولونيالي الذي لم ينته بنهاية الاستعمار التقليدي في الشرق الأوسط. وتبذل كل ما تستطيع في سبيل تكريس ذلك.
لهذا لا خطأ في القول إن الموقف البريطاني ينطبق عليه قول «قليل جدا ومتأخر جدا». والعقوبات لا تُقارن بتلك التي فرضتها بريطانيا وحلفاؤها على روسيا بسبب أوكرانيا. الدليل أن 130 خبيرا قانونيا بريطانياً، بينهم مستشارون للملك تشارلز الثالث، بعثوا رسالة إلى رئيس الحكومة قالوا فيها إن العقوبات على المستوطنات الإسرائيلية قليلة ولا ترقى إلى مستوى التزامات بريطانيا بموجب القانون الدولي.
مشكلة بريطانيا أنها فضلا عن أنها وصلت متأخرة، قد تنصرف عن هذا الموقف، القليل أصلا، فور ما تحل حكومة جديدة محل الحكومة الحالية. علاوة عن أن الموقف صدر بعد أن فاحت رائحة عنف إرهاب المستوطنين اليهود بحق أهالي الضفة وأصبح الصمت عنه عاراً. هو إذاً موقف هش مرتبط بحكومة وسطية ووزير تقدمي اشتهر بانحيازه للقيم الإنسانية، اسمه ديفيد ميليباند.
وفوق كل هذا، الموقف البريطاني لا يحل مشكلة الاستيطان، وإنما يقلل الاحتقان فقط ويغيّر قليلا المزاج الإقليمي، وربما الدولي، مؤقتا.
رغم ذلك، شكرا بريطانيا. شكرا ميليباند. أن تطلب منهم أكثر من هذا يعني أنك فقدتَ المنطق.
الموقف البريطاني لا يجب أن يُنسينا سؤال: أين العرب؟ فأهم من بريطانيا، ومن الجميع عندما يتعلّق الأمر بمحاسبة إسرائيل ومعاقبتها، هناك العرب. تحديدا مصر والأردن ودول «الاتفاقيات الإبراهيمية». بريطانيا في يدها القليل وفعلت الكثير (من منظورها). الدول العربية التي تقيم علاقات مع إسرائيل في يدها الكثير ولم تفعل شيئا (من منظور العالم).
لو تصرفت هذه الدول (العربية) بالحد الأدنى تجاه إسرائيل وحرب الإبادة في غزة والضفة الغربية، لكانت حياة الفلسطينيين هناك أقل مأساوية، ولكانت إسرائيل أقل فلتانا وعجرفة تجاه دول المنطقة والعالم.

 كان في متناول دول «الاتفاقيات الإبراهيمية»، بقليل من الجرأة، أن تأخذ موقفا جماعيا، نصف ليّن ونصف صلب، تجاه إسرائيل ومجازرها وتحقق نتائج مفيدة

هؤلاء العرب مكّنوا إسرائيل أكثر مما مكّنها الغرب. لديهم الكثير من الأوراق، لكن ورقتهم الأقوى هي حرص إسرائيل على علاقاتها مع العرب أكثر من حرصها على علاقاتها مع الغرب. تعرف إسرائيل أن الغرب «في الجيب»، هو منها وهي منه، يكمّل أحدهما الآخر ويحميه، وأنه «إن مضغها لن يبتلعها». أما إقامة علاقات دبلوماسية تقود إلى تعاون اقتصادي وأمني مع دولة عربية، مهما قلَّ حجمها وتأثيرها، فحلمٌ يستحق عناءه بالنسبة لإسرائيل (التي لم تتكبر عن إقامة علاقات دبلوماسية مع «دولة» اسمها جمهورية أرض الصومال لا يعترف بها أحد).
الدول العربية هي الجائزة الكبرى بالنسبة لإسرائيل وقادتها. تذكروا الضغوط والمساومات التي تعرضت لها السعودية من أجل التطبيع، وما بذلت إسرائيل والغرب من جهود لدفع الرياض إلى الاستسلام. إسرائيل ستبني تماثيل لرئيس وزرائها الذي يزور الرياض أو يجلب إلى القدس وتل أبيب ملك السعودية أو ولي عهدها لتوقيع اتفاقات التطبيع.
لا أحد يطالب عرب التطبيع بالمستحيل. لا أحد ينتظر منهم قلب الطاولة على إسرائيل. مهما قالوا عن مزاياه وفوائده، التطبيع عبء جاءت معه إكراهات والتزامات ترعاها العصا الأمريكية الغليظة. لكن الحد الأدنى كان سيكفي: لو هددوا (لا أقول طبّقوا) بنصف العقوبات التي يدّعي الغرب أنه منَّ بها على الفلسطينيين، لنجحوا في تقليل غطرسة إسرائيل.
لو علّقت الإمارات نصف الرحلات الجوية بين مدنها وإسرائيل وأرجأت وصول جزء من قوافل السيّاح إلى دبي، لرأيتم فرقا على الأرض في الضفة وغزة. لو هدد المغرب بتجميد (لن أقول جمّد أو ألغى نهائيا) اتفاقات التعاون العسكري والأمني مع إسرائيل لرأيتم فرقا على الأرض في الضفة وغزة. لو هدد السودان (رغم أنه يبدو لكم بلا أثر وتأثير) وقال «نحن خارج الاتفاقية حتى تتوقف الإبادة في غزة»، لرأيتم فرقا أيضا.
كان في متناول دول «الاتفاقيات الإبراهيمية»، بقليل من الجرأة، أن تأخذ موقفا جماعيا، نصف ليّن ونصف صلب، تجاه إسرائيل ومجازرها في الضفة الغربية وغزة، وتحقق نتائج مفيدة. لو فعلت، منفردة أو كمجموعة، ما كان بنيامين نتنياهو وعصابة وزرائه المتطرفين سيتطاولون عليها مثلما تطاولوا بالبذاءات على بريطانيا ووزير خارجيتها.. فقط لأن نوع العلاقات بالنسبة لإسرائيل مع العرب شيء ومع الغرب شيء آخر، والغرب «في الجيب» والعرب خارج الجيب.
لسوء حظ من ابتهجوا لجرأة الموقف البريطاني، فرحتهم يغطيها حزن على بؤس الموقف العربي.

٭ كاتب صحافي جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *