ما زال شعره يثير اهتمام الباحثين، والنقدة الدارسين، فقد كثرت عنه الكتابات كثرة لا تخفى، فمن بين الذين كتبوا عنه، ونشروا، عصام شرتح في أكثر من كتاب، منها «شعر حميد سعيد بين بلاغة التشكيل البصري وشعرية الرؤيا» وكتاب «المتغير الأسلوبي في شعر حميد سعيد» وكتاب «فضاءات جمالية في شعر حميد سعيد» و»مفاتيح الشعرية في قصائد حميد سعيد» و»شعرية الاغتراب في قصيدة حميد سعيد وتحوُّلاتها» و»جدلية الزمان والمكان في شعر حميد سعيد» 2016 .
ونشر حمدي الحديثي كتابا عن شعره بعنوان «رؤية نقدية في شعر حميد سعيد» و»القصيدة التشكيلية في شعر حميد سعيد» 2014 وكتاب «فرط الرمان: قراءة في شعر حميد سعيد» 2014 و»ألق الفكر والجمال في ديوان ما تأخر من القول لحميد سعيد» 2020 و»فضاءات الغربة في شعر حميد سعيد”. وصنَّف قيس كاظم الجنابي عددا من المصنفات، منها على سبيل المثال: (الرؤى الصوفيّة في قصائد «وردة الكتابة» لحميد سعيد) 2024 و»الرمزي والتشكيلي في شعر حميد سعيد». وهشام عودة نشر كتابا بعنوان «الشمعة والدرويش» وسليم النجار «سنين عمان» 2014، و»تحولات القصيدة – قراءة جمالية فكرية في شعر حميد سعيد» 2010 و»تأويلات نقدية في أوراق حميد سعيد المورسكية «2015 وإنصاف قلعجي نشرت كتابا بعنوان «تطوافٌ في حدائق المورسْكي». ومحمد صابر عبيد «التحليق خارج السرب». وعبد المطلب محمود نشر كتابا بعنوان « كمن لا يعرف الشاعر» تناول فيه صلة الشاعر بالتراث. وهادي دانيال يسلط في كتاب له الضوء على المقاومة «حميد سعيد – وعيا شعريا مقاوما». وليُسرى خلف كتابٌ عن «التناصّ في شعر حميد سعيد». ونشر نضال القاسم كتابا بعنوان «جمالية الشكل والمضمون في شعر حميد سعيد» 2014. ودرَسَ حسن الغرفي شعرهُ من زاوية الموسيقى والإيقاع في «البنية الإيقاعية في شعر حميد سعيد» وفي كتاب آخر بعنوان «حرائق الشعر» درس تجربة حميد سعيد».
وتناول ضياء خْضَيِّر شعره في موقعين: أولهما، كتاب» المعلقة البغدادية «والثاني في دراسة لقصيدة» تحوّلات» لحميد سعيد. وتوقَّف رشيد هرون إزاء «مصادر الصورة «في شعره في كتاب بهذا العنوان. ومحمد كنّوني توقف بنا إزاء «اللغة الشعرية» في دراسة عن شعر حميد سعيد 1997. ونشر مصطفى الكيلاني من تونس كتابا عن شعره بعنوان «حميد سعيد شاعر البدايات – مقارباتٌ تأويلية في الدلالة المرجعية» 2012 . وحسين الجبور صنف كتابا عن ديوانه «أولئك أصحابي» دراسة نقدية بعنوان (قراءة نقدية في أولئك أصحابي: قصيدة صمت البحر نموذجا) 2022. أما سمير اليوسف، فتناول شعره أكثر من مرة، ولا سيما قصيدة الموت في غزة.
ويأتي هاني الهندي بكتابه «المعجم اللغوي في شعر حميد سعيد» ليبحث في لغة الشاعر ثانية، ملحّا على ما في شعره من مظاهر لفظية، وأخرى دلالية، تفصح عن قيم جمالية، وأسلوبية، تستحق الدراسة في شيء غير قليل من الاهتمام والعناية. فمن المجالات التي تستوقف المؤلف ما يعرف بالحقول الدلالية semantic fields وهي نظرية يعزى الحديث فيها وعنها للألماني تراير Tryer، والغاية من هذه النظرية الوقوف على الفروق والملامح المميزة للمعاني التي تنم عنها ألفاظ مشتركة. فعلى سبيل المثال استعملت العرب للغزال كلمات مثل: ظبي، ويعفور، وشادن، وريم، وطَلْي، وهذه النظرية تقوم على البحث في الفروق؛ فالشادن – مثلا ـ هو الذي لم ينبت له قرنان، والريم هو الذي يختلف لون ظهره عن بطنه، فالظهر أحمر، والبطن أبيض. وهذا البحث لا يحسن تطبيقه على الشعر إلا في الحدود الدنيا. وهو أقرب إلى الشرح الذي نجده في شروح الدواوين، لكن الكثير من الدارسين يحاولون تطبيق هذه الفكرة، فيحمّلونها بعدا سيميائيا، فيتتبعون ذكر القمر وأنه ينم على الجمال عكس العتمة، والظلمة. وهذا طبعا تفسير ينبغي أن يعاد النظر فيه. فالقمر هلالا، وبدرا، يستخدم في العربية للدلالة على المكانة، والمنزلة الاجتماعية، فقالوا «وهل يخفى القمر؟». وقال أبو فراس «وفي الليلة الظلماء يفتقد البدرُ» أي أنّ مكانته بين فرسان قومه كمكانة البدر بين النجوم. وقالوا أمانا أيها القمر المطل كناية عن الوجه الجميل، وما فيه من الاستدارة.
وقد نحا المؤلف في هذا الباب من كتابه منحى هؤلاء ، مع أن اللفظ في الشعر لا لزوم لتفسيره الدقيق الذي يرد في معاجم اللغة، أو التدقيق الدلالي الذي يحث عليه علم اللسان، فالاستعمال يخرج باللفظ من موقعه في المعاجم لمواقع أخرى لا يمكن إخضاعها لهذا الضرب من البحث. وقد تكلف الدارس مشقة التقصي في الباب الأول ذاكرا الكثير من الحقول مشيرا للتفاصيل المتعددة في كل حقل.
فعلى سبيل المثال يجعل من الحيوان والطير حقلا دلاليا يتضمن الحقول الدنيا الآتية: الطيور بأنواعها والحيوانات الأليفة، وآكلة اللحوم، والحيوانات المائية، والحشرات، والزواحف، وثمة حيوانات أخرى؟ وعند الحديث عن الطيور نجد فروعا: كالطيور المهاجرة، ثم العصافير، والحمام، والغربان. ونحن لا نستطيع أن نتفق مع الناقد على هذه الطريقة الاستقصائية التي لا ترشد القارئ المعجب بشعر حميد لأسباب شغفه بشعره. فبعد أن يعَرَف لنا الغراب يذكر مثالا استخدم فيه الشاعر عبارة غراب آلان بو Poe معلقا على ذلك بالقول: إن الشاعر يرى في الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن غرابا، وهذا لا تأويل فيه، ولا جديد يصلح أن يكون ثمنا معقولا مقبولا لهذا الجهد. فحميد سعيد، بلا ريب، ومن دون أدنى شك، يومئ لقصيدة مشهورة للأمريكي بو 1845 عنوانها « الغراب» The Raven وكأنه يقول: ما أكبر الفرق بين الشاعر بو، والرئيس الأمريكي.
ومن الأمور التي تحتاج إلى تأنٍّ ما يذكره المؤلف في عنوان الباب الثاني، فهو يتناول فيه معجم أدوات الحرب، وألفاظها. فثمة فرق بين أدوات القتال، أي: السلاح، وألفاظ الحرب. وها هنا يذكر لنا البندقية، وما شابهها من سلاح، كالرشاش، والصاروخ، والقذائف، والمدفع، والعتاد ـ الذخيرة ـ ثم يذكر معها الرماح، والشهداء، والسيف، فجعل من الشهادة أداة من أدوات القتال. فلو أنه فرق بين أدوات القتال، وألفاظ الحرب، لما وقع في هذا الإشكال. فمن ألفاظ الحرب الميدان، والخنادق، والكمائن، والاستشهاد، والجراح، والأسر، والبلاء، والصمود، والفرار، والغدر.. ومع ذلك فإنّ المنصف لا يلوم المؤلف على ما وقع فيه؛ فالفكرة التي شغلته هي البحث في ألفاظ الشاعر، وجمع ما له صلة منها بالحرْب.
ومما لا يصحُّ وصفه بالمعجم اللغوي، وفرة الاقتباسات التي يحيلنا الشاعر فيها لشخصيات خرافية، وأسطورية، ونبوية، وربما تاريخية؛ عربية، أو إسلامية.. وذلك ما يوصف لدى بعضهم « باستدعاء شخصيات « واتخاذها أقنعة يختفي الشاعر في بعض الأحيان وراءها، مثلما يختفي أدونيس بمهيار الديلمي، وأمل دنقل بعنترة، وزرقاء اليمامة، وكليب وائل، والبياتي بالمعري، ومحمود درويش بيوسف الصديق، أو أبي فراس الحمداني، وغيره. ويصعُب تقبل تصنيف المؤلف لهذه الشخصيات بوصفها ألفاظا معجمية، فلكلّ اسم من هذه الأسماء في ذاكرة الشاعر، والقارئ، الكثير من الإيحاءات، التي لا يجد القارئ منها شيئا في المعاجم.
ومن المفارقاتِ الغريبة قول المؤلف هاني الهندي في موضع من الكتاب: «الشاعر حميد سعيد يوظف الشخصيات كرموز(كذا) ينطلق منها لعرض الواقع المعاصر بأسلوب جديد يمد جسورا من الماضي إلى الحاضر». وهذا يؤكد أن ما ظنه ألفاظا معجمية، وأسماءَ لشخوص، ينسحب عليها ما ينسحب على ذكر الظبي، بدلا من الريم، أو الشادن، أو الطَلْي، أو الفرق بين الحوار، والفَصيلِ، والعّوْد، والبازل، فهو في هذا القول تجاوز المعجم اللغوي، وتناول ما يعرف باستدعاء الشخصيات الأسْطورية، والنماذج التاريخية، لاستحضار ما تثيرهُ في ذهن المتلقي من ظلالٍ، وإيحاءاتٍ، تعجزُ عنها الكلمات. أما إقحامه أسماء العدَد مثل واحد، واثنين، ثلاثة.. إلخ، والرموز مثل س، ص، فعلاوة على أنها ليست ألفاظا، فإن تأثيرها في المعنى تأثير قليل جدا، فليس من المعقول أن يذكر الشاعر كلمة مئة، وهو يقصد ألفا: «وأنتمو معشرٌ زيدٌ على مئة» فذو الإصبع العدواني يحسَبُ المئة تنمّ على كثرة، فقال إنكم أكثر من مئة، فاجمعوا أمركم طُرّا فكيدوني. فالعدد لا ينم لا على مبالغة، ولا على أيّ شيء آخر. فمعناه محدَّد، ولا يقع فيه الانزياح، ولا المجاز، ولا ما يشبه الانحراف. ولسنا نعرف ما الإعجاز البياني في قول الشاعر مثلا «إنها التاسعة». ومما يثير اللَّبْس زعم المؤلف أنّ كلمة (أخرى) تفيد الزيادة العددية مع أن استعمالها في الكثير الجم من الأحوال تشير للاختلاف، فنقول للآخر، وللأخرى، للتعبير عن طرف ثان، أو شيء مختلف. ولذلك قيل: جمادى الآخرة، للدلالة على أن قبلها جمادى الأولى، وقد ألف أحدهم كتابا بعنوان «الخيمة الأخرى» لتمييزها عن خيمة كنفاني في روايته أم سعد «خيمة عن خيمة تفرق».
وأما الشيء الذي حقق فيه المؤلف ما يتوق له، ويطمح إليه، فهو التناول الذي عني فيه باقتراب الشاعر من لغة الحياة اليومية. وما قام به من استقصاء لأمثلة من شعر حميد تؤكد قربه من التراث الديني، وغير الديني. وهذا في الحقيقة لا ينسجم مع العنوان، فتشرّبُ التراث، والتأثر به، شعرا ونثرا وفكرا، لا يعد من المعجمية في شيء. وما جاء بُعَيْد هذا من حديث عن ظاهرة التكرار في شعره من ص 203- 223 شأن أسلوبي، ولا ينسجم مع الشطر الأول من العنوان «المعجم اللغوي».
وأيا ما يكن الأمر، فإن هذه الملاحظ لا تنتقص من قيمة الكتاب ولا من قَدْر المؤلف، فهو، في كل الأحوال، يضيف لما كُتب عن حميد، وشعره، إضافاتٍ لا نجدُها لدى غيره، ولم يُعْن بها سِواه.
كاتب أردني