رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي تشارك بلاده للمرة الأولى في قمة المجموعة السياسية الأوروبية المنعقدة في العاصمة الأرمينية يريفان، ذهب أبعد من زملائه في التعليق على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب 5.000 جندي أمريكي من ألمانيا، فاعتبر أن كندا وأوروبا «ليستا محكومتين بالخضوع لنظام عالمي وحشي جديد».
وإذ تفاوتت ردود أفعال ساسة أوروبيين آخرين بين اعتبار القرار متوقعاً وسبق للرئيس الأمريكي أن لوّح به منذ ولايته الأولى، وبين إبداء الدهشة من توقيته المفاجئ اليوم، فقد أجمعت الآراء على أن هذه الخطوة تشكل نقطة انطلاق للقارة كي تعتمد على قدراتها الذاتية في ضمان الأمن الأوروبي.
ومن المعروف أن ترتيبات النظام الأمني الأورو ـ أطلسي لأطوار ما بعد الحرب العالمية الثانية استوجبت نشر عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في عدد من القواعد العسكرية على امتداد أوروبا، وفي ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وبولونيا خصوصاً. وبعد الاجتياح الروسي لأوكرانيا أواخر شباط/ فبراير 2022، ازدادت أعداد هذه القوات فبلغت نحو 84,000 جندي، فضلاً عن أن ألمانيا تحتضن مقرّ القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا، وفي أفريقيا.
كذلك فإن هذا الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا وثيق الارتباط بعضوية الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي، الناتو، ليس على أصعدة سياسية وأمنية ودفاعية فقط، بل تجارية أيضاً لأنّ مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى الدول الأوروبية تُحتسب بمئات المليارات. هذا عدا عن نزوعات هيمنة أمريكية على شؤون القارة، ينهض قسط منها على تراث «خطة مارشال» التي يؤمن ساسة أمريكيون بأنها أنقذت أوروبا اقتصادياً وصناعياً.
لكن سلوك الرئيس الأمريكي الحالي حيال هذا الملف تحديداً أخذ يثير أسئلة جدية حول ما إذا كان التوتر الراهن على ضفتَي الأطلسي مجرد شجار مؤقت سببه عدم انخراط أوروبا عموماً وألمانيا خصوصاً في الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، أو حول رفع الرسوم الجمركية الأمريكية، أو التلميح إلى تجميد العضوية أو حتى انسحاب واشنطن من الحلف الأطلسي.
أم أنه، في مستويات أعمق قد لا تتبدى مباشرة على السطح، خيار استراتيجي أمريكي لهذه الإدارة على الأقل، تكشفت بعض خطوطه في «استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة»، التي أصدرها البيت الأبيض أواخر العام 2025، لجهة منح أولويات جيو ــ سياسية واقتصادية وأمنية لمنطقة نصف الكرة الغربي التي تضمّ الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، على حساب فكرة «الغرب» التي اعتادت أن تجمع أوروبا وأمريكا.
صحيح أن الرئيس الأمريكي يمكن بسهولة أن يغيظه امتناع بعض الدول الأوروبية عن السماح للجيش الأمريكي بالانطلاق من قواعده العسكرية فيها لمهاجمة إيران، أو رفض الانخراط في ترتيبات عسكرية أمريكية حول مضيق هرمز، أو حتى تصريح المستشار الألماني بأن طهران «تذلّ» واشنطن في المفاوضات. إلا أن الصحيح المقابل يمكن أن يشير أيضاً إلى ما هو أبعد وأعمق أثراً، حيث يكمن نزوع نحو النأي التدريجي عن قارة تبدو في ناظر ترامب باهظة التكاليف وقليلة المردود.