الجوالعام :
طريقة صلاح فائق التي يلتقطُ بها صوره ويصوغ بها جملته الشعريّة بحِرفيّة تامة، حيث يعمد إلى توظيف اليومي والعابر ويختلق عوالم ومفاجآت تكون نسيجاً متجانساً في النهاية، يوحّد موضوعة القصيدة مع المحافظة على تماسك جمله الشعرية، من الصعب بمكان مطارة سيل الأفكار أو ملاحقة عوالم الشاعرأو إحصاء مفرداته، إنّه يفاجئك بصور متناثرة مستخدماً أسلوب (التقطيع السينمائي)، لكنّ القارئ الذكي يدرك جماليّة وروعة تلك الصور المنسابة بحرفية وعفوية، له قدرة على التحكم بمفرداته كما يتحكم الراعي بقطيع كبير، يتأثر بكل ما حوله من صور تقع عينه عليها من الحصى و اللؤلؤ و الأصداف و بالنجوم بل حتى حروف الجر و النصب يعمل على توظيفها بعناية فائقة في شعره، دائم الإشتغال على التجريب، حيث تراه يرعى الشياه في صورة ثم يرافق الذئاب في صورة أخرى، او يرتقي الجبالَ او يتدحرج من القمم الشاهقة الى الوديان ذوات المروج و اللؤلؤ، مثلما نجده في صور أخرى يصطاد الأسماك الفضية و الطيور الأليفة و الجارحة،
اللافت في تجربة هذا الشاعر، أنّ غالبيّةَ صوره هي صورٌ مبتكرةٌ علامة أو ماركةٌ خاصّة به لم يسبق إليها أحد، وهنا أستطيع أن أستعير قول سركون بولص بشاعريّة صلاح فائق: (شــعرُكَ حقيقــيٌّ ومبهــج، وبالنســبّة لي هــو مواســاة هديـّـة مــن لا مــكان وقـد ابتهجـت، قرأتـه بنـوع مـن الإلتهـام: جديـد في كل مـرة) لا يركن إلى ثيمة واحدة حتى يُبقي شعره متجددا، تراه في كل قصيدة أو في كلِّ ديوان من دواوينهِ يطرقُ ثيماتٍ كثيرةً،
دلالة شعريته وعوالمه
شعريّة صلاح ترتكزُ على مرتكزين هما اللغة والفكرة، إنّه يبحث عن قصائده أو عوالمه عبر التفاصيل واليوميات في كلّ ما حوله،ليس له قاموس معيّن، سواء من التراث، أو من الحداثة، شعره هو بوصلة حداثته، أفكاره متوهجة، يستطيع أن يجعلَ مِن كلِّ شيءٍ حوله شعراً.
تقطيع قصائد ديوان «دببة في مأتم
ضم 47 قصيدة قصيرة جدا بلغت في قصرها انّها لا تتعدى بيتاأو شطرا واحدا فقط، لذلك آثرت أن أقدمها بتفكيك تكنيكي الصياغة في هذه المجموعة، وليس فقط الفكرة أو ألفاظها، بل تلك التقنيات التي أتبعها في كلِّ قصائده في هذه المجموعة،التي ضمّت في بعض الأحيان بيتاً واحدا فقط، ايّ أنّها تقدم فكرة مجرّدة في سطر واحد ويترك القارئ يؤول ما يرمي إليه بمعنى أنّه يسحب القارئ إلى لعبته البلاغية بتقية الاختصار يقول في القصيدة رقم 5
(منذُ الفجرِ أجلسُ في حوضِ سباحةٍ فارغ)
لاحظ الوقتَ الفجر، وما زال يجلسُ في حوض سباحة، هذا تناسب متسلسل لكن فجأة نكتشف (الغرابة) الحوضُ في الحقيقة كان فارغاً أصلا! هل هي الفكرة التي قادت الشاعر إلى هذه المصادفة؟ أم تقنيات قصيدة النثر؟ هل اختصر الشاعر يأسَه بهذه المفارقة مثلا؟ هل كانت هذه المفارقة عزاء لإنسان منكسر؟ أم قد تكون هي كلُّ هذي الأشياء معا؟ ابتعد الشاعرُ عن تبسيط فكرتهِ عَبر عامليَ الإيهام والمراوغة اللذين أدّيا دوراً محوريّاً في إبعاد الشعر الموغل في البساطة والمطروح للمتلقي على طبق وكأنّه وجبةُ طعام يلتهمُها القارئ بسرعة دون طعم أو أثر، لا بد من تحصين النص وفكرته لكي لا يسقط من أوّل نظرة وهذا التحصين يأتي عبر اللغة في مستويين هما، اللفظ والمعنى عمد الشاعرالى جعل لكل نص شعريتَه وأسلوبَه البنائيَّ الخاص الذي يبنى وفق مفهوم حراك الرؤى والدلالات والمعاني والتشكيلات الإسلوبية الإيهاميّة، بمعنى أن الشاعر يصوغُ لكلّ نص من نصوصه أسلوبَه الشعريَّ المفصل الخاص من حيث تشكيلاته وأنساقه التصويريّة المراوغة، ومعانيه الخاصة وفيه يتحول كلُّ جماليٍّ إلى مثيرٍ ومؤثرٍ في مدى تفعيله لمفهوم الرؤية الشعرية، وما تكتنزُه من دلالاتٍ رمزيّة وصور فنية.
وفي هذه القصيدة يحاول الشاعر جرّ قارئه إلى عوالم المفارقة، وهي الجلوس في حوض سباحة فارغ، لكنَّ الشاعرَ بكلّ حَذاقة ومهارة استخدم تقنيات مفهومي الإيهام والمراوغة ليخفي التفاصيل، واكتفى بتعابير مجازية حول فكرته عبر مفهوم الزمن (الفجر) ومفهوم المكان (حوض السباحة) طريقته مرتبطة بمجاورات تعتمد أنساقا تعبيريّة معروفة في النص من خلال الأفكار المنبثقة والتقنيّات الإسلوبية والمكونات البنائية، مثل توظيف السرد وربطه بالمكان، مستفيدا من العلاقات اللغوية ذات البعد الدلالي، إلى طريقة تركيب الصور في نسيج متماهٍ متماسك، تراوح بين الميتالغة والوعي الدال بل تجاوز إلى بيان أثر كل منهما بالآخر، هنالك علاماتٌ لغويّة ذاتُ بعدٍ دلالي، وأخرى مرتبطة بمحاولة إيصال الفكرة، التي يمكن للقارئ تجميعها وتكوينها في نهاية القراءة للوصول إلى لذّة النص، حيث تبدأ من المفارقة التي تحوّلتْ إلى قافيّة في قصيدة النثر، لاحظ معي حوض سباحة فارغ، مضادان مختلفان هذه هي الغرابة التي تحدّثتُ عنها، ومن دونها ستفقد هذه القصيدة أو المقطع قيمتَه، حسناً لنطبق مبدأ رولان بارت في الفحص الاستبدالي إذ قال (ومن أجل النفاذ إلى باطن النص لسبر حركة العلاقات فيه، اقترح رولان بارت فكرة الفحص الاستبدالي، وهو أن نقوم بتغيير توجه الجملة، من حيث دلالتها أو من حيث إيقاعها).
لنقرأها كالآتي (منذ الفجر أجلس في حوضِ سباحةٍ ممتلئٍ) أو بارد، أو ساخن، إذن لتحوّلت القصيدة إلى جملة تقريرية بلا قيمة! لأنّ قيمتها الحقيقة بالمفارقة القافية تلك الغرابة، هي التي أعطت التناسب لمفردات القصيدة طاقة شعريّة، ومفهوم التناسب هنا، ما يناسب الشعر من ألفاظ النثر، لكن حتى نصل إلى قصديّة الشاعر في هذه القصيدة المختصرة جدا، علينا أن نُحصي الاحتمالات التي تُبنى عليها الدلالة، هل كان هذا الجلوس منذ فجر يوم واحد؟ ام منذ عدّة أيام؟ أدرك أن ألَ التعريف في مفردة الفجر قد أدّت وظيفتها اللغوية وعرّفت الفجر المنوط بيوم محدد، ولكنّه ترك الدلالة العامة للجملة مفتوحةً على عدّة احتمالات، فإنّه لم يذكر سبب جلوسه! ولا إلى أيّ وقت بقي هذا الجلوس في حوض سباحة فارغ!.
القصيدة رقم 25
(لسبب أجهلُه أحبّ أن أتبع نهراً إلى مصبِّه الأخير، أو يرافقني في البحث عن صديق )
دخل الشاعر مباشرة إلى جو القصيدة عبر الجار والمجرور في جملة لسبب أجهله، لاحظ في المقطع الأول جملة تقريرية عادية جدا، لا تحمل طاقة شعرية فقط كلمات متناسبة، لكن الذي جعل هذه الجملة ذات طاقة شعريّة هو حرف العطف (أو)، الذي يحيلنا بطريقه إلى جملة أخرى قد تكون هي القصيدة، أو هي السحر الذي يجعل من الجملة التقريرية شعرا، حسنا لنستمر سنجد الآتي ( يرافقني في البحث عن صديق) انتهت القصيدة أو المقطع بقافية الآ وهي (المفارقة ) كيف يرافق نهرٌ شاعراً ما في البحث عن صديق؟ هنا أحدث حرف العطف (أو) فعلتَه بثلاثة اتجاهات 1- جعل من المقطع التقريري الأول شعرا، قفل القصيدة أو هذه الومضة بقافية هي المفارقة، 3 خلق اللّذة سواء للشاعر أو للمتلقي.
ماذا سيحدث لو قرأنا القصيدة من دون حرف العطف (أو) ماذا سيحصل؟ لنطبق مبدأ رولان بارث في الفحص الاستبدالي، لنجرّب إذن (لسبب أجهله أُحبّ أن أتبع نهرا إلى مصبه الأخير، يرافقني في البحث عن صديق) تحوّلت القصيدة بلحظة واحدة إلى كلام تقريري غير مترابط لا قيمة له، إذن الفعل كان لحرف العطف (أو) وكأنّ الشاعر يراهن على شعريّة خاصّة تتجاوز المألوف يتحوّل الشعر إلى سمّو متعالٍ في أفق أكثر انفتاحا، حيث تتحوّل لغتُه إلى آلية تتجدد وطاقة تتصاعد عبر الاستعارة والفكرة مستغلاً عاملي الإيهام والمفارقة، لإحداث اللّذة عبر مفهوم الإثارة مستغلا المساحة التي تتيحها اللعبة اللغوية ليشحن عالمه المتخيل بصور عابرة من اليومي.
الخصائص الفنية
في أي نص للشاعر سيجد القارئ تلك اللذة التي يبحث عنها، أو قد يجد الشاعر نفسه هنالك في مصادقة غريبة! في بعض النصوص تكون الفكرة هي التي تحدد هذا التوازن، وفي أحيان أخرى اللغة هي التي تفرض حضورها، سواء بالجملة الواحدة، أو في النص بأكمله، إنّك لا تتلمس ذلك التناغم بل تحسُّه من خلال النص، بينما في جانب آخر ستجد المصادفة والغرابة والعشوائية، هذي العوامل هي التي تَخلق نصّ الشاعر، إنّها الجدول الذي يقوده إلى النهر إلى القصيدة إلى نهايتها وكأنّ الشاعر يتحسس الكائنات حوله، محاولا ترجمتها بتوازن وتناغم يتناسب مع الفكرة التي وضعها، هل هذه الفكرة وليدة لحظة الإلهام، أم مختزنة أصلا في اللاوعي؟ أم في ثقافة الشاعر، أم في مشهد جلب انتباهه؟ أم هاجس مرّ كسحابة ليمطر الشاعر بفيض من الصورة التي ترتبها شاعريته؟.
ناقد وشاعر عراقي