تؤرّخ الرواية لحياة لويس شابو كاملة. تبدأ صفحاتها الأولى بتسجيته القبر، معلنة هكذا عن موت الشخصية التي سنتعرف عليها لاحقا، وذلك في الصفحات الثلاثمئة والخمسين اللاحقة. ولن يتأخّر فصل ولادته في الظهور، حيث نقرأ في الصفحات التي تلي عن ولادة متعسّرة لطفل تحُول وضعيته في بطن أمه، دون إخراجه بيدي الطبيب. الرواية سيرة حياة كاملة إذن، لا تفوّت حدثا ألمّ ببطلها، هو الذي عاش كل ما تحمله الحياة إلى حياة البشر، من ذلك مثلا تخلّي من أنجباه عنه، مودعين إياه في ملجأ لرعاية الأيتام. عرف الجوع والنبذ الإجتماعي، والقتال في الحرب، والسجن من ثم، واختلال الانتماء حيث كان مضيَّع الهوية بين أن يكون فرنسيا أو إيطاليا، ما أدّى إلى خلوّ عاطفته من أي مشاعر وطنية أو قومية أو دينية. ثم تعرفه على امرأة أحبها وزواجه منها، ثم الثراء النسبي الحاصل له بالصدفة، ولم تخل حياته من تفاصيل تبدو في الظاهر هامشية وعرضيه من قصر قامته عما يجب لها أن تكون، وفقدانه ثلاثة من أصابع إحدى يديه.
أما ما ينفرد به عن أي شخص عادي فحلمه بأن يكون إبنا لملك، وذلك تأثّرا بحكاية خرافية رويت له في طفولته، فقضى حياته، باحثا إن كان يمكن لهذا الحلم أن يتحقّق له. في انتظار ذلك سيكون عيشه قائما على انتظارصعب، علما بأننا، كقرّاء للرواية، لن نكون قريبين أبدا من متابعة وقائع خرافية. فحياة ذاك الذي اسمه لويس شابو ستكتنفها كل المشكلات والنزاعات والفقر والثورات، وكذلك الوباء، الذي ألمّ بعصر فرنسا ذاك. أما الأب الذي يبحث عنه الطفل، الذي أصبح رجلا فلم يكن أقلّ من رئيس بلده لويس فيليب، الملك، تماما كما في الحكاية الخرافية.
ولقد تأتت لمن كان حلمه على هذا القدر من استحالة التحقٌّ مصادفاتٌ لم تكن لتحصل في علاقات الناس الواقعية. فبخلاف سوء الحظ الذي طبع بداياته، واستمرّ ملازما له في أيام فتوته ومطلع شبابه، عرف نصيبا من الحظ تمثل بنجاحات أتته من دون مقدّمات. من ذلك مثلا خروجه من حياة الدير إلى العمل في منزل رجل نافذ هو الذي يكنّى عنه في الرواية بإسم الماركيز. هناك سيحظى برعاية وحكمة تعلّمها من أقوال معلّمه ونصائحه، ثم ستأتيه فرصة العيش في منزل صانع النبيذ لويس يوست. هذا الرجل المقبل على شيخوخته استعاض بوجود لويس شابو عن ابتعاد ابنه عنه، فأورث بطلنا كل ما كان يملكه.
هكذا تبدو الرواية منقسمة بين أن تكون نصف خرافية نصف واقعية، فرغم أنها تقوم على نبوءة حلمية، إلا أنها تقدم وصفا متشعبّا لما كان يجري في الزمن الذي ترويه. من علامات ذلك أن كاتبها السويسري تشارلز ليفنسكي رجع باطّلاعه ما يزيد عن أكثر من قرنين، ليتمكن من أن يكون على ذلك القرب من أحوال ذلك الزمن. كما أنه لم يحجب القسوة المهولة التي عاشها بطله طفلا، ثم فتى فشابّا، وهذا مما لا تحتمل صدماته الروايةُ القائمة على تلبية ما توحي به الأحلام. وهذا ما عاشه لويس شابو في بحثه عن والديه الذي أوصله إلى أمه أولا. لقد أمكن لمن ساعدوه على التعرف إليها أن يوصلوه إلى حيث صارت إليه، امرأة خرفة وقبيحة لم يكن ممكنا لها التعرف على ابنها، وهو لم يعد ثانية لزيارتها. لقد أهمل وجودها معوّضا عنه بالتركيز على الوصول إلى أبيه الذي، فيما تعمل الرواية على تكوين شخصيته، تجهد في تصوير ذلك كأنه لغز الرواية أو سرّها.
بل إنه، بالقياس الحديث لما تسعى الأعمال الروائية إلى رسمه من شخصيات، يبدو هو، الأب، لويس فيليب، شخصية الرواية الأولى. ذاك أنه يتكون، قبل صيرورته رئيسا أو ملكا، كأنه يُصنع من عناصر غامضة ومدهشة. وهذا في ما تصنع الحظوظ شخصية ابنه، كبطل الرواية حسب المفترض، يكون هو، الأب، كسرّ لا ينكشف.
وهذا ما أراد الابن أن يصل إليه، أن يبلغ ذلك الغموض الذي منه صنعت تلك الفتنة. فالأب لم يصل متدرّجا إلى الرئاسة، بل إنه توزّع قبلها في أنواع حياة كانت كل حقبة منها مختلفة عن الأخرى.. فحينا هو سكّير، وحينا هو رجل متأنّق يبدّل قميصا كل يوم، وحينا مغو للنساء. أما ابنه، فرغم سعيه المجهد، فلن يتمكن من الاقتراب منه. لويس فيليب لم يكترث للرسالة القصيرة التي أرسلها له ابنه، وأزاحها بحركة من يده تعني أن ليس لديه وقت للإصغاء إلى الشكاوى. في أثناء انتظار هذا الجواب، كان الابن يغوص في فقر المدينة ووبائها، ويموت راجعا إلى سطور الرواية الأولى يستعجل الحفّارون الانتهاء من دفنه.
*«إبنه» رواية الكاتب السويسري تشارلز ليفنسكي نقلتها عن الإلمانية هبة شريف عن دار العربي للنشر والتوزيع في 350 صفحة -سنة 2024.
كاتب لبناني