دمشق – “القدس العربي”: في محاولة لضبط فوضى السلاح ضمن مدينة الحسكة السورية، والحد من التعديات على المدنيين، أعلنت مديرية الأمن الداخلي في المحافظة، الواقعة شمال شرق البلاد، عن “منع حمل السلاح والتجول به داخل المدينة وحصره بيد الدولة ممثلة بالقوى الأمنية والعسكرية الرسمية أثناء تأدية مهامها”، الأمر الذي رحبت به مصادر نيابية ومحلية لـ”القدس العربي” واعتبرت أنه يصب في اتجاه “فرض سيادة الدولة”.
وتزامن القرار السابق مع إعلان الإدارة العامة للشؤون المدنية في سوريا، فتح مهلة نهائية أمام الكرد غير المجنسين لاستكمال إجراءات تسجيلهم للحصول على الجنسية السورية ما بين 18-28 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، بهدف إغلاق واحدة من أهم الملفات التي ظلت على رأس المطالب الكردية، وسط أنباء بأن يتم افتتاح القصر العدلي في الحسكة بداية الأسبوع المقبل، ضمن عملية الدمج لمناطق شمال شرق البلاد، ضمن بنية الدولة السورية.
حالة من التوتر
وشهدت أحياء داخل مدينة الحسكة، خلال اليومين الأخيرين، حالة من التوتر على خلفية قيام عناصر من “الشبيبة الثورية” التابعة لـ”قسد” باعتقال شبان عرب ممن شارك، الجمعة الماضي، بتظاهرة حاشدة في ساحة الحرية، طالبت باستكمال بسط سلطة القانون وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة الحكومية في جميع أنحاء المحافظة.
وحسب مصادر تحدثت لـ”القدس العربي”، فإن دوريات لـ”الشبيبة الثورية” عمدت إلى نصب حواجز مسلحة داخل المدينة، وفتشت المارة وأجهزتهم المحمولة، واعتقلت بعضهم لمجرد أن هاتفه مزين بالعلم السوري، وأدى تدخل جهات أمنية رسمية إلى إطلاق سراحهم لاحقاً.
وبينت المصادر أن عناصر مسلحة من “الشبيبة الثورية” حاولت الدخول إلى حي النشوة، اليوم الثلاثاء، فتصدى لهم الأهالي ومنعوهم، وعلى الإثر، قامت قوات الأمن الداخلي بنصب حاجز لها عند مدخل حي النشوة، وذلك بعد أن كان عدد من أبناء حي العزيزية، قد قام، الإثنين، بنصب حواجز مسلحة على مداخل حيهم للحيلولة دون دخول عناصر “الشبيبة الثورية”.
وأظهرت صور ومقاطع فيديو، تداولتها صفحات خاصة في الحسكة، انتشار دوريات لعناصر الأمن الداخلي ضمن بعض أحياء المدينة تطبيقاً لقرار حظر حمل السلاح الصادر الإثنين، ونشرته الصفحة الرسمية لمديرية الإعلام في محافظة الحسكة.
وذكر بيان مديرية الأمن الداخلي أنه يمنع منعاً باتاً حمل السلاح والتجول به داخل مدينة الحسكة، كما يمنع منعاً باتاً إطلاق النار لأي سبب كان، ويُحصر السلاح بيد الدولة ممثلة بالقوى الأمنية والعسكرية الرسمية أثناء تأدية مهامها الرسمية فقط.
والبيان الذي طالب الأهالي بالإبلاغ عن أي مخالفات، جاء “حفاظاً على النظام العام وأمن وسلامة المواطنين ومنعاً لحالات الفوضى وترويع الأهالي”.
وتوعدت المديرية من يخالف القرار بـ”إجراءات صارمة، وستتم مصادرة سلاحه واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقه دون أي تهاون”.
ومع المباشرة بتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير 2026، القاضي بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية التابعة لـ”قسد” و”الإدارية الذاتية لمناطق شمال شرق سوريا” ضمن الهياكل الحكومية والوزارات المختصة، ظهرت ازدواجية في اتخاذ قرار السيطرة الميدانية على الأرض، وهي ما زالت حتى اللحظة تميل لصالح الميليشيات التي كانت تتبع لـ”قسد”، وقالت مصادر “القدس العربي” إن عناصر الأمن الداخلي ينتشرون اليوم في ربع أحياء المدينة تقريباً، بينما ما زالت السيطرة في باقي المدينة لصالح ميليشيات “قسد”، وإن كان الأمن الداخلي يأخذ دوره تدريجياً، لكن السلاح ما زال منتشراً بشكل واسع جداً بين أبناء المكون الكردي، وعملية جمعه وحصره بالأجهزة الرسمية قد تحتاج إلى أشهر طويلة، وربما أكثر.
ورحبت عضو مجلس الشعب عن محافظ الحسكة، فصلة يوسف، في تصريح لـ”القدس العربي”، بقرار منع حمل السلاح العلني من قبل الجميع وقالت إنها عملية مفيدة وجيدة لجميع المكونات بهدف ضبط الوضع الأمني وإنهاء التوترات، ونحن مع تنفيذ هذا القرار وحصر السلاح بيد أجهزة الدولة. وضمن إطار استكمال عملية الدمج، كشفت مصادر “القدس العربي” أن عقدة إعادة إطلاق عمل القصر العدلي، قد تم تجاوزها بعد شهور من المماطلة، ومن المرجح أن يعود القضاة المحسوبون على الدولة لممارسة نشاطهم الاعتيادي في المبنى الأسبوع المقبل.
وبينت المصادر أن المخرج كان عبر تعيين دفعة أولى من الأسماء التي رشحتها “الإدارة الذاتية”، ليشكلوا جزءاً من الجسم القضائي لمدينة الحسكة، وليس المحافظة، والقرار تضمن تسمية 30 قاضياً منهم وتم تعيين 10 ضمن القصر العدلي مباشرة، يشكلون ربع حجم القضاة الذين كانوا يعملون قبل سيطرة “قسد” على المحافظة، وقد يشغل أحدهم منصب رئيسة نيابة من أصل 4 رؤساء للمدينة، وقد يترأس آخرون محاكم صلح أو استئناف، مشيرة إلى أن العشرين الآخرين من قضاة “الإدارة الذاتية” الذين تم تعيينهم، سيخضعون لدورات قبل مباشرتهم لأعمالهم لاحقاً.
الجنسية للمجردين
إعادة تشكيل الصورة العامة في الحسكة عبر خطوات أكثر جدية باتجاه فرض سيطرة أجهزة الدولة، تضمن إعلان الإدارة العامة للشؤون المدنية في سوريا، فتح مهلة نهائية أمام الكرد غير المجنسين لاستكمال إجراءات تسجيلهم للحصول على الجنسية السورية ما بين 18-28 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، في خمس مراكز بمدن دمشق وحلب الحسكة والرقة والقامشلي.
وقال أمين السجل المدني في الحسكة عزيز المحيميد لـ”القدس العربي” إن الغاية من تمديد مهلة المرحلة الثانية التي كانت قد انتهت في الأيام الأولى من أيلول/ سبتمبر الماضي، جاء لفتح باب الاستفادة من المرسوم الرئاسي رقم 13 أمام الجميع، بعد ان منعت ظروف معينة البعض من إجراء مقابلاتهم خلال المرحلة الثانية، وخصوصاً منهم من جاء من خارج البلاد.
وأكد أن تجديد المهملة جاء لاستكمال البعض أوراقهم، أو للذين تغيبوا عن الحضور خلال المواعيد المحددة سابقاً، موضحاً أنه وخلال الأسبوع القادم، وقبل 18 الجاري، سيتم نشر لوائح اسمية بالذين تقدموا وسجلوا أسماءهم بهدف تدقيقها من أصحابها مباشرة مع فتح فترة زمنية للتصحيح.
وكانت أعداد المتقدمين للحصول على الجنسية السورية في المرحلة الأولى قد تراوحت بين 12 و13 ألفاً، وأوضح المحيميد أنه وبعد انتهاء المرحلة الثانية ومن ثم المرحلة الثالثة من المصادقة على لوائح الأسماء النهائية، فإن العدد يتوقع أن يتراجع عما تم إعلانه سابقاً، لتغيب عدد منهم عن جلسات اللقاء المباشرة في المرحلة الثانية.
ووفق المحيميد، باب الحصول على الجنسية قد يبقى مفتوحاً مستقبلاً لحالات لم تستطع التسجيل حالياً، ولكن هذا الأمر ما زال قيد الدراسة ولم يبت به بعد من الجهات صاحبة القرار، مؤكداً أن الرقم الأخير الذي سيتم الإعلان عنه، يمثل من تقدم فعلاً بتسجيل اسمه في المرحلة الأولى ثم استكمل أوراقه في المرحلة الثانية، وسيكون مختلفاً عن التقديرات غير الرسمية التي كانت تتحدث عن عشرات الآلاف.
وأثنت يوسف بقرار إعطاء مهلة إضافية لاستكمال الأوراق وقالت إنه ما زال هناك قسم لم يستطع أن يستكمل إجراءات التسجيل، وفتح المجال هو فرصة جيدة ليستفيد أكبر عدد ممكن، ونأمل لكل من هو محروم من الجنسية من أهلنا الكرد استغلال الفرصة، لأنها قد لا تتكرر.
وتمنت ألا يتم ربط عملية منح الجنسية للكرد المجردين منها، بمهل زمنية محددة، لوجود الكثير من هؤلاء خارج الدولة، وقد لا تسمح لهم ظروفهم زيارة سوريا لتسجيل أسمائهم والحصول على الجنسية، وتوقعت أن عدد المجردين من الجنسية هو أكبر من الـ13 ألفاً الذين سجلوا أسماءهم في المرحلة الأولى.
واستطاعت الإدارة السورية الجديدة حلحلة الملف الكردي المستعصي من عقود، فأصدر الشرع، المرسوم 13 في 16 كانون الثاني/ يناير 2026، ونص على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد، وإلغاء القوانين والتدابير الاستثنائية التي ترتبت على إحصاء الحسكة عام 1962.
الحقوق الكردية
وبعد التوصل إلى اتفاق الدمج، جرت انتخابات في مناطق سيطرة “قسد” سابقاً في محافظات الجزيرة وريف حلب انتهت بوصول 12 نائباً من إجمالي أعضاء المجلس البالغ عددهم 210، بمن فيهم من جاء ضمن قائمة المعينين من الرئيس الشرع، كما تم السماح للكرد بتعليم لغتهم في المدارس.
وقالت يوسف، وهي قيادية في “حزب الوحدة الديمقراطي الكردستاني”، وعضو في هيئة رئاسة المجلس الوطني الكردي في سوريا عام 2108، إن المرسوم رقم 13 خطوة إيجابية يمكن البناء عليها، لكننا نريد تثبيت ما تضمنه المرسوم في الدستور السوري، من خلال الاعتراف بالشعب الكردي كمكون رئيس في البلاد، وأن يكونوا شركاء حقيقيين في صنع القرار، فعددنا قليل جداً نسبة إلى عدد الكرد في سوريا.
وأضافت العضو في لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب، أننا نعلم أن البلاد تعيش مرحلة انتقالية، وما تم إنجازه هي خطوات إيجابية لكننا نأمل في الدورات القادمة أن تزيد حصة الكرد.
وطالبت بترجمة المناهج التعليمية للدولة السورية لتدريسها باللغة الكردية كاملة في المدارس بدلاً من تخصيص 3 حصص لتعليم اللغة فقط، مشيرة إلى أنها دعت تحت قبة مجلس الشعب، باعتماد مناهج باللغة الكردية لتدرس في المدن والأحياء ذات الغالبية الكردية.