سناء قاسم… حكواتية تحفظ الذاكرة الفلسطينية بالحكاية الشفوية



رانيا سعد الله

البرج الشمالي – «القدس العربي»: ما إن تبدأ سناء قاسم بسرد حكاية، حتى يخفت ضجيج المكان، وتلتفت العيون إليها كأنها تستعيد زمنًا لم يعشه كثيرون، لكنه يسكن ذاكرتهم. بصوتها الهادئ وحضورها القريب من الناس، لا تكتفي بنقل قصة، بل تعيد إحياء وجوه وأماكن وأغانٍ وحكايات كادت تبتلعها السنوات.
سناء قاسم، ابنة مدينة يافا في فلسطين، ومن سكان مخيم برج الشمالي في جنوب لبنان، اختارت في زمن أصبحت فيه الشاشات تسرق التفاصيل الصغيرة أن تتمسك بالحكاية الشفوية، وأن تجعل منها وسيلتها لحفظ التراث الفلسطيني، مؤمنة أن الهوية تبدأ من قصة تُروى، وذاكرة تجد من يصغي إليها.
وتقول سناء إن علاقتها بالحكاية بدأت منذ طفولتها، حين كانت تجلس للاستماع إلى قصص الجدات والأمهات، وهي الحكايات التي غرست في داخلها حب التراث والرواية الشفوية.
وتقول: «كنا نجلس ونسمع قصص الجدات والأمهات، ومن هنا بدأت الحكاية، وبعد ذلك عملت فترة في رياض الأطفال، وهناك بدأت أتعلم كيف أحكي الحكاية». رحلة سناء مع الحكواتي لم تكن وليدة الصدفة، بل بدأت من شغف قديم بالتراث الفلسطيني ورغبة في الاقتراب أكثر من تفاصيله. أول الطريق كان مع الحكواتية المصرية شيرين الأنصاري، حيث خاضت دورة تدريبية فتحت لها بابًا جديدًا، اكتشفت من خلالها أن الحكاية ليست كلمات تُقال، بل مسؤولية تجاه ذاكرة شعب.
ولم تتوقف عند تلك الخطوة، بل واصلت التعلم مع الحكواتي اللبناني جهاد درويش والحكواتية الفلسطينية دنيس أسعد، على مدار خمس سنوات، حتى أصبحت الحكاية جزءًا من حياتها اليومية ورسالة تحملها إلى كل مكان.
كانت أول مواجهة لها مع الجمهور من خلال حكاية «الزلم المهترة تضيع النسوان المسترة»، المأخوذة من كتاب «حكايات شعبية فلسطينية». وتتذكر تلك اللحظة بوصفها نقطة التحول في مسيرتها، حين أدركت أن الحكواتي لا يقف أمام الناس ليحكي قصة فحسب، بل يحمل على عاتقه إرثًا كاملًا، ويحاول أن يبقيه حيًا في وجدان من يستمعون إليه.
وتوضح أن لكل حكاية أسلوبًا خاصًا في التحضير، وتقول: «آخذ القصة، وأقرأها أكثر من مرة، وأركز على محتواها الأساسي، وأضيف إليها كلمات شعبية بأسلوبي الخاص».
ورغم الخبرة التي راكمتها، لا تزال كل أمسية تحمل تحديًا جديدًا. وأكثر ما يفرض عليها الارتجال، كما تقول، هو اختلاف أعمار الجمهور. فقد تستعد لحكاية مخصصة للأطفال، ثم تجد أمامها شبابًا وكبارًا في السن أيضًا، فتبدأ بإعادة ترتيب تفاصيلها أثناء السرد، حتى يشعر كل من في المكان أن الحكاية تخصه.
وترى سناء أن التكنولوجيا فرضت واقعًا جديدًا على هذا الفن، فباتت اللقاءات المباشرة أقل، وأصبحت الهواتف والمنصات الرقمية تنافس الحكواتي على جمهوره.
وتقول: «بكل صراحة، فن الحكاية يخف مع الزمن بسبب التكنولوجيا، وصارت توجهات الناس نحو البرامج والإنترنت أكثر من اللقاءات المباشرة. لكن مهما تطورت الوسائل الحديثة، يبقى للحكاية سحرها عندما تُروى وجهًا لوجه، لأن التفاعل مع الجمهور جزء من الحكاية نفسها».
بالنسبة لها، لا تبدأ الحكاية عند الراوي وتنتهي عند المستمع، بل تولد من العلاقة بينهما؛ من ابتسامة، أو ضحكة، أو تعليق عابر، يمنح القصة روحًا مختلفة في كل مرة.
ومن بين عشرات الحكايات التي روتها، تبقى «ظريف الطول» الأقرب إلى قلبها. ففي كل مرة ترويها، تشعر أنها تستحضر حكاية الفلسطيني الذي يحمل وطنه معه أينما ذهب، وتعيد التذكير أن الأرض ليست مجرد مكان، بل ذاكرة وهوية وانتماء. وتقول: «لكل حكاية وقعها الخاص عليّ، وبالتالي على الناس الذين يستمعون إليّ، لكن تبقى أكثر قصة أثرت فيّ قصة ظريف الطول، وكم هو مهم أن نسلط الضوء من خلال حكاياتنا على الشباب الفلسطيني ونضاله تجاه القضية الفلسطينية».
وتضيف: «كلما رويت قصة ظريف الطول في مكان جديد، شعرت أكثر بأهمية تسليط الضوء على الشباب الفلسطيني، وعلى نضاله وتمسكه بقضيته وأرضه. هذه القصة تذكرنا أن الفلسطيني، مهما ابتعد أو عاش في الغربة، يبقى مرتبطًا بأرضه وهويته».
ولا تنظر سناء إلى الحكاية بوصفها وسيلة للترفيه فقط، بل تراها سجلًا حيًا يحفظ حياة الناس، وعاداتهم، وأمثالهم، ولهجتهم، وكل ما يشكل ملامح هويتهم الثقافية، خصوصًا للأجيال التي لم تعش تلك التفاصيل.
وتختصر رسالتها بجملة تقول فيها: «طالما هناك من يروي الحكاية، سيبقى التراث حيًا، وستبقى الذاكرة الفلسطينية حاضرة في وجدان أبنائها مهما تغير الزمن». وبين حكاية وأخرى، تواصل سناء قاسم نسج خيوط الذاكرة الفلسطينية، مؤمنة بأن بعض الأوطان لا تُحفظ في الكتب وحدها، بل تبقى حيّة ما دام هناك صوت يرويها، وقلوب تنصت إليها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *