متابعة/المدى
تكثف الحكومة العراقية تحركاتها لإعادة رسم خارطة قطاع النفط والطاقة، عبر مسارين متوازيين يتمثلان بتنويع منافذ التصدير، وزيادة الطاقة الإنتاجية، بالتزامن مع مطالبات برفع حصة العراق داخل منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، في وقت تحذر فيه الأوساط الاقتصادية من استمرار الاعتماد على مضيق هرمز، وسط تصاعد التوترات الإقليمية، وتوقعات بانكماش الاقتصاد العراقي خلال العام المقبل نتيجة تراجع الصادرات النفطية.
دعوات لتنويع منافذ التصدير
ويرى الباحث في الشأن النفطي علي العزاوي أن الموقع الجغرافي للعراق يمنحه فرصة استثنائية لتأمين صادراته النفطية بعيداً عن الاعتماد على منفذ واحد.
وقال العزاوي، في حديث تابعته (المدى)، إن العراق يمتلك موقعاً جغرافياً يتيح له فتح أكثر من منفذ لتصدير النفط إلى الأسواق العالمية، إلا أن ذلك يحتاج إلى قرار حكومي جريء ورؤية استراتيجية بعيدة المدى لحماية أهم مورد اقتصادي للبلاد.
وأوضح أن الخيارات المتاحة تشمل إعادة تشغيل خط الأنابيب عبر تركيا باتفاقية جديدة تحفظ المصالح العراقية، إلى جانب إعادة تفعيل الخط السوري، وإنجاز مشروع خط الأنابيب باتجاه ميناء العقبة الأردني، فضلاً عن إمكانية الاستفادة من الخط العراقي – السعودي المؤدي إلى البحر الأحمر.
وأضاف أن استمرار تصدير أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً عبر الخليج العربي وحده يجعل الاقتصاد العراقي عرضة للمخاطر، لافتاً إلى أن أي اضطراب في مضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على الإيرادات العامة.
وأكد أن تنويع مسارات التصدير سيمنح العراق مرونة أكبر، ويسهم في فتح شراكات اقتصادية جديدة، فضلاً عن تقليل تأثير التوترات الإقليمية على الاقتصاد الوطني.
رفع الإنتاج يحتاج إلى بنية تحتية
من جانبه، أكد عضو لجنة النفط والغاز النيابية السابق باسم نغيمش أن زيادة الإنتاج النفطي تتطلب استكمال البنية التحتية الخاصة بالنقل والتصدير.
وقال نغيمش، في حديث تابعته (المدى)، إن منظومة الأنابيب النفطية تحتاج إلى عمليات صيانة شاملة، إلى جانب إنشاء خطوط جديدة قادرة على استيعاب الزيادة المرتقبة في الإنتاج.
وأشار إلى أن العراق يمتلك القدرة على رفع إنتاجه إلى سبعة ملايين برميل يومياً، منها ستة ملايين برميل للتصدير، مقابل مليون برميل لتلبية الاستهلاك المحلي، مؤكداً أهمية إعادة تشغيل خط التصدير الشمالي عبر ميناء جيهان التركي، والعمل على زيادة الحصة الإنتاجية للعراق داخل منظمة أوبك.
موازنة البرامج تدخل مرحلة التطبيق
وفي موازاة التحركات الخاصة بقطاع الطاقة، تتجه الحكومة إلى اعتماد إصلاحات مالية جديدة، تبدأ بتطبيق “موازنة البرامج والأداء” بصورة تدريجية اعتباراً من عام 2027.
وقال عضو اللجنة المالية النيابية حسين الدراجي، في حديث تابعته (المدى)، إن اللجنة المالية ناقشت مع وزير المالية فالح الساري التعديلات الأساسية على مشروع موازنة 2027، وفي مقدمتها الانتقال من الموازنة التقليدية إلى موازنة البرامج.
وأوضح أن المرحلة الأولى ستشمل وزارة الكهرباء ومحافظتي الديوانية وصلاح الدين، على أن تتوسع التجربة خلال عام 2028 لتضم خمس وزارات وخمس محافظات إضافية، قبل تعميمها على جميع مؤسسات الدولة.
وأضاف أن الهدف من هذا التحول يتمثل في حماية المال العام، وضبط الإنفاق، وتنظيم الصرف وفق أولويات التنمية والاستثمار.
ويأتي ذلك بعد إقرار مجلس الوزراء، في حزيران الماضي، البدء بإعداد موازنة البرامج بالتعاون مع البنك الدولي واللجنة المالية النيابية، ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي.
مشروع إقليمي للطاقة والتجارة
وفي السياق ذاته، يرى المحلل السياسي عبد الغني الغضبان أن التحركات الدبلوماسية التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي تعكس توجهاً لبناء منظومة اقتصادية إقليمية جديدة.
وقال الغضبان، في حديث تابعته (المدى)، إن زيارات المسؤولين العراقيين إلى عدد من الدول العربية، إلى جانب زيارة رئيس الوزراء الأخيرة إلى الولايات المتحدة، تندرج ضمن مشروع يهدف إلى إعادة تموضع العراق اقتصادياً، وبناء شراكات إقليمية تشمل السعودية وسوريا وقطر والإمارات وتركيا.
وأضاف أن الحكومة تسعى إلى تنويع منافذ تصدير النفط، وعدم الاعتماد بصورة كاملة على مضيق هرمز، من خلال دراسة مسارات بديلة عبر الأراضي السورية وصولاً إلى البحر المتوسط.
وأشار إلى أن المشروع لا يقتصر على العراق، بل يستهدف إنشاء ممرات اقتصادية وخطوط طاقة ونقل تربط الخليج بتركيا والبحر المتوسط، بما يعزز التكامل الاقتصادي الإقليمي.
الانفتاح العربي فرصة اقتصادية
من جهته، أكد الخبير الاقتصادي ستار الجبوري أن العراق بحاجة إلى تعزيز امتداده العربي وإعادة بناء علاقاته الاقتصادية مع دول الخليج.
وقال الجبوري، في حديث تابعته (المدى)، إن الانفتاح الحالي يمثل فرصة لإعادة العراق إلى محيطه العربي، بعد سنوات من تراجع العلاقات الاقتصادية مع عدد من الدول العربية.
وأضاف أن الحكومة تدرك أهمية توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الدول العربية، بما يسهم في جذب الاستثمارات وتنفيذ مشاريع مشتركة تعزز التنمية وتعيد للعراق موقعه الاقتصادي في المنطقة.
العراق يطالب بحصة أكبر في أوبك
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع تصاعد المطالبات العراقية برفع الحصة الإنتاجية داخل منظمة أوبك.
وأكد رئيس الوزراء علي الزيدي، خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، تمسك العراق بعضويته في المنظمة، مشدداً على حق بغداد في الحصول على “حصة عادلة” تتناسب مع احتياطياتها النفطية وحجم الأضرار التي تعرضت لها البلاد جراء الحروب، والتي قال إنها تجاوزت 400 مليار دولار.
كما أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن الولايات المتحدة ستبرم اتفاقات جديدة مع العراق في قطاع الطاقة، مؤكداً أن التعاون النفطي بين البلدين سيوفر فرص عمل ويعزز حضور الشركات الأمريكية في السوق العراقية.
رهان على الإنتاج وسط تحديات اقتصادية
وتأتي هذه التحركات في وقت توقع فيه بنك ستاندرد تشارترد انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 15% خلال عام 2026، نتيجة التراجع الكبير في إنتاج النفط وصادراته.
وأشار البنك إلى انخفاض الإنتاج إلى نحو 1.6 مليون برميل يومياً، مقارنة بأكثر من أربعة ملايين برميل قبل اندلاع الصراع، مع تراجع إيرادات الصادرات بصورة كبيرة، متوقعاً أن يبدأ الاقتصاد التعافي تدريجياً خلال عام 2027 مع تحسن مستويات الإنتاج.