«العرب واكتشاف أمريكا»… وجود فعلي يدحض الرواية الأوروبية



 محمد عبد الرحيم

القاهرة ـ «القدس العربي»: هل عرف العرب أمريكا قبل اكتشافها؟ أو هل كان لهم حضور في هذا الاكتشاف؟ هذا التساؤل هو مدار كتاب بعنوان «العرب واكتشاف أمريكا» لمؤلفه الباحث التاريخي والأكاديمي المغربي عبد السلام الجعماطي، والصادر ضمن سلسلة كتاب (المجلة العربية). يُشير المؤلف في مقدمته إلى أن المصادر التاريخية العربية قد سجّلت مبادرة عدد من السلاطين المسلمين من المغرب والأندلس وممالك السودان الغربي، نحو توجيه عدد من الرحلات الاستكشافية للعالم الجديد، كما سجّلت المصادر الأوروبية حضوراً عربياً منذ الكشوفات الجغرافية الأولى لهذا العالم.

من الهند الغربية إلى أمريكا

لم يستقر اسم (أمريكا) نسبة إلى الملاح الإيطالي أميريكو فيسبوتشي إلا مع نهاية القرن الـ18 وبدايات القرن الـ19. وهو ما طال شعوب القارة المُكتشفة.. بداية من الهنود الحمر، هنود أمريكا، ثم الشعوب الأهلية أو الأصلية، واخيراً الشعوب الأولى. أما اسم القارة في الكتابات التاريخية الغرب إسلامية فجاءت وفق مفهوم العرب بأن هذه القارة هي امتداد جغرافي للهند نحو الغرب، فكانت.. بلاد الهند، جزائر الهند، الهند الغربية، أو الهنود.

ما قبل كولومبوس

اللافت أن المسلمين حاولوا مراراً عبور بحر الظلمات (المحيط الأطلنطي)، من خلال محاولات فعلية لمغاربة وأندلسيين، كما في محاولة تمت في عهد الإمام إدريس بن إدريس في المغرب الأقصى عام 829، إضافة إلى محاولة سلطان مالي والسودان الغربي في القرن الـ14 هذه الرحلة التي لم يعد أصحابها ولم يُعرف مصيرها، حتى إن المدونات الأوروبية محت تفاصيلها بعد اكتشاف كولومبوس.
ويُشير المؤلف إلى أن فكرة كولومبوس هي نفسها الفكرة العربية، التي تقول بإمكانية الوصول إلى الشرق عن طريق الإبحار غرباً عبر المحيط، وبالتالي الوصول إلى الهند «هذه الفكرة التي كانت الأصل والمنطلق لاكتشاف أمريكا لاحقاً». ومن خلال الخرائط وترجمة المصنفات الفلكية والجغرافية العربية المزدهرة في صقلية وقتها، تم رسم خريطة ـ نقلها بمعنى أدق ـ تضع حدوداً مشتركة بين غرب المحيط الأطلنطي وشرق بلاد الهند. وهو ما طبقه كولومبوس مستنداً إلى خريطة تتنبى وجهة النظر هذه، وقد ظن أن نهاية رحلته ستحط في بلاد الهند كما هو معلوم.

هويات مستعارة

لم يخل وصول طلائع المستكشفين البرتغاليين والإسبان للعالم الجديد من الوجود العربي، فهناك عدد من الأندلسيين المتأخرين من محترفي الملاحة البحرية، أو من المغامرين، لكن المصادر التاريخية لم تذكرهم، ويعود ذلك إلى سببين ـ حسب المؤلف ـ أولهما اختفاء اسماء وألقاب وكُنى العرب المسلمين الأندلسيين المتأخرين، واستبدالها باسماء وألقاب أعجمية، إضافة إلى أن الكثير منهم كانوا عبيداً لأسيادهم في تلك الرحلات. والسبب الآخر هو فقدان عدد كبير منهم لأرواحهم أو حريتهم، فيُذكر أن عدداً كبيراً من المسلمين الأندلسيين الذين أجبروا على التنصّر في إسبانيا واستقروا في الأرض الجديدة «واجهوا مصيراً مؤلماً بسبب ملاحقتهم من محاكم التفتيش الدينية الإسبانية هناك، والتي قضت بعض أحكامها بإحراق أعداد كبيرة منهم». مع ملاحظة أن هذه الأحكام أيضاً طالت اليهود الأندلسيين المتنصرين.

الوجود الإسلامي

ونعود إلى السؤال الذي افتتح به المؤلف بحثه.. هل شارك مسلمو الغرب الإسلامي في اكتشاف العالم الجديد؟ يستند المؤلف هنا إلى كتاب (افريقيا ضد أمريكا.. قوة الأنموذج) لمؤلفته لويسا ألفاريث، والصادر عام 2000، الذي تدحض فيه المسلمات التاريخية الغربية، والمتمثلة في سبق الأوروبيين لاكتشاف أمريكا، من خلال أدلة ووثائق وقرائن مادية ومعنوية عن سبق الوجود الإسلامي، هذا الوجود الذي لم يكن عابراً أو ظرفياً، بل هجرات مكثفة للجماعات البشرية الافريقية التي استقرت بمختلف مناطق القارة الأمريكية، واستطاعت البقاء بوسائل مختلفة بين السكان الأصليين، في شكل من التعايش السلمي، بخلاف الأوروبيين الذين استخدموا الغزو والعنف والإبادة. كما يُشير المؤلف إلى أن الأمر نفسه جاء في كتاب (افريقيا واكتشاف أمريكا) الصادر عام 1922 للأمريكي ليو فيرنر، حيث أثبت أن هناك علاقات كاملة بين القارتين، قبل اكتشاف كولومبوس، من خلال بحثه في عدد من العادات الاجتماعية والألفاظ المشتركة بين شعوب افريقيا جنوب الصحراء والهنود الأمريكيين، كمثال عملية تجفيف أوراق التبغ في الظل، التي كان يتبعها سكان الأرض الجديدة وسكان غينيا.
وفي الأخير لم يكن الأمر قاصراً على الأوروبيين، ولم تكن بلاد الغرب الإسلامي مكتفية بتقصي أخبار العالم الجديد من الحكايات وحواديت الرحالة، بل بالوجود الفعلي والتفاعل مع هذه الأرض وأهلها.
……
الكتاب: العرب واكتشاف أمريكا
المؤلف: عبد السلام الجعماطي
الناشر: المجلة العربية، عدد (592) يناير/كانون الثاني 2026.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *