سلطة تلتمس طريقا لتمرير أجندتها ومعارضة تستبطئ المسار والرهان على التوافق مهدد



عبد الله مولود

نواكشوط – «القدس العربي»: بدل أن ينتقل الحوار السياسي الموريتاني من محطة التمهيد الطويلة إلى طاولة النقاش الفعلي، يبدو المسار، بعد أشهر من المشاورات والأخذ والرد، وكأنه دخل مرحلة من «السبات السياسي»، فلا لجنة الإشراف تشكلت بعد، ولا الورشات انطلقت، ولا الملفات الكبرى انتقلت من دائرة التصريحات والمواقف المتعارضة إلى فضاء التفاوض المباشر.
والأكثر دلالة أن علامات التململ لم تعد مقتصرة على قوى اختارت منذ البداية البقاء خارج المسار؛ إذ بدأت تمتد إلى بعض المشاركين فيه، بين من يستبطئ الخطوات، ومن يشكك في المناخ المحيط به، ومن قرر الانسحاب، في وقت لا تزال قوة سياسية أخرى لها وزنها متمسكة بالمقاطعة.
وهكذا يجد الحوار نفسه أمام مفارقة واضحة: كلما طال التحضير له، اتسعت الأسئلة حول قدرته على الانطلاق، وحول الأطراف التي ستبقى داخله عندما تبدأ جلساته فعلياً.

مناخ سياسي مضطرب

وقد قدم الدكتور عبد السلام ولد حرمة، رئيس حزب الصواب (البعث الموريتاني)، توصيفاً واضحاً للوضع الحالي، مؤكداً أن الحوار الوطني لا يزال في مرحلة التحضير ولم ينتقل بعد إلى التنفيذ، وأن المشاورات متواصلة في انتظار استكمال الردود المتعلقة باستمرار منسق الحوار والانتقال إلى الإجراءات الموالية.
ووفقاً لتأكيدات ولد حرمة، يفترض أن تكون إحدى أهم الخطوات المقبلة تشكيل لجنة إشراف من عشرين عضواً: سبعة يمثلون المعارضة، وسبعة يمثلون الأغلبية، وست شخصيات مستقلة من المجتمع المدني، على أن تتولى هذه اللجنة رسم المسار العام وتحديد المحاور والورشات وآليات العمل.
لكن المسألة، بالنسبة إلى رئيس حزب الصواب، ليست مجرد تأخر إجرائي؛ فالمشكلة الأعمق تكمن في المناخ السياسي الذي سيجري فيه الحوار.
ويرى ولد حرمة أن مطالب المعارضة المتعلقة بالتهدئة وتهيئة الظروف السياسية لم تتحقق بعد، خصوصاً وقف الاعتقالات والملاحقات وإنهاء أجواء التصعيد، معتبراً أن بناء الثقة بين السلطة والمعارضة يمثل شرطاً أساسياً قبل الدخول في نقاش الملفات الخلافية الكبرى.
وتكشف هذه الملاحظات أن جزءاً من المعارضة المشاركة لا يريد أن يتحول الحوار إلى عملية تقنية تبدأ بتشكيل اللجان وتوزيع المقاعد، بل يطالب بإجراءات سياسية تسبقها وتبرهن على استعداد السلطة لتقديم تنازلات تساعد على صناعة الثقة.
ويضاف إلى اضطراب المناخ، الجدل المتجدد بشأن المأموريات الرئاسية، وهو موضوع شديد الحساسية بالنظر إلى علاقته المباشرة بقواعد تداول السلطة وبمرحلة ما بعد الولاية الرئاسية الحالية.
وانتقد ولد حرمة إثارة هذا الملف في مرحلة يفترض أنها مخصصة لبناء التوافق، معتبراً أن الخطاب الداعي إلى المأموريات لا ينسجم مع الأجواء المطلوبة لإنجاح الحوار، وقد يوسع دائرة الخلاف بدلاً من تضييقها.
وتكتسب هذه القضية ثقلاً إضافياً لأنها تمس واحداً من أكثر الأسئلة السياسية حساسية في موريتانيا: هل سيظل سقف المأموريات الرئاسية خارج التفاوض، أم يمكن أن يتحول بطريقة أو بأخرى إلى أحد عناوين النقاش السياسي؟
وكلما طُرحت القضية خارج إطار الحوار وقبل انطلاقه، ازدادت مخاوف أطراف معارضة من أن تجد نفسها أمام أجندة سياسية مختلفة عن تلك التي دخلت على أساسها المسار.

أول انسحاب يرفع مستوى الإنذار

وفي مؤشر آخر على صعوبة المحافظة على جميع المشاركين، أعلن رئيس حزب «القوى التقدمية للتغيير» قيد التأسيس، صامبا تيام، انسحاب حزبه من مسار الحوار.
وبرر تيام الذي يعبر حزبه عن الأقلية الزنجية في موريتانيا، القرار بغياب الرؤية الواضحة وعدم ظهور ما يعتبره إرادة سياسية حقيقية للتغيير، متحدثاً عن «الغموض والالتباس» اللذين أحاطا بالمراحل التحضيرية.
ولا يعني موقفه، وفق ما أعلنه، التخلي عن البحث عن حلول للمشكلات الوطنية، وخصوصاً قضايا التعايش المشترك، وإنما الاعتراض على الطريقة التي أُدير بها المسار وعلى غياب الوضوح بشأن الملفات الجوهرية.
ويحمل انسحاب تيام أهمية تتجاوز الوزن التنظيمي لحزبه قيد التأسيس؛ فالرجل يمثل تياراً سياسياً معروفاً بتركيزه على ملف التعايش الوطني والمسألة القومية، وهي من أكثر القضايا المتوقع حضورها بقوة على طاولة أي حوار شامل. وبذلك يطرح انسحابه سؤالاً يتجاوز حالة حزب بعينه: هل يستطيع الحوار الاحتفاظ بشموليته كلما طال انتظار انطلاقه؟

من سيحاور من؟

وهذا تحديداً هو السؤال الذي يطرحه السياسي والكاتب الشيخ المختار في قراءة نقدية للمشهد، بدأها بسلسلة من الاستفهامات: «الحوار مع من؟ بين من ومن؟ ما دوافعه؟ وما القضايا التي سيتناولها؟ ومن سيكون المستفيد الأكبر؟ وبماذا سيختلف عن الحوارات السابقة؟».
وتذهب قراءته إلى أن الحوارات السياسية تنشأ عادة استجابة لأزمة أو انسداد يحتاج إلى تسوية، بينما تبدو الحالة الموريتانية الراهنة أكثر تعقيداً: سلطة تتمتع باستقرار نسبي، لكنها تواجه استحقاقات سياسية مهمة، وفي مقدمتها إدارة السنوات المتبقية من المأمورية الحالية والتحضير لما بعدها؛ وفي المقابل مشهد حزبي يعاني، وفق هذا التقييم، من الضعف والانقسام.
ويرى الشيخ المختار أن ثلاث قوى لا تزال تمتلك حضوراً ملحوظاً خارج دائرة الأغلبية: حزب تواصل ذو المرجعية الإسلامية، والقطب الذي يمثله صامبا تيام والذي يعبر عن الأقلية الزنجية، وحركة «إيرا» التي يقودها النائب بيرام الداه اعبيد المدافع عن حقوق مجموعة الأرقاء السابقين.
لكن المفارقة أن ضمان انخراط مختلف هذه المكونات في الحوار ليس أمراً محسوماً، وهو ما يجعل مسألة التمثيل السياسي الحقيقي واحدة من أولى مشكلات الحوار حتى قبل انعقاده.وتكشف هذه التطورات مشكلة أعمق تتعلق بطبيعة الحقل السياسي الموريتاني نفسه.
فالأحزاب التقليدية التي شكلت لعقود واجهة المواجهة السياسية بين السلطة والمعارضة فقد بعضها الكثير من زخمه، بينما تصاعد تأثير قوى وحركات ترتكز خطاباتها على قضايا الهوية والمساواة والمظالم الاجتماعية والتمثيل السياسي.
وفي الوقت نفسه، يتقدم المجتمع المدني والنقابات والشخصيات المستقلة لشغل مساحة متزايدة داخل الحوارات الوطنية.
وهنا يظهر تحدٍ دقيق: توسيع المشاركة يمنح الحوار صفة الشمول، لكنه قد يؤدي، إذا لم توضع معايير دقيقة للتمثيل، إلى إغراق طاولة الحوار بعشرات الأطراف على حساب القوى السياسية صاحبة الوزن الانتخابي أو الجماهيري الحقيقي.
وهو ما يفسر إصرار ولد حرمة على أن الحوار السياسي يقوم في جوهره على طرفين رئيسيين، هما السلطة والمعارضة، حتى وإن شاركت إلى جانبهما شخصيات مستقلة ومكونات من المجتمع المدني.
فغياب أحد طرفي المعادلة، في نظره، يضعف قيمة النتائج ومصداقيتها.

ماذا يوجد على الطاولة؟

على الرغم من الضبابية المحيطة بالتوقيت والإجراءات، فإن الملفات المرشحة للنقاش كبيرة وحساسة.
فهي تمتد من النظام السياسي وإصلاح المنظومة الانتخابية وضمان شفافية الانتخابات، إلى تعزيز المؤسسات والديمقراطية، فضلاً عن القضايا الوطنية المرتبطة بالاستقرار والتعايش والمساواة ومستقبل المؤسسات.
وهذه ليست ملفات تقنية يمكن حسمها بتعديلات محدودة، بل قضايا تتقاطع فيها حسابات السلطة والمعارضة والمكونات الاجتماعية، بل وتظهر حول بعضها خلافات داخل المعسكر السياسي الواحد.
ومن هنا قد يكون تأخر الحوار ناتجاً جزئياً عن إدراك الأطراف أن الاتفاق على الدخول إلى القاعة أسهل بكثير من الاتفاق على ما سيجري داخلها.

معادلة الوقت والثقة

وتظل المشكلة الكبرى هي عامل الزمن؛ فكل تأخير إضافي يقلص المسافة الزمنية الفاصلة بين الحوار والاستحقاقات السياسية المقبلة، وقد يحول النقاش تدريجياً من إصلاح النظام السياسي إلى حسابات المستقبل الرئاسي.
كما أن طول المرحلة التحضيرية قد يستنزف الزخم الذي رافق إطلاق المبادرة، ويمنح القوى المتحفظة عليها حججاً إضافية للقول إن العملية لا تمتلك جدولاً زمنياً واضحاً.
وفي المقابل، يمكن فهم الحذر في الانتقال إلى الحوار الرسمي باعتباره محاولة لتفادي انطلاق مسار غير مكتمل الشروط ينتهي سريعاً إلى الفشل. فالسلطة تحتاج إلى أكبر مشاركة ممكنة، والمعارضة تريد ضمانات قبل منح الحوار شرعية سياسية، فيما تريد كل قوة التأكد من أن وجودها لن يكون مجرد حضور شكلي.
ثلاثة تحديات أمام إنقاذ المسار
وعملياً، بات الحوار أمام ثلاثة اختبارات متزامنة: اختبار الزمن عبر الخروج سريعاً من التحضير المفتوح إلى جدول إجرائي معلوم، واختبار الثقة عبر معالجة الاعتراضات المتعلقة بالمناخ السياسي؛ واختبار التمثيل عبر ضمان حضور القوى السياسية والاجتماعية ذات التأثير الحقيقي وعدم تحول الحوار إلى تجمع واسع تغيب عنه الأطراف التي يقع معها الخلاف أساساً.
فالنجاح لن يقاس بعدد المشاركين أو الورشات، وإنما بقدرة المسار على جمع المختلفين فعلاً، ثم إنتاج تسويات قابلة للتطبيق.
حوار يبحث عن لحظة الانطلاق
بعد مرحلة طويلة من التمهيد، أصبح السؤال في موريتانيا أقل ارتباطاً بما إذا كان الحوار فكرة جيدة أو سيئة، وأكثر ارتباطاً بقدرته على التحول من وعد سياسي إلى عملية سياسية فعلية.
فالاستبطاء داخل المعارضة، والانسحاب الذي أعلنه صامبا تيام، واستمرار المقاطعة لدى أطراف أخرى، وانتقادات المناخ السياسي، كلها إشارات إلى أن الوقت لم يعد عنصراً محايداً في المعادلة.
وقد تكون المفارقة أن الحوار الذي أُريد له أن يكون أداة لتقليص الخلافات يمكن أن يصبح، إذا طال انتظاره، موضوعاً جديداً للخلاف.
أما الرهان الأكبر فهو أن تتمكن الأطراف من تحويل المرحلة المقبلة من نقاش حول من يشارك وكيف ومتى يبدأ الحوار إلى نقاش أكثر جوهرية حول أي موريتانيا سياسية يريد الجميع بناءها، وما الضمانات التي يمكن أن تجعل قواعد اللعبة مقبولة لدى السلطة والمعارضة معاً.
وفي تلك النقطة وحدها، تمكن معرفة ما إذا كان «السبات» الحالي مجرد استراحة طويلة قبل انطلاق حوار جدي، أم مقدمة لمسار يفقد زخمه قبل أن تبدأ أولى جلساته.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *