سفير باريس يحتج على مقال لصحيفة جزائرية يصف وزير الخارجية الفرنسي بـ”الخاضع للمغرب”


الجزائرـ “القدس العربي”:

عاد الجدل حول العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى الواجهة مجددا بعد سجال غير معتاد بين السفارة الفرنسية في الجزائر وصحيفة الوطن الناطقة بالفرنسية، على خلفية مقال شديد اللهجة هاجم وزير الخارجية الفرنسي جون نويل بارو بسبب مواقف باريس من قضية الصحراء الغربية.

ويأتي هذا السجال في وقت تحاول فيه الجزائر وباريس منذ أشهر احتواء واحدة من أعمق الأزمات الدبلوماسية بين البلدين منذ سنوات، بعد سلسلة توترات بدأت صيف 2024 إثر إعلان فرنسا دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية.

وبدأت شرارة الجدل الأخيرة بعد نشر صحيفة “الوطن” مقالا هاجمت فيه وزير الخارجية الفرنسي عقب زيارته إلى الرباط يوم 20 أيار/ماي الجاري، معتبرة أن تصريحاته بشأن الصحراء الغربية تعكس “خضوعا” للموقف المغربي. وركز المقال بشكل أساسي على الطريقة التي أعاد بها الوزير الفرنسي التأكيد على دعم باريس لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، معتبرا أن ذلك يمثل تناقضا مع مساعي التقارب الجارية مع الجزائر.

ولم يقتصر المقال على انتقاد الموقف السياسي الفرنسي، بل تضمن أيضا أوصافا شديدة الانتقاد بحق الوزير الفرنسي، إذ وصفته الصحيفة بأنه “وزير بلا وزن سياسي” واعتبرت أن الدبلوماسية الفرنسية أصبحت خاضعة لتوازنات اليمين واليمين المتطرف داخل فرنسا، متهمة باريس بإدارة علاقتها مع الجزائر والمغرب عبر “إشارات متناقضة” تزيد من تعقيد الوضع المغاربي.

وما بدا لافتا في المقال هو تركيزه على التناقض الذي تراه الصحيفة بين إرسال باريس مسؤولين ووفودا إلى الجزائر لإعادة بناء الثقة، وبين استمرارها في تأكيد دعمها العلني للموقف المغربي في ملف الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن ذلك يجعل أي محاولة للتهدئة هشة وقابلة للانهيار.

موقف الصحيفة التي تعد الأبرز في الإعلام الفرنكوفوني الجزائري، أثار رد فعل مباشر من السفير الفرنسي ستيفان روماتي الذي عاد مؤخرا إلى الجزائر بعد أشهر من مغادرته خلال الأزمة الثنائية. ففي مقابلة إذاعية مع إذاعة “فرانس أنتير”، قال السفير إن الحوار مع الجزائر “ضرورة” رغم صعوبته، مؤكدا أن باريس تريد إعادة بناء العلاقة مع الجزائر على أساس التعاون والمصالح المشتركة، قبل أن يتوقف عند ما نشرته صحيفة “الوطن”، معتبرا أن بعض العبارات الواردة في المقال “غير مقبولة”. وقال إن العلاقات بين البلدين يجب أن تقوم على “الاحترام المتبادل”، مضيفا أن فرنسا تنتظر “الاحترام من الجانب الجزائري أيضا”.

وجاء رد روماتي في سياق حديث أوسع عن مسار التهدئة الجاري بين البلدين، حيث أشار إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت زيارات لمسؤولين فرنسيين إلى الجزائر، مع التحضير أيضا لاستقبال وزراء جزائريين إلى فرنسا، في مؤشر على وجود رغبة سياسية لدى الطرفين لتجاوز الأزمة السابقة.

غير أن تدخل السفير الفرنسي في هذا الجدل الإعلامي أثار رد فعل سريع من صحيفة “الوطن”، التي نشرت افتتاحية ثانية اعتبرت فيها أن تصريحات روماتي بشأن الصحراء الغربية تمثل “خطأ دبلوماسيا واستراتيجيا”. وركزت الصحيفة هذه المرة بشكل أكبر على تصريحات السفير المتعلقة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، بعدما قال إن القرار يمنح “مكانة مركزية” لمقترح الحكم الذاتي المغربي.

ورأت الصحيفة أن هذا التوصيف يمثل قراءة منحازة للنصوص الأممية، معتبرة أن” قرارات الأمم المتحدة ما زالت تتعامل مع الصحراء الغربية باعتبارها إقليما غير متمتع بالحكم الذاتي، يخضع لمسار تصفية استعمار يقوم على مبدأ تقرير المصير”.

كما اعتبرت الصحيفة أن السفير الفرنسي أخطأ في تقدير حساسية الملف بالنسبة للجزائر، حين حاول تقديمه كقضية ضمن ملفات أخرى يمكن تجاوزها في إطار العلاقات الثنائية.

وفي افتتاحيتها الثانية، انتقدت “الوطن” ما وصفته بـ”الازدواجية” في السياسة الفرنسية تجاه المنطقة المغاربية، معتبرة أن باريس تسعى من جهة إلى توسيع التعاون الأمني والاقتصادي مع الجزائر، خاصة في ملفات الطاقة والساحل والهجرة، بينما تواصل من جهة أخرى تأكيد دعمها للموقف المغربي في قضية تعتبرها الجزائر مسألة مبدئية، وفق الصحيفة.

ويعكس هذا السجال الإعلامي والسياسي هشاشة التقارب الجاري بين الجزائر وفرنسا، رغم المؤشرات الأخيرة على تخفيف التوتر. فالعلاقات بين البلدين لا تزال متأثرة بعدد من الملفات الثقيلة التي قد تعيدها إلى مربع الأزمة من جديد.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *