سعادة الطفل المصري رفاهية محكومة بالحظ والتوزيع الجغرافي


على المستويين الرسمي والشعبي هناك فروق واضحة في التعامل الترفيهي بين طفل العاصمة الذي تتوافر له مُعظم الإمكانيات، بدءًا من الاشتراك في النوادي الاجتماعية والرياضية ومتعة التنزه في الحدائق والمتاحف والمصايف، وانتهاءً بالمزايا التي يحصل عليها بحكم إقامته في القاهرة ووجوده تحت عين ونظر وزارة الثقافة التي تُنظم بعض مؤسساتها الرحلات والمسابقات وتمنح الطفل الموهوب في المجالات الإبداعية كالرسم والموسيقى والغناء والتمثيل فرصاً ثمينة للاشتراك والتسابق وإثبات ذاته كهاو ومُبدع.
بينما على جانب آخر يعيش أطفال الأقاليم واقعاً مُختلفاً تمثل فيه حقوق الترفيه والمتعة ترفاً وبذخاً وإهداراً للوقت يجدر بالطفل القروي الاستفادة منه على نحو جاد بدلاً من اللهو واللعب، حيث العمل في الإجازة الصيفية في الحقل أو المصنع هو عين الصواب واكتساباً للخبرات التي يجب أن يؤهل بها الطفل باعتباره رجل المستقبل ليكون مُستعداً لمواجهة ظروف الحياة، كأن الطفل القروي كائن من كوكب آخر ليس له الحق في الاستمتاع بوقت الفراغ بما يُدخل عليه البهجة والفرح والسعادة كأقرانه من أطفال المدينة أو بالأحرى أطفال العاصمة على وجه التحديد.
خلال الفترة القليلة الماضية أعلنت وزارة الثقافة عن فكرة غاية في التميز والرُقي تتصل برفاهية الأطفال وإمتاعهم، هذه الفكرة انطوت على تحويل بعض الميادين إلى ساحات لمُمارسة الهوايات والكشف عن المواهب الصغيرة الواعدة في الفن والإبداع. بمعنى تبني كل من لديه موهبة خاصة في أي من المجالات وفتح آفاق التعبير عنها بما يُناسب هوايات وأعمار الموهوبين بحسب ميولهم واتجاهاتهم. وفي هذا السياق تضمن الإعلان إدخال العروض السينمائية في مرحلة لاحقة كجزء من المكون الثقافي للخُطة الترفيهية التي تستهدف ربط الأطفال بالإبداع وتنمية الذائقة البصرية والفنية عن طريق الرسم والعزف الموسيقى والتمثيل في أجواء مفتوحة تسمح بالانطلاق والاحتكاك المُباشر بالجماهير باعتبار الجمهور هو المُتلقي الأول لأي فن والدافع إلى تطويره والعناية به.
ولأن اقتصار تطبيق البرنامج الترفيهي على القاهرة فقط يُعد إجحافاً بحق أطفال الأقاليم في التمتع بنفس الميزة، فقد استهدفت خطة وزارة الثقافة على المدى القريب، حسب قول بعض المصادر العليمة تعميم الفكرة على جميع أنحاء مصر ليتسنى لجميع الأطفال الاستفادة من البرنامج التوعوي التثقيفي الكامل في الفن التشكيلي والتصوير والموسيقى والغناء والتمثيل كما أشرنا سلفاً.
الغريب أنه حتى كتابة هذه السطور لم يظهر للمُقترح الإنساني الفني أثره الواضح على المستوى الواقعي، اللهم إلا بعض النشاطات الفنية المحدودة لقصور الثقافة، كقصر ثقافة روج الفرح بالقاهرة والذي قام خلال الأسابيع الماضية بعرض مسرحية «كوكب سيكا» التي كتبها للأطفال الكاتب عبده الزراع، في محاولة من جانبه لاستثمار النجاح الذي تحقق لها في مواسم سابقة، حيث شهد العرض إقبالاً كبيراً من الأطفال إبان تقديمه لأول مرة في موقع آخر قبل استئناف دورته في قصر ثقافة روض الفرج.
وربما يعود نجاح مسرحية «كوكب سيكا» إلى كونها استثناءً بين عروض الهيئة العامة لقصور الثقافة، إذ يُمثل الطفل فيها عنصراً أساسياً كمُمثل ومغني واستعراضي، فالأحداث تدور حول صعود بعض الشخصيات إلى كوكب سيكا الفضائي الافتراضي، وعندئذ يواجهون صعوبة في التكيف مع ظروف الحياة والكائنات الفضائية، لكنهم على مستوى آخر يكتشفون عوالم جديدة ويطلعون من خلال آلة الزمن على ما يحدث داخل الكوكب العجيب ويتنبئون بحدوث تغيرات جذرية لشكل الكرة الأرضية في المستقبل، يستعينون في استقرائهم العلمي للحياة العصرية الجديدة بالذكاء الاصطناعي الذي يُشكل طفرة تكنولوجية شديدة التقدم والتأثير وباعثة أيضاً على الخوف والقلق والإحاطة من مغبة الاستخدام العشوائي غير المدروس للتقنيات الحديثة المُطردة والسريعة.
بخلاف العرض المسرحي لكوكب سيكا لم يشهد مسرح الطفل نشاطاً مُتميزاً خلال الفترة الماضية إلا نادراً، الأمر الذي تقابله طفرة مهمة على مستوى النشاطات الأخرى لبعض المؤسسات الثقافية الخاصة، كساقية الصاوي على سبيل المثال التي اعتادت تقديم برامج ثقافية متنوعة تُناسب الكبار والصغار وتتسم بالجدية كحلقات النقاش الموسعة التي تُعدها وتنظمها الدكتورة رباب الششتاوي أستاذ علم النفس الفيزيائي، والتي تطرح من خلالها أحدث المفاهيم العلمية للسلوك البشري والمدارس النفسية والسلوكية التي تُفسر وتُحلل التصرفات والنوازع وتضع معايير لكل ما يصدر عن الإنسان من أفعال وردود أفعال.
كما أن هناك نشاطاً فنياً يختص بتقويم ودعم المواهب الصغيرة تقوم به مؤسسة أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع، والذي ينطوي على تفعيل مبدأ المعرفة لدى النشء كهدف أولي لتنمية مواهبهم الفطرية، سواء في الفن التشكيلي أو الكتابة أو الموسيقى أو غير ذلك من الملكات المتوافرة لبعض الأطفال، هذا النشاط يتم تحت عنوان «كامب أم الدنيا» وبرعاية صاحبة الدار الكاتبة الصحافية ولاء أبو ستيت ويُمثل خدمة ثقافية مجانية تضطلع بها المؤسسة لنشر الوعي بأهمية وضرورة العناية بمواهب الطفل في سن مُبكرة ليشب مُحصناً بالعلم والمعرفة والثقافة بعيداً عن أجواء التوتر النفسي والأمراض التي قد تواجهه في زمن استبداد التكنولوجيا الحديثة وسيطرتها على العقل والوجدان والذاكرة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *