سجال التشريعيات يتكرر في الانتخابات المحلية… أحزاب معارضة في الجزائر تشكو إقصاء مرشحيها وسلطة الانتخابات تدافع عن قراراتها


الجزائر- “القدس العربي”: ثار سجال بين السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في الجزائر وعدد من كبرى الأحزاب المعارضة، على خلفية الإقصاءات التي مست المترشحين للانتخابات البلدية والولائية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، في وقت لا تزال إجراءات الطعن سارية في المحاكم لإعادة بعض المترشحين إلى القوائم.

وورد موقف سلطة الانتخابات عبر بيانين متتاليين، أولهما صدر في 18 أكتوبر الجاري، وتضمن مقارنة بين حصيلة إيداع ملفات الترشح للانتخابات المحلية الحالية ونظيرتها لسنة 2021، والثاني صدر في 19 أكتوبر، وعرض الحصيلة المؤقتة لقرارات رفض القوائم والمترشحين، مع تحديد الأسباب التي استندت إليها الهيئة في اتخاذ تلك القرارات، في وقت تتزايد فيه مخاوف الأحزاب من تكرار سيناريو الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي شهدت استبعاد مترشحين وأربكت عددا من التشكيلات السياسية.

وفي بيانها الأول، سعت السلطة الانتخابية إلى إبراز ارتفاع عدد المترشحين مقارنة بالاستحقاق المحلي السابق، إذ بلغ عدد المترشحين لعضوية المجالس الشعبية البلدية 141 ألفا و388 مترشحا موزعين على 5631 قائمة، مقابل 115 ألفا و230 مترشحا ضمن 5848 قائمة في انتخابات 27 نوفمبر 2021، ما يمثل زيادة قدرها 26 ألفا و158 مترشحا، أي بنسبة 22.70 بالمئة.

وبحسب الأرقام ذاتها، ارتفع عدد المقاعد المخصصة للمجالس البلدية من 24 ألفا و891 مقعدا في انتخابات 2021 إلى 26 ألفا و575 مقعدا في الاستحقاق المقبل، بزيادة بلغت 1684 مقعدا، أي بنسبة 6.76 بالمئة، رغم تراجع عدد القوائم المودعة بـ217 قائمة مقارنة بالانتخابات السابقة.

أما بالنسبة إلى المجالس الشعبية الولائية، فقد أحصت السلطة 21 ألفا و476 مترشحا ضمن 434 قائمة، مقابل 18 ألفا و910 مترشحين ضمن 430 قائمة سنة 2021، بزيادة قدرها 2566 مترشحا، أو 13.56 بالمئة. كما ارتفع عدد المقاعد من 2350 إلى 2855 مقعدا، أي بزيادة 505 مقاعد، تمثل 21.48 بالمئة.

وتعكس هذه المقارنة، وفق المعطيات التي نشرتها السلطة، ارتفاع عدد المترشحين في الانتخابات المحلية المقبلة، وهو ما يندرج ضمن دفاعها عن حصيلة عملية الترشح، في مواجهة الانتقادات التي تركز على فكرة العزوف عن الترشح بسبب مخاوف الإقصاء. غير أن هذه الأرقام تتعلق بمرحلة إيداع الملفات، ولا تحسم وحدها الجدل بشأن عدد المترشحين الذين سيبقون في المنافسة بعد انتهاء دراسة الملفات والطعون وعمليات الاستخلاف.

وفي بيانها الصادر في 19 أكتوبر، قدمت السلطة حصيلة مؤقتة لقرارات رفض الترشح، موضحة أنها رفضت ثلاث قوائم بلدية من مجموع 5631 قائمة مودعة، بنسبة 0.05 بالمئة، بسبب عدم استيفاء شرط استمارات التوقيع أو نقص الملفات وعدم استكمالها. كما رفضت ست قوائم لانتخابات المجالس الشعبية الولائية من مجموع 434 قائمة، بنسبة 1.38 بالمئة، للأسباب نفسها.

لكن الهيئة الرسمية ميزت بين رفض القوائم ورفض ملفات مترشحين أفراد، مشيرة إلى أن حالات الرفض التي شملت المترشحين استندت إلى أسباب متعددة، وأن المعنيين بإمكانهم الطعن أمام المحاكم الإدارية، بينما تستمر عملية استخلاف المترشحين المرفوضة ملفاتهم أمام المنسقين الولائيين إلى غاية 28 أكتوبر الجاري.

وعدّد البيان أسباب رفض الترشيحات، ومنها عدم تقديم الوثائق المطلوبة قانونا، وعدم التسجيل في القائمة الانتخابية للدائرة التي يترشح فيها المعني، وعدم بلوغ سن 23 عاما يوم الاقتراع، وعدم أداء الخدمة الوطنية أو الإعفاء منها، إلى جانب صدور أحكام نهائية بعقوبات سالبة للحرية عن جنايات أو جنح، باستثناء الجنح غير العمدية، من دون رد الاعتبار.

كما تضمنت الأسباب عدم إثبات الوضعية تجاه الإدارة الضريبية، سواء بتسديد المستحقات النهائية أو الاستفادة من جدولتها أو إثبات عدم الخضوع للضريبة، فضلا عن حالات تتعلق بوجود صلة بأوساط المال والأعمال المشبوهة والتأثير في حرية اختيار الناخبين، أو وجود معطيات تمس بمبدأ أخلقة الحياة السياسية، وعدم قابلية ترشح الفئات المحددة في المادة 184 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات.

وفي مقابل هذا التبرير القانوني، صعّد حزب جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس) من انتقاداته، معتبرا في بيان صدر في 19 أكتوبر أن الإقصاءات التي طالت مترشحيه واسعة وتعسفية ومنافية للدستور، وقال إنها مست، على وجه الخصوص، متصدري القوائم وإطارات الحزب ومترشحين يتمتعون بامتداد شعبي وقدرة على التعبئة.

ورأى الأفافاس الذي يصنف كأقدم حزب معارض في الجزائر، أن التطبيق الانتقائي للمادتين الأولى و184 من قانون الانتخابات يحول النص القانوني إلى أداة للفرز والإقصاء السياسي، بدلا من أن يكون وسيلة لتنظيم المنافسة وضمان حرية اختيار المترشحين والناخبين. كما اعتبر أن القرارات التي تفتقر، بحسبها، إلى مبررات مقنعة من شأنها التأثير في نتائج الانتخابات قبل إجرائها وتعميق أزمة الثقة في المؤسسات.

وربط الأفافاس موقفه بما وصفه بالعزوف الانتخابي الذي طبع الانتخابات التشريعية المنظمة في 2 يوليو الماضي، محذرا من أن استمرار هذه الممارسات قد يزيد نفور المواطنين من المشاركة السياسية ويضعف دور الأحزاب بوصفها هيئات للوساطة والتمثيل. وطالب بوقف ما سماه العملية الإقصائية، وإعادة النظر في قرارات الرفض التي لا تستند إلى مبررات قانونية وجيهة، وتمكين المترشحين الذين يعتبر أنهم تعرضوا لانتهاك حقوقهم من استعادتها.

من جهته، ركز رئيس حركة مجتمع السلم، عبد العالي حساني شريف، على مخلفات المادة 184 من قانون الانتخابات، مقدرا نسبة القوائم التي طالتها الإقصاءات بنحو 20 بالمئة، وفق تصريحاته التي عرضت على صفحة الحركة، مشيرا إلى أن الأسباب المتداولة تشمل الصلة بأوساط المال الفاسد، والاشتباه في الارتباط بأوساط مشبوهة، وما يتعلق بأخلاقيات العمل السياسي.

واعتبر حساني شريف أن هذه المبررات تثير إشكالا بسبب غياب معايير واضحة وموحدة، بما يفتح المجال، حسب تقديره، أمام التقدير الإداري والتعسف في تطبيق القانون. وأشار إلى أن هناك مادة في قانون الانتخابات تنص على ضرورة إبلاغ المترشح المرفوض ملفه بقرار معلل ومسبب، متسائلا عن الأسس التي تسمح بالحكم على مترشحين، بينهم شباب يخوضون تجربتهم السياسية الأولى، بأنهم لا يحترمون أخلاقيات العمل السياسي.

وأكد رئيس الحركة تأييده مكافحة الفساد وإبعاد المال غير المشروع عن الحياة السياسية، لكنه شدد على أن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإقصاء المترشحين بناء على شبهات لا ترقى، بحسبه، إلى مستوى الأدلة القانونية. واستند في اعتراضه إلى ما قال إنه تحفظ سبق أن أبدته المحكمة الدستورية بشأن مخاطر التعسف في تطبيق المادتين 184 و200، بسبب العبارات المرتبطة بالصلة بأوساط المال الفاسد أو الأوساط المشبوهة.

وحذر حساني شريف من أن توجيه اتهامات من هذا النوع إلى مترشحين من دون أدلة واضحة قد يمس بسمعتهم وحياتهم المهنية والعائلية، ويضعف ثقتهم في المؤسسات، معتبرا أن حرمان المواطنين من حق الترشح يجب أن يستند إلى حالات محددة قانونا، لا إلى تقديرات غير واضحة.

ولم يقتصر الاعتراض على أحزاب المعارضة، إذ برزت احتجاجات داخل هياكل حزبية محسوبة على الموالاة. ففي القالة بولاية الطارف، لوّح مترشحون من جبهة التحرير الوطني بالانسحاب الجماعي، احتجاجا على إقصاء ثمانية مترشحين من القائمة، إضافة إلى مترشح من قائمة الحزب للمجلس الشعبي الولائي.

ويأتي هذا الجدل في سياق مخاوف سبقت مرحلة دراسة ملفات الترشح، بعدما حذرت أحزاب من تكرار ما حدث خلال التشريعيات الماضية، حين أدى رفض ملفات مترشحين إلى اضطرار تشكيلات سياسية إلى إعادة ترتيب قوائمها وتعويض المقصيين.

وكانت أحزاب قد طالبت بمراجعة كيفية تطبيق المادتين 184 و200، فيما دعا حزب العمال إلى تجميد العمل بهما مؤقتا إلى حين مراجعة قانون الانتخابات، وطالب بتبسيط الإجراءات الإدارية ومنح المترشحين آجالا كافية للاطلاع على أسباب الرفض والطعن فيها.

وتنص المادة محل الإشكال (200 بالنسبة للتشريعيات و184 للانتخابات المحلية) في فقرتها السابعة على اشتراط ألا يكون المترشح “معروفا لدى العامة بصلته بأوساط المال والأعمال المشبوهة، وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين وحسن سير العملية الانتخابية”. وتثير هذه المادة جدلا واسعا منذ الانتخابات التي تلت الحراك الشعبي سنة 2021، بعد استخدامها في إقصاء مئات المترشحين من القوائم الانتخابية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *