ألبوم ديفيد غاريت الجديد: الكمان والألحان الخالدة


أصدر عازف الكمان الألماني ديفيد غاريت ألبوماً جديداً بعنوان Immortal في التاسع من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، يقدم من خلاله 25 مقطوعة موسيقية اختارها من أشهر وأجمل الألحان الكلاسيكية الخالدة، وأعاد توزيعها وفق رؤيته الفنية وأعدها للعزف على الكمان بشكل رئيسي بمصاحبة الأوركسترا.
كما في ألبومه السابق تعاون غاريت هذه المرة أيضاً مع المايسترو فرانك فان دير هايدن وأوركسترا «ذا بريزنت»، ويركز غاريت في هذا الألبوم على فكرة الخلود، والأعمال الموسيقية التي تصمد في مواجهة الزمن وتجتاز اختباراته القاسية، رغم قدرته على المحو الدائم والتغيير المستمر، لذا نجد قائمة من أهم مؤلفي وعباقرة الموسيقى الكلاسيكية، ومقطوعات شهيرة بدرجات متفاوتة من أجمل أعمالهم، ويلاحظ التنوع الشديد في الاختيار من حيث الأساليب الموسيقية، كما لو كان تحدياً يخوضه غاريت ليثبت مهارته ولانهائية القدرات التعبيرية لآلة الكمان.
ولد ديفيد غاريت عام 1980 في مدينة آخن الألمانية، وبدأت علاقته بالكمان منذ سنوات الطفولة الأولى، فأمسك الكمان بيديه الصغيرتين للمرة الأولى عندما كان في عامه الرابع، ومنذ تلك اللحظة ارتبط بهذه الآلة ارتباطاً شديداً، ومعها وعلى أوتارها أخذت مواهبه تنمو يوماً بعد الآخر. ثم كانت الدراسة والتدريب الجاد المستمر بشكل يومي، الذي أدى إلى تعميق معرفته بأسرار الكمان، وتطور أسلوبه في العزف، ومثل هذا الانضباط في التدريب ضروري للعازف، ويلاحظ دائماً الفرق الشاسع بين عازف يواظب على التدريب، وعازف آخر لا يتدرب إلا قليلاً.

موهبة متجددة

صدر هذا الألبوم الجديد من خلال شركة «دويتشه غراموفون» العريقة، وهي الشركة ذاتها التي وقع معها ديفيد غاريت عقداً وهو في الثالثة عشرة من عمره، وكان أصغر الموقعين معها آنذاك. كما وقف غاريت على المسرح ليعزف على الكمان أمام الجمهور الواسع للمرة الأولى في حياته عندما كان في العاشرة من عمره فقط، هكذا كانت الموهبة المبكرة والمستمرة المتجددة حتى الآن، واستطاع صاحبها أن ينتقل بمعزوفاته إلى الدائرة الجماهيرية الأكثر اتساعاً، خارج نطاق دائرة هواة الموسيقى الكلاسيكية، حيث يتمكن من أن يجعل الجمهور المتنوع الأذواق يستمتع بمختاراته من ألحان وأجزاء وثيمات من مؤلفات كلاسيكية معقدة فنياً، ويتعرف على الجماليات الصوتية والقدرات التعبيرية لآلة الكمان، ومهارات العازف الموهوب شديد الاحتراف. فهو من أشهر عازفي الكمان في وقتنا الحالي، قدم ولا يزال عدداً كبيراً من الحفلات والجولات الفنية الناجحة حول العالم.
من المعروف أن الكمان من أجمل الآلات الوترية، وأنها تتميز بشاعريتها الشديدة، ويعتمد عليها المؤلف الموسيقي عادة عندما يريد التعبير عن المشاعر الإنسانية والعاطفية، حيث يخيل للمرء أحياناً أنها تكاد تنطق وتفصح عما يدور في النفس، كما في بعض مؤلفات تشايكوفسكي على سبيل المثال، وأنها تستطيع أن تحزن وتتألم وتبكي، كما تتمكن من الفرح أيضاً وتصوير العواطف بشكل عام، فهي الروح الحساسة بين بقية آلات الأوركسترا، أو هي الروح الأكثر حساسية. وهي من الآلات الرئيسية في الأوركسترا إلى جانب مجموعة الوتريات، وتحظى بالعديد من الانفرادات المهمة في أشهر الأعمال الكلاسيكية، كما ألف لها الموسيقيون مجموعة كبيرة من الأعمال في قوالب موسيقية مختلفة.
يعد ديفيد غاريت من عازفي الكمان المهرة الصنّاعين، الذين يصبح عزفهم فناً في حد ذاته، حيث يجد السامع في عزفه ما يجذبه ويؤدي به إلى أن يفضله على أي عازف آخر. ورغم أنه يقدم مقطوعات موسيقية لمؤلفين آخرين، فإن هذه المؤلفات تمتزج بروحه عندما يعزفها وتخضع لإعداده ورؤيته الفنية، فعندما يستمع المرء إلى مقطوعة من مؤلفات باخ على سبيل المثال بعزف غاريت على الكمان، فإنه لا يستمع إلى موسيقى باخ فحسب، بل إلى تفسير غاريت لموسيقى باخ وإحساسه بها، ومن خلال هذا يستطيع السامع أن يكوّن إحساسه الخاص وفهمه للموسيقى الأصلية وللعزف معاً. في هذا الألبوم الجديد تنطلق الكمان في رحلة مذهلة، لتكشف عن المزيد من جمالياتها الصوتية، ومدى مرونة قدراتها التعبيرية، وتمكنها من التفاعل مع أساليب وألوان مختلفة من التأليف الموسيقي، حيث نستمع إلى مؤلفات لكل من باخ، تشايكوفسكي، هاندل، برامز، شومان، شوبرت، شوبان، شوستاكوفيتش، بوتشيني، بالإضافة إلى العديد من المؤلفين الآخرين.

الكمان يغني

هناك مجموعة من المعزوفات التي نستمع إليها في الألبوم كانت مقطوعات غنائية في الأساس، كالآريا الأوبرالية الشهيرة Nessun dorma لصوت التينور من أوبرا توراندوت لبوتشيني، تحظى هذه الآريا بانتشار واسع، واستمع إليها الجمهور بصوت بافاروتي وأندريا بوتشيللي ويوناس كاوفمان، وغيرهم من أصحاب صوت التينور وكبار مطربي الأوبرا في العالم. تعرف هذه الآريا في نسختها الأصلية باندفاعاتها الشعورية القوية، وتصاعداتها الصوتية الكبيرة، والبناء الصوتي المتدرج. وفي نسخة غاريت الموسيقية البحتة، يقوم الكمان بما كان يؤديه الصوت البشري، ويبدأ بالجملة الرئيسية بهدوء يتصاعد بوتيرة متسارعة، ويضيف غاريت بعض التأثيرات الخاصة من خلال أسلوب العزف، بينما تدعم الأوركسترا الإحساس الدرامي الهائل والوصول نحو الذروة. كذلك نستمع إلى مقطوعة «مساء جميل» لديبوسي، وهي عمل غنائي مؤلف للبيانو والصوت البشري المنفرد في الأساس، في نسخة غاريت نستمع إلى صوت البيانو أيضاً، بينما تعزف الكمان الخط اللحني الخاص بالغناء. وكذلك مقطوعة «المسيح يظل سعادتي» لباخ، وهي مقطوعة دينية شهيرة مؤلفة للكورال في الأساس، مع توظيف لآلة الأرغن بطبيعة الحال لكونها موسيقى كنسية، وبعض الآلات الوترية الأخرى. وهي ليست مقطوعة مستقلة بذاتها وإنما حركة من كانتاتا دينية كاملة، وفي نسخة غاريت عوض الكمان وحده صوت الكورال، وأدى انتظام اللحن وهدوء سيره النغمي وسط الخطوط النغمية الأخرى المصاحبة.

رقص ورومانسية

ومن ألحان برامز الرائعة نستمع إلى الرقصة المجرية رقم 17، التي تستلهم تقاليد الرقص الشعبي في المجر، وهي ليست رقصة سريعة أو صاخبة، ولا تميل إلى شيء من السرعة والحيوية إلا في جزء من قسمها الأخير. وهي من أجمل ما نستمع إليه في هذا الألبوم بلا شك، حيث يؤدي الكمان تلك الافتتاحية البطيئة الهادئة ذات الطابع التأملي، حيث تنساب الجمل اللحنية الممتدة في تمهل لا يتعجل الوصول إلى ذروة، ثم تصبح الجمل الموسيقية أقصر وأكثر سرعة، وتعود إلى هدوء أجمل أكثر تمهلاً وانسيابية، وتكون النهاية حيوية مبهجة. هذا التغير المستمر يتطلب مرونة شديدة في العزف وفي حركة القوس على الأوتار، وإبراز نبض الإيقاع، سواء في الهدوء، أو في السرعة، لتنظيم عملية السماع وتتبع الأذن للطاقة الفنية الهائلة الموجودة داخل هذا العمل.
ومن مؤلفات روبرت شومان نستمع إلى مقطوعة «ببساطة وحميمية»، وهي الحركة الثانية من Three Romances ذلك العمل الفريد المؤلف للأوبوا والبيانو في 12 دقيقة. ويعد من أفضل القطع الموسيقية التي تم تأليفها لهذه الآلة المرهفة الحس التي تأتي في الصدارة، بينما يأتي البيانو في الخلفية، وفي نسخة غاريت تحتل آلة الكمان موقع الأوبوا ويصاحبها البيانو أيضاً، وهذا سماع رائع وجديد لهذه القطعة الفنية الثمينة، التي ألفها العبقري شومان عندما كان يعصف به مرضه النفسي ويكاد يذهب به نحو النهاية، وكان الحب لزوجته كلارا يملأ نفسه، وهو في خضم صراعه مع الحياة، فألف لها هذه المقطوعة الرومانسية الرهيفة، وقدمها إليها هدية في الكريسماس الأخير الذي جمعهما، وربما كانت آخر هداياه إلى كلارا، ورسالته الأخيرة التي تتمزق فيها مشاعره بين محاولة بائسة للتشبث بالحب والحياة، وظلمة سوداء تجذبه نحو أعماقها بلا هوادة، ويتجلى ذلك في الحوار بين الأوبوا والبيانو، أو بين الكمان والبيانو. بعد ذلك حاول شومان أن ينتحر بإلقاء نفسه في نهر الراين، لكنه لم يغرق وتم إنقاذه وإدخاله إلى مصحة نفسية للحفاظ على حياته، وقضى ما تبقى من عمره القصير داخل تلك المصحة، وكانت النهاية بين يدي كلارا التي ذهبت إليه ذات يوم لتطمئن إليه وتبقى قربه للحظات.
ومن الأعمال الخالدة من موسيقى القرن العشرين نستمع إلى الفالس رقم 2 لشوستاكوفيتش، تلك المقطوعة الساحرة التي من الصعب سماعها لمرة واحدة، فما أن تنتهي حتى يرغب المرء في سماعها من جديد. المقطوعة في الأصل إحدى حركات متتالية متنوعة للأوركسترا، وتسير على الإيقاع المألوف للفالس المحبب للأذن والقريب من الأذواق كافة، لذا يجد قبولاً وانتشاراً عند الجمهور الواسع، وسوف يشعر السامع الذي يصغي إلى هذه المقطوعة للمرة الأولى في حياته، أنه ربما يكون قد استمع إليها من قبل، وأنه يألفها من حيث لا يدري. يعزف ديفيد غاريت فالس شوستاكوفيتش بشغف كبير ينقل إلينا الإحساس بالمتعة، وتنساب الكمان مع انسياب اللحن وتدفقه النغمي البديع، وينتقل غاريت بين العزف بالقوس، والنبر بالأصابع على الأوتار لخلق إحساس أكبر بالإيقاع. وانفرد الكمان بالتعبير عن عبقرية شوستاكوفيتش التاليفية وجمال موسيقاه وإحساسه المرهف.

كاتبة مصرية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *