سباق نفوذ مغربي جزائري على موريتانيا… ونواكشوط تنتهج سياسة عدم الانحياز


باريس- “القدس العربي”: الطرق، التجارة، الطاقة، الأمن، منطقة الساحل… الرباط والجزائر تكثفان اهتمامهما بجارتهما الموريتانية، كتبت مجلة “جون أفريك” الفرنسية، قائلة إن ناصر بوريطة وأحمد عطاف يقودان دبلوماسيتين ومشروعين إقليميين متنافسين.

أما نواكشوط، فتواصل بعناية سياسة عدم الانحياز إلى أي طرف.

في السادس من شهر أبريل الماضي، استقبل وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف نظيره الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك في الجزائر العاصمة. وكان إلى جانبه رئيس الوزراء المختار ولد أجاي وعدد من أعضاء الحكومة، للمشاركة في الدورة العشرين للجنة المشتركة الكبرى بين البلدين. وفي اليوم التالي، استقبل الرئيس عبد المجيد تبون ولد أجاي.

وفي الوقت نفسه، في نواكشوط، استقبل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نائب قائد الجيش المغربي، محمد بريظ. وشاركت بعثته في اجتماع اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الموريتانية، الذي خُصص خصوصًا للتكوين والتخطيط العملياتي والتهديدات الأمنية في منطقة الساحل.

الحياد الإيجابي

بين جارتيها المغاربيتين، تواصل نواكشوط سياسة التوازن. فقد قطعتا المغرب والجزائر علاقاتهما الدبلوماسية في أغسطس عام 2021، على خلفية النزاع حول الصحراء الغربية وتصاعد التوترات بعد التقارب بين الرباط وإسرائيل.

موريتانيا، التي تعترف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية منذ عام 1984، فتحافظ في المقابل على علاقات وثيقة مع العاصمتين

أما موريتانيا، التي تعترف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية منذ عام 1984، فتحافظ في المقابل على علاقات وثيقة مع العاصمتين. وفي قضية الصحراء، تتبنى موريتانيا ما تسميه “الحياد الإيجابي”، والذي وصفته حكومتها في فبراير بأنه “ثابت لا يتزعزع”.

يستجيب هذا الحياد لمصالح ملموسة للغاية. وتشير دراسة لمؤسسة Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP) إلى أن التجارة تدفع نواكشوط باتجاه المغرب.

غير أن علاقاتها مع الجزائر وجبهة البوليساريو، إلى جانب الروابط العائلية بين شمال موريتانيا ومخيمات تندوف والصحراء الغربية، تجعل الانحياز إلى أي طرف أمرًا محفوفًا بالمخاطر. والحذر يسير في الاتجاهين؛ فقد ابتعدت موريتانيا أيضًا عن المبادرات الجزائرية الرامية إلى بناء تكتل مغاربي جديد من دون المغرب.

وبعد ستة أسابيع من اجتماع الجزائر، كان ولد مرزوك في الرباط. ففي الـ22 مايو الماضي، استقبله وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بصفته مبعوثًا من الغزواني، حاملاً رسالة إلى الملك محمد السادس.

من الجانب الجزائري، يتولى أحمد عطاف زمام المبادرة. ويبلغ هذا الأخير من العمر 73 عامًا، وهو من الدبلوماسيين المخضرمين في الدبلوماسية الجزائرية، وينتمي إلى جيل يرى أن المغرب العربي ومنطقة الساحل يشكلان امتدادًا طبيعيًا للسياسة الخارجية الجزائرية. وقد شغل منصب وزير الخارجية في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يعينه عبد المجيد تبون مجددًا في المنصب عام 2023، ليعود إلى منطقة أصبحت فيها المواقف الجزائرية تواجه تحديات أكبر اليوم.

لقد أدى تدهور العلاقات مع باماكو إلى تقليص هامش المناورة أمام الجزائر في مالي، في حين عزز المغرب علاقاته مع الدول الثلاث الأعضاء في تحالف دول الساحل (AES). وتوفر نواكشوط للجزائر جارًا مستقرًا، لكنها توفر لها أيضًا الطريق الأكثر مباشرة نحو غرب إفريقيا والمحيط الأطلسي.

ويتمثل المشروع الرئيسي في طريق تندوف–الزويرات. وما يزال هذا الطريق قيد الإنشاء، ومن المقرر أن يمتد لمسافة 840 كيلومترًا، ليربط الجزائر بشمال موريتانيا ويسهّل وصول الشركات الجزائرية إلى أسواق غرب إفريقيا. ويتولى تنفيذ الجزء الموريتاني منه شركات جزائرية، على أن تتولى الجزائر استغلاله بموجب امتياز لمدة عشر سنوات بعد اكتمال الأشغال. كما ما تزال منطقة حرة تجارية وصناعية قيد الإنشاء في تندوف.

وخلال اجتماع اللجنة المشتركة الكبرى في أبريل، وقعت الجزائر وموريتانيا أيضًا سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تشمل، من بين أمور أخرى، الأمن والمحروقات والصناعة والزراعة والنقل.

العمق الساحلي أم الورقة الأطلسية؟

أما ناصر بوريطة، فيتحرك بأسلوب مختلف. فهو براغماتي ومباشر ولا يبدو متأثرًا كثيرًا بموازين القوى، وقد أصبح منذ عام 2017 أحد أبرز وجوه دبلوماسية الملك محمد السادس.

وفي موريتانيا، تنطلق الرباط من أفضلية قائمة أصلًا: ممر تجاري نحو نواكشوط وغرب إفريقيا يمر عبر الداخلة والكركرات.

في عام 2025، مثل المغرب 37% من واردات موريتانيا القادمة من إفريقيا، وفقًا للوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديموغرافي والاقتصادي

في عام 2025، مثل المغرب 37% من واردات موريتانيا القادمة من إفريقيا، وفقًا للوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديموغرافي والاقتصادي (ANSADE)، ما جعله أول مورّد إفريقي لموريتانيا. وتشكل الكركرات نقطة العبور الإلزامية لهذه التدفقات البرية.

إلى جانب هذا المحور التجاري، من المنتظر أن تضاف إليه وصلة كهربائية. إذ يعمل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE) المغربي والشركة الموريتانية للكهرباء (Somelec) على التحضير لأول ربط كهربائي مباشر بين البلدين، عبر خط بجهد 400 كيلوفولت بين الداخلة وبولنوار. وبعد اتفاق وقّعه المشغلان العموميان في فبراير عام 2025، أسند المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب في أبريل 2026 إلى مكتب الدراسات المغربي Geo-Amane مهمة إجراء الدراسة الطبوغرافية لمسار الخط.

ومن المنتظر أن يتيح المشروع، في نهاية المطاف، تبادل الكهرباء بين البلدين وتعزيز الربط مع غرب إفريقيا.

كما تملك الرباط ورقة أخرى تتمثل في علاقة الثقة التي نسجتها مع الغزواني. ففي ديسمبر 2024، توجه الرئيس الموريتاني إلى المغرب في وقت كانت فيه زوجته، مريم منت الداه، قد خضعت للتو لعملية جراحية في المستشفى العسكري بالرباط. وبعد يومين من وصوله، استقبله محمد السادس في القصر الملكي بالدار البيضاء، في ما قدمته نواكشوط على أنه “زيارة صداقة”. وبحث الرجلان آنذاك أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي والمبادرة الهادفة إلى تمكين دول الساحل غير الساحلية من الوصول إلى المحيط، وأعلنا رغبتهما في “تنسيق مساهماتهما” في هذه المشاريع.

نواكشوط تأخذ ما يناسب مصالحها

لكن النقاش لا يعني بالضرورة الانضمام. فقد دعمت مالي والنيجر وبوركينا فاسو المبادرة الأطلسية المغربية، لكن موريتانيا بقيت خارجها، رغم أن أراضيها ضرورية لضمان الاستمرارية البرية للمشروع باتجاه منطقة الساحل. وفي الوقت نفسه، تطور نواكشوط بنيتها التحتية المينائية الخاصة بها، ووفقًا لمؤسسة SWP، ليست لديها مصلحة كبيرة في أن تصبح الداخلة المركز الإقليمي الرئيسي.

وتطرح الداخلة أيضًا مسألة الصحراء الغربية. وترى مؤسسة SWP أن موريتانيا تجد صعوبة في دعم مبادرة تمر عبر هذا الإقليم من دون أن تضع ذلك في موضع تساؤل “حيادها الإيجابي” الذي تتبناه بشأن النزاع.

ومع ذلك، بدأت نواكشوط في وضع حدود لعلاقتها مع البوليساريو. ففي 23 فبراير الماضي، استقبل الرئيس الغزواني وفدًا من الجبهة برئاسة حمة سلامة، رئيس المجلس الوطني الصحراوي، لكن “من دون علم الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، بحسب ما أوردته وسيلة الإعلام المغربية “يابلادي”. كما أفادت الأخيرة بأن الجيش الموريتاني اعترض، قبل 48 ساعة، مركبتين وشاحنة تابعة لعناصر من البوليساريو دخلت الأراضي الموريتانية.

وفي مارس، لم يوجه الرئيس الغزواني كذلك رسالة تهنئة علنية إلى إبراهيم غالي بمناسبة عيد الفطر، خلافًا لما جرت عليه العادة في السابق.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *