زيتونة الطيب زيود… فسيفساء تونسية تعبر الى العالمية


إذا كان الغرب، بشقيه الأوروبي والأميركي، قد تحول إلى مركز عالمي للفنون التشكيلية، فإن بيزنطة والشرق العربي شكلا بدورهما مركزين بارزين لفنون الزخرفة والتزويق والفنون التطبيقية.

وامتد هذا الإرث الحرفي والثقافي حتى اليوم، ويتجلى بوضوح في جدارية «الزيتونة» للفنان التونسي الطيب زيود، وهي عمل فسيفسائي ضخم يستلهم ثراء الموروث الفني ويعيد تقديمه برؤية معاصرة. ويجمع العمل بين تنوع الخامات والموضوعات وتقنيات الفسيفساء التي ارتبطت تاريخيا بتزيين الأرضيات والجدران والمساحات الصلبة، في فضاءات ذات وظائف دينية أو سياسية ومدنية.

جاء هذا الاختيار الفني الفسيفسائي باعتماد وسائط تعبيرية ذات رمزية مشعة وعريقة، تنهل من تاريخها القرطاجي المتوسطي العتيق لتبني المقبل، وتحوّل المشروع إلى منجز لافت للاهتمام، عقب مسيرة معتبرة خاضها الفنان التونسي الطيّب زيود، امتدت لأكثر من عشرين سنة، بدأت سنة 1989 بتربص في ترصيف الحجارة في مدينة «نامور» البلجيكية، قبل أن يدخل في غمار تقنيات وفنون الذهب، ليكلل مساره بالفسيفساء المعاصرة. وقد سبق تثبيت جدارية «الزيتونة» باليابان تطواف فني مهم للفنان بين فرنسا وإسبانيا.
يمسح هذا المنجز الفني الإبداعي 31 مترا مربعا، بقياسات طولية تجاوزت سبعة أمتار (4.5×7.1). طار هذا المنجز من تونس إلى اليابان لتأسيس تمثيل فني جداري دائم وملحوظ للخريطة العربية والافريقية في جامعة ريتسوميكان آسيا والمحيط الهادي (APU). يخلد هذا الإنجازعراقة الموطن (جربة) وخلود الوطن (تونس)، بعد تطواف قام به الفنان في عدة عوالم، في تنقلات فنية استكشافية، تسمح بإزالة الحدود الفنية وتأسيس خصوصيّة داخل الخريطة العالمية، عبر تجاوز فن الموقع إلى ورشة الموقع، حيث تعلّق جوهر الهمّ بترسيم شخصية الحاضرة التونسية بتاريخيتها وجغرافيتها وثقافتها العريقة.
شكل هذا العمل عنصر ربط بين مختلف الأجناس الفنية – رغم حفاظه على الحضور الجمالي للمكعب الفسيفسائي (التسّيرة) – وكوسيط إبداعي (médium créatif) يضع الفن الحديث والأعمال الحرفية في قلب مشاغل الفن المعاصر.

من الإحيائية إلى الإيحائية: الأبعاد الجمالية والمفاهيمية

الفنان والفسيفسائي التونسي الطيّب زيود

ساهم تشكل المعطيات الفنية الحديثة في تحول التشكيلات الإحيائية إلى تشكيلات إيحائية، لتتجاوز بذلك عناصر التمويه وتمر إلى توليد العبارة الحية وتوظيف المعنى، عبر إدماج الأفق المكاني واستبعاد الحد الزماني. تم ذلك من خلال تداخل عناصر الحجارة المتباينة لتشكل وحدة متكاملة، تجمع بين الثقل الديداكتيكي المعرفي (الجامعة)، والثقل المعماري الجداري (الحجم)، والثقل الحضاري والتاريخي (قرطاجة)، وهي عناصر تجاوزت الرمزية الأيقونية إلى مسرحة المفاهيم (théâtralit des concepts). فالعمل المنجز في جوهره مادة وكتلة تفرض كنه حضورها الدائم. وهو ما يعتبره هيدغر في «أصل العمل الفني» اكتشافا للحقيقة عبر المادة. فالزيتونة، بوجود الريليف المنخفض، تعد منحوتة باعتماد بعد تجسيمي متساو، ومنجز متكامل وصل النحت بالعمارة، والفسيفساء بالصورة، والأداء الصامت عبر التركيب والتوضيب بواسطة المِلاط (mortier) بالأداء النشيط الذي يتممه الجمهور.
من أبرز عناصر هذا التوجه: التواضع اللوني الخام، والتعويل على العناصر الطبيعية (نوع الحجارة، اللون)، وإعادة الاعتبار للقيمة التي تختزلها شجرة الزيتون (إنتاج، اقتصاد، تنمية، تجارة)، والتواصل مع طبيعة فضاء العرض. وهي قراءة تهدم الحدود المادية والنظرية، وتكسر القيود، وتلغي الحدود الجغرافية الموروثة. فلم يعد الفن البصري رهين المكان ولا الزمان، بل خلق مختلف يتجدد إيقاعه داخل زمكانية متحركة، بجمالية تتحدى البعد الصوري المعتاد (المحاكاة، الأسطورة، المثال) لتقدم بعدا «ديناصوريا» عملاقا وخلاقا، عبر الرمز حينا والصدمة أحيانا، حتى قبل الصورة في حد ذاتها. وهو ما تؤثثه عظمة العمل التي تجاوزت كل الحدود، باعتماد أكثر من 500 ألف قطعة فسيفساء مكعبة ومشكلة (تسّيرة)، وهو عدد يكفي لإنجاز أكثر من عشرة أعمال بحجم متوسط.

التشكيل البصري للحجارة مع الذاكرة واللون والهوية القرطاجنية

تهدف خصوصيات هذا المنجز إلى تضمين وتثمين البناء الشكلي للأحجام، من مكعبات الحجارة الصغيرة «تسّيرة» (Tesselle) إلى الكبيرة، ومن اللون القاني إلى اللونين البيج والبني، ليتضح تثمين الطابع التقليدي التونسي في الفسيفساء، الذي مثل باكورة الإبداع الحرفي في الحضارة القرطاجية، باستعمال الحصى الطبيعية، بالتوازي مع أعمال الخزف الفينيقي الذي ذاع صيته حتى حدود المتوسط.
تطرح العلاقة بين الطبيعة الفيزيائية للوسيط (medium) والبعد المفهومي المستخلص من تحولات المكان عدة مقاربات، منها: الحضور الشكلي (الشكل، التكوين، اللون)، والخصائص الدائمة (لوحة، معلقة، جدار)، والرموز الجمالية، ورسالة اللون التي تحيلنا إلى القراءة المعاصرة، وانزياح الصورة شبه التجريدية إلى معطى شكلي يعزز رموز الزيتونة، ممهدا للحضور المتوسطي في الهادي، أو اندماج البحر في المحيط، ما يشير لعالمية المنجز الجداري الذي حوّل التقديمات الأرضية الأفقية إلى تقديمات جدارية عمودية.تفرض جدارية «الزيتونة» حضورها بحجمها الضخم وتكويناتها الحجرية المتكتلة، لتشكل حلقة وصل بين الطبيعة والمجتمع. ويعزز هذا الحضور اعتماد الفنان على المكعبات الحجرية الخام والحجارة الجبلية، مع تقليل اللجوء إلى التقنيات اللونية، بما يمنح المادة الطبيعية دورا أساسيا في بناء العمل وهويته البصرية.وتكتسب الجدارية بعدا إضافيا بعرضها في بيئة ثقافية بعيدة عن موطنها الأصلي، إذ تنتقل رموزها التونسية والمتوسطية إلى اليابان، حاملة معها بعدا بيئيا واجتماعيا يتجاوز القيمة الجمالية للعمل. ومن خلال هذا الانتقال، تنفتح الفسيفساء على حوار بين الشرق والغرب، وبين المتوسط والشرق الأقصى، وتتيح للمتلقي الياباني قراءة العمل من داخل سياق ثقافي مختلف.بهذه العناصر، تنتمي «الزيتونة» إلى فضاء الفن المعاصر، حيث لا يكتمل العمل عند إنجازه وعرضه، بل يمتد إلى تلقي الجمهور وتأويله. وهي بذلك تفتح آفاقا تربط الموروث بالحاضر، والمحلي بالعالمي، والفن بالفضاء العمراني والبيئي، ضمن رسالة بصرية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *