رواية «791»… كتابة الذاكرة الفلسطينية في مواجهة النسيان


تُعد رواية «791.. معسكر الاعتقال رقم 1» للروائية الأردنية صفاء الحطاب عملا سرديا يستلهم واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في التاريخ الفلسطيني الحديث، وهي مرحلة ما قبل النكبة وما سبقها أو أعقبها من تهجير واعتقال وتشريد ونهب ومذابح، حيث تنفتح الرواية على فضاء تاريخي وإنساني شديد الثراء، إذ تمزج بين السرد التوثيقي والبعد الإنساني، وتعيد بناء ذاكرة جماعية عبر حكايات شخصياتها التي تجد نفسها فجأة في قلب التحولات العنيفة التي شهدتها فلسطين في أربعينيات القرن العشرين. ومن خلال تتبع مصائر هذه الشخصيات، تحاول الرواية أن تعيد الاعتبار للتجربة الإنسانية التي غالبا ما تختزلها كتب التاريخ في أرقام وأحداث عامة.
تقوم الرواية على خلفية تاريخية شديدة الحساسية، إذ تستحضر مرحلة الاحتلال البريطاني لفلسطين، وتصاعد الحركة الصهيونية وصولا إلى نكبة 1948، وما تبعها من اعتقالات جماعية للفلسطينيين، وتنطلق من حكايات أفراد عاديين يعيشون حياتهم اليومية في القدس والقرى الفلسطينية، ثم تتعرض حياتهم للانكسار نتيجة التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة.
نجحت الكاتبة في بناء عالم روائي تتجاور فيه الحكاية الشخصية مع الذاكرة الوطنية، حيث تتحوّل التجربة الفردية إلى مرآة لمعاناة شعب كامل؛ فالأحداث التي تبدو في البداية حياة عادية وعلاقات عائلية وخطبة وأحلام بالزواج والعمل، سرعان ما تنقلب إلى مأساة حين يدخل العنف السياسي إلى تفاصيل الحياة اليومية.

البعد التاريخي

تستند الرواية إلى سياق تاريخي واضح، يتمثل في سنوات الانتداب البريطاني، وما رافقها من توترات سياسية واجتماعية، ويظهر هذا البعد في الإشارة إلى الضرائب المفروضة على الفلاحين، وإلى سياسات الانتداب التي أثقلت كاهل السكان، فضلا عن تنامي الوعي الوطني ومقاومة الاحتلال. ومن خلال الشخصيات والحوارات، تقدم الرواية صورة عن المجتمع الفلسطيني في تلك الفترة؛ فالفلاحون يواجهون الضرائب ومصادرة الأراضي، والمثقفون يعملون في الإعلام والتعليم ويشاركون في تشكيل الوعي الوطني، والشباب ينخرطون في العمل النضالي دفاعا عن الوطن. ولكنّ هذا المجتمع انقلب رأسا على عقب بفعل الرياح الصهيونية السوداء التي داهمت المدن والقرى الفلسطينية، وعملت على تغيير الواقع بكل ما أوتيت من قسوة وجبروت وممارسات وحشية قذرة. هذا التداخل بين التاريخ والسرد يمنح الرواية طابعا توثيقيا، ويجعلها أقرب إلى إعادة كتابة الذاكرة التاريخية عبر الفن الروائي.

حوامل الذاكرة

تقوم الرواية على مجموعة من الشخصيات التي تتقاطع مصائرها مع الأحداث الكبرى، تُقدَّم باعتبارها نماذج تمثل شرائح مختلفة من المجتمع الفلسطيني في تلك المرحلة، ومن أبرزها: إبراهيم الذي يمثل شخصية الفلاح الفلسطيني، الذي يعيش صراعا بين هموم الحياة اليومية، والوعي المتنامي بالخطر الذي يهدد وطنه، ويظهر كشاب بسيط يحلم بالزواج والاستقرار، لكنه يجد نفسه تدريجيا منخرطا في مسار المقاومة.
نعمان الذي يجسد صورة المثقف، الذي يهتم بالتربية والتعليم، ويرى في اللغة والثقافة وسيلة للحفاظ على الهوية، ومن خلاله تطرح الرواية سؤال الثقافة بوصفها شكلا من أشكال المقاومة. عيسى الذي يظهر كشخصية واعية سياسيا تعمل في المجال الإعلامي، وتسهم في نشر الوعي الوطني بين الناس عبر الإذاعة والبرامج الثقافية، وتمثل هذه الشخصية دور الكلمة في مواجهة الاحتلال. نائلة التي تشكل شخصيتها البعد الإنساني والعاطفي؛ فهي المرأة التي تتقاطع حياتها الخاصة مع المأساة الجماعية، وتتحوّل تجربتها من قصة حب وأمل في الزواج إلى تجربة فقد واعتقال وتشرد، ومن ثم تشبثها بطفل أخيها نعمان، وتحملّها مسؤوليته، في رمزية للتمسك بالمستقبل، وعدم اليأس والاستسلام والخضوع للأمر الواقع.

سلامة الذي يجسد نموذج الإنسان الفلسطيني البسيط، الذي عاش تفاصيل الحياة اليومية بكل ما فيها من كدح وأمل، ثم وجد نفسه فجأة في مواجهة العاصفة التاريخية التي اقتلعت الناس من بيوتهم ودفعتهم إلى المنافي والمعتقلات، ومن خلال حضوره تتجلّى صورة الإنسان الذي يحتفظ بذاكرة المكان والناس والعلاقات القديمة، فيغدو شاهدا حيا على ما كان قبل أن تنقلب الحياة رأسا على عقب، وتكمن أهمية هذه الشخصية في دلالتها الرمزية؛ فهي تمثل الذاكرة الشعبية التي تحفظ تفاصيل الحياة الصغيرة كأسماء القرى، وأحاديث الناس، وملامح الأيام التي سبقت المأساة، وبذلك يصبح سلامة أشبه بجسر يربط بين زمنين؛ زمن الحياة الطبيعية التي عرفها الفلسطينيون قبل النكبة، وزمن الانكسار الذي فرضته الاعتقالات والتهجير، وتؤكد الرواية من خلال هذه الشخصية، أنّ الذاكرة لا تقيم في الكتب أو الوثائق فقط، وإنّما تسكن أيضا في صدور الناس البسطاء الذين عاشوا الأحداث وحملوا شهادتها إلى المستقبل. ولا يكتفي سلامة بذلك، بل يواصل عمله النضالي في التصدي للعصابات الصهيونية بالتفجيرات والكمائن، بالإضافة إلى حراسته للبيوت الفارغة وإيهام العصابات الصهيونية بأنّها مأهولة وليست متاحة لفجورهم وساديتهم.

قبل العاصفة
من السمات اللافتة في الرواية أنّ الكاتبة بدأت بسرد تفاصيل الحياة العادية، مثل: الاستعداد للزواج، والعلاقات العائلية، والاحتفالات والخطوبة، وأحلام المستقبل، وهذا البناء السردي يجعل القارئ يقترب من الشخصيات ويتعاطف معها قبل أن تقع الكارثة، وهنا تتجلّى براعة الرواية في إبراز المفارقة بين بساطة الحياة اليومية، والانهيار المفاجئ الذي أحدثته الحرب والاحتلال؛ فالحب في الرواية ليس عنصرا عاطفيا فقط، فهو يمثل رمزا للحياة التي كانت ممكنة قبل أن تُسلب.

معسكر الاعتقال رمز للنكبة

تصل الرواية إلى ذروتها حين تنتقل الشخصيات إلى معسكر الاعتقال «791»، وهو معسكر أقيم لاحتجاز الفلسطينيين بعد الأحداث العسكرية، وفي هذا الفضاء المغلق تتكثف عدة معان؛ فقدان الحرية، وتحطيم الكرامة الإنسانية، وتحويل الإنسان إلى رقم، وتصف الرواية الظروف القاسية في المعسكر، حيث يكتشف المعتقلون أنّ المكان الذي أُخذوا إليه لا يمت للحياة بصلة، وما هو إلا انتظار للموت، وتتحوّل التجربة إلى اختبار للإنسانية والصمود في مواجهة القهر. يمثل المعسكر في الرواية رمزا مكثفا للنكبة، فهو صورة مصغرة عن تجربة الاقتلاع الجماعي التي عاشها الفلسطينيون، ففيه تتم أبشع وأقسى الممارسات، من دون رقيب أو حسيب، وهو خارج أي رقابة أو متابعة أو سجلات رسمية.

اغتيال البيوت

تكشف الرواية، في أكثر من موضع، جانبا قاتما من مأساة النكبة يتمثل في اقتحام العصابات الصهيونية البيوت الفلسطينية، التي أُجبر أهلها على مغادرتها تحت وطأة القتل أو التهديد، وتحوّلت هذه البيوت غنائم حرب؛ إذ دخلتها العصابات فنهبت ما فيها من مال ومجوهرات وأثاث وأدوات ووثائق، ثم عمدت إلى تخريبها عمدا؛ فخلعت الأبواب والنوافذ، وفجرت الأسقف، للحيلولة دون عودة أهلها لها لاحقا. إنّ هذا الفعل يتجاوز دلالته المادية إلى معنى رمزي أعمق؛ فهو محاولة لقطع الصلة بين الإنسان ومكانه، وبين الذاكرة وبيتها الأول؛ فحين يُدمَّر البيت لا يُفقد المأوى وحده، ولكن، يُقتلع جزء من هوية الإنسان ومن استمرارية حياته، ولهذا يبدو أثر ذلك على الفلسطيني مضاعفا؛ خسارة المكان من جهة، والشعور القاسي بأنّ ذاكرته الشخصية والجماعية قد تعرضت لانتهاك متعمد. ومع ذلك، تلّمح الرواية إلى مفارقة إنسانية مؤلمة؛ فحتى حين يُهدم البيت وتُنهب محتوياته، يبقى البيت الحقيقي قائما في الذاكرة، حيث يستحيل اقتلاع المكان من وجدان أصحابه مهما حاول العنف أن يمحو آثاره.

الذاكرة مقاومة

من أهم الثيمات التي تتكرر في الرواية، فكرة حفظ الذاكرة؛ فالشخصيات تستعيد الماضي باستمرار مثل القرى التي هُدمت، والبيوت التي تركها أصحابها، والأحلام التي انكسرت. ومن خلال هذا الاستدعاء المتكرر للماضي، تحاول الرواية أنّ تؤكد أنّ الذاكرة نفسها شكل من أشكال المقاومة، وأنّ كتابة الحكاية هي محاولة لعدم السماح للنسيان بأن ينتصر.
ولعلّ أعمق ما تقوله هذه الرواية يقال في الصمت الذي يخلّفه الخراب؛ فالمعتقل في «791» هو استعارة كبرى لوضع إنساني يُختبر فيه معنى الحرية والهوية والذاكرة؛ فحين يُختزل الإنسان إلى رقم، ويُحاصر بين الأسلاك والقيود، يبقى له شيء واحد لا يستطيع السجّان مصادرته وهو الحكاية؛ فالحكاية هي المساحة الأخيرة التي ينجو فيها الإنسان من محو الوجود، وهي الطريق التي يعود بها إلى ذاته وإلى أرضه، حتى وهو بعيد عنها. من هنا، تبدو الرواية كأنّها فعل مقاومة للعدم، إذ تعيد ترتيب الفقد في لغة، وتحول الألم إلى ذاكرة قابلة للانتقال. وهكذا يصبح الأدب، في جوهره، محاولة لإنقاذ المعنى من الخراب، وتأكيد أنّ ما يُسلب من الأرض قد يبقى حيّا في الوعي، وأنّ الذاكرة، مهما طال الحصار، تظل الشكل الأعمق للحرية.

ذاكرة بصرية مضادّة للنسيان

تضمنت الرواية في نهايتها ثلاثا وعشرين صورة فوتوغرافية، ودلالة هذا الحضور الكثيف تتجاوز كونها مجرد ملحق توثيقي؛ إنّها جزء من البنية الدلالية للعمل نفسه؛ فهذه الصور تعمل بوصفها ذاكرة بصرية مضادّة للنسيان، تنقل السرد من حيّز الحكاية إلى حيّز الشهادة، فبعد أن يقدّم النص الروائي معاناة الشخصيات عبر اللغة، تأتي الصور لتقول: هذا لم يُتخيَّل فقط، بل حدث وكانت له وجوه وأمكنة حقيقية. بذلك تُسقط الرواية الحاجز بين الأدب والتاريخ، وتحوّل القارئ من متلقٍ لحكاية إلى شاهد على واقعة.
كما أنّ كثرة الصور تحديدا تحمل معنى الإصرار على تثبيت الوجود في مواجهة المحو؛ فكل صورة هي استعادة لبيت، أو إنسان، أو لحظة سُرقت، وكأنّ تراكمها يعادل محاولة ترميم ما تهدّم. إنّها تقف في مواجهة فعل التدمير الذي طال البيوت والأشياء، فتقول إنّ ما هُدم ماديا يمكن أن يبقى حيا في الصورة، وفي الذاكرة التي تحفظها. ومن زاوية تأويلية أخرى، يمكن النظر إلى هذه الصور بوصفها انتقالا من «التمثيل» إلى «الأثر»؛ فالرواية تروي، أما الصورة فتُشير مباشرة إلى أثر ما كان موجودا، ولهذا تبدو النهاية وكأنّها تضع القارئ أمام سؤال أخلاقي: ماذا تفعل بكل هذه الشهادات؟ هل تكتفي بالتعاطف، أم تتحوّل بدورك إلى حاملٍ لهذه الذاكرة؟ بهذا المعنى، لا تُنهي الصور الرواية، بل تفتحها على الواقع، وتُبقي الحكاية معلّقة في وعي القارئ، باعتبارها ذاكرة لا يجوز أن تُغلق.

شهادة أدبية على الألم والذاكرة

وبعد؛ إنّ «791.. معسكر الاعتقال رقم 1» الصادرة حديثا في عمّان، رواية تتميز بلغة سردية تمزج بين البعد التوثيقي والبعد الوجداني؛ فهي تعتمد وصفا دقيقا للأحداث التاريخية، لكنها في الوقت نفسه تمنح مساحة كبيرة للمشاعر الداخلية للشخصيات. وتستخدم الرواية أسلوبا سرديا يقوم على الانتقال بين الأزمنة، وتوظيف الحوار لتقديم الخلفية التاريخية، والتركيز على التفاصيل اليومية الصغيرة، وهذا الأسلوب يجعل الرواية قريبة من القارئ، ويمنحها طابعا إنسانيا عميقا.
ويمكن القول، إنّ الرواية هي محاولة لإعادة سرد واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في التاريخ الفلسطيني من منظور إنساني. وتكمن قيمة الرواية في قدرتها على تحويل التاريخ إلى تجربة شعورية يعيشها القارئ عبر مصائر الشخصيات، فهي تذكرنا بأنّ خلف كل حدث تاريخي كبير حكايات بشرية صغيرة، وأنّ مأساة الشعوب لا تُفهم إلا إذا أصغينا إلى أصوات هؤلاء الذين عاشوها.
وهكذا تتحوّل الرواية إلى شهادة أدبية على الألم والذاكرة، وإلى محاولة للحفاظ على الحكاية من الضياع، لأنّ ما يُكتب يبقى، وما يُروى يظل حيا في وجدان الأجيال.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *