رواية «لا عناوين في المدينة»: الحكاية تقاوم المحو


ثمة روايات تكتب كي تقرأ، وروايات تكتب كي تبقى؛ لأنها لا تكتفي بتخييل الواقع، بل تدخل في صميمه، تلتقط شظاياه، وتحفظ أصوات ضحاياه من النسيان، وتنتمي رواية «لا عناوين في المدينة» للأردنية نردين أبو نبعة إلى هذا النوع؛ فهي تتعامل مع فلسطين وغزة كذاكرة وهوية وجرح وتجربة إنسانية ينبغي ألا تترك روايتها للقوة المحتلة وحدها.
ويمكن النظر إلى هذه الرواية بوصفها شكلا من أشكال المقاومة الثقافية والسردية؛ فالاحتلال كما ينازع الفلسطيني أرضه، فإنّه ينازعه أسماء أمكنته وذاكرته وتاريخه وحقه في رواية ما جرى له. وحين تستعيد الرواية صوت المرأة والطفل والأسير والجريح والشهيد، فإنها تنتشل الإنسان من الرقم والإحصائية، وتعيد إليه اسمه وملامحه وحكايته.
مدينة تفقد عناوينها
يبدو عنوان «لا عناوين في المدينة» شعريا ومفتوح الدلالة، لكنه يكتسب داخل الرواية معنى واقعيا قاسيا؛ فالمدينة المدمرة لا تفقد مبانيها فقط، وإنما تفقد نظام العلامات الذي يجعلها قابلة للتعرف مثل: الشارع والبيت والحي والمدرسة والمستشفى والمخبز. وحين تسير هبة وفايق وسط غزة لا يكادان يتعرفان إلى الأماكن التي يعرفانها، حتى تغدو المدينة بلا ملامح ولا عناوين. لكن العنوان يتجاوز الدمار العمراني؛ فالاحتلال يريد الفلسطيني نفسه بلا عنوان: بلا بيت يعود إليه، ولا قرية ينتسب إليها، ولا ذاكرة تستدل عليه. وهنا تكمن المفارقة؛ فبينما يحوّل القصف المدينة إلى مكان بلا عناوين، تمنحها الرواية عناوين جديدة؛ لكل شهيد وبيت وأم وذكرى، وما يهدمه السلاح مكانيا تعيد الكتابة بناءه في الذاكرة.
من النكبة إلى 7 أكتوبر 2023
تقوم الرواية على مسارين متداخلين: الأول يعود إلى إستر، اليهودية المغربية التي تصل طفلة إلى فلسطين سنة 1955 مع أسرتها القادمة من الرباط تحت تأثير الدعاية الصهيونية؛ والمسار الثاني يتابع ابنتها هبة وسط حرب غزة بما تحمله من قصف ونزوح وجوع وفقد. وبهذا لا تبدو حرب أكتوبر/تشرين الأول 2023 حدثا منفصلا، وإنما امتدادا لتاريخ بدأ بالاقتلاع وإعادة تشكيل المكان والإنسان. وتكتسب إستر أهميتها من أنها تدخل إلى فلسطين من داخل المجموعة التي يفترض الخطاب الصهيوني أنها جاءت إلى «أرض الميعاد»، لكن والدها مردخاي فحيمة يكتشف الخديعة بعد أن ترك حياة مستقرة وتجارة رائجة في المغرب، ومن خلاله تبدأ الرواية بتفكيك السردية الصهيونية من داخل التجربة اليهودية ذاتها.
ويكتمل هذا التفكيك في علاقة إستر بزين الدين الفلسطيني، فالحب هنا ليس غاية رومانسية، ولكنه بوابة إلى المعرفة؛ إذ يصطدم ما تعلمته إستر عن الفلسطيني بالإنسان الحقيقي الذي تراه أمامها، فتبدأ رحلة الشك، والقراءة، وإعادة فحص التاريخ، وتفكيك السردية الصهيونية.
من إستر إلى شهيرة
يشكل تحوّل إستر اليهودية إلى شهيرة المسلمة، أحد المحاور العميقة في الرواية؛ فتغيير الاسم يعني إعادة بناء للهوية، فإستر هي الفتاة التي ورثت سردية جاهزة، أما شهيرة فهي المرأة التي اختبرت هذه السردية واختارت موقعها الأخلاقي في الطرف الآخر. لذلك تشارك الفلسطينيين حياتهم ومقاومتهم، وتخيط الأعلام خلال الانتفاضة الأولى وتساعد المطاردين، كما تتعلم العربية حتى تصبح اللغة لديها فضاء انتماء ووعي لا مجرد وسيلة تواصل. وتكشف المقارنة بينها وبين هبة اختلاف جيلين: فشهيرة تصل إلى فلسطين من خارج الجرح، وهبة تولد داخله. تحتاج الأولى إلى سنوات كي تكتشف الحقيقة، بينما تعرفها الثانية من خلال حياتها اليومية. إستر تبدأ بالشك وتنتهي باليقين؛ وهبة تبدأ من يقين الهوية وتدخل امتحان البقاء. صراع الأم معرفي ووجودي: من أنا؟ وإلى أي رواية أنتمي؟ أما صراع الابنة فمباشر: أين أنزح؟ كيف أحمي أطفالي؟ هل بقي البيت؟ ومن بقي حيا؟ ومع ذلك تلتقيان في رفض دور المتفرج؛ فشهيرة تنتقل من قراءة التاريخ إلى المشاركة فيه، وهبة تنتقل من عيش الحرب إلى توثيقها. وبعبارة مكثفة: شهيرة تقرأ فلسطين، وهبة تنزف فلسطين.
التفاصيل الصغيرة
تتجاوز الرواية تصوير الحرب عبر الانفجارات والمواجهات، لتتقصّى آثارها العميقة في أدق تفاصيل الحياة اليومية؛ في النّوم، والحمَّام، والخبز، والماء، والخصوصية، والنظافة، حتى يغدو اليومي والعادي ميدانا آخر من ميادين المعاناة، كدخول الحمّام في مدرسة الإيواء الذي يصبح معركة يومية، وترفض هبة التأقلم مع هذا الوضع لأنّ الاعتياد على غير الطبيعي يعني، بالنسبة إليها، التسليم به. وهكذا تنتقل الحرب من أرقام الضحايا إلى انتهاك معنى الحياة نفسها، وتصبح القدرة على مواصلة التفاصيل اليومية نوعا من البطولة. ويتصل بذلك حضور البيت بوصفه كائنا حيا، حيث تتعلّق هبة ببيتها، كما لو كان فردا من أبنائها، لأنّ البيت في التجربة الفلسطينية ذاكرة وانتماء قبل أن يكون عقارا. لذلك يغدو هدمه استعادة رمزية للنكبة، ويظل النزوح مشدودا إلى السؤال الفلسطيني القديم: هل سأعود؟

من الوعي إلى الفعل

تقوم المقارنة بين زين الدين وفايق على الامتداد أكثر من التشابه؛ فزين الدين ابن النكبة وذاكرتها، يواجه إستر بالحقيقة التي حجبتها عنها الرواية الصهيونية، فيدفعها إلى السؤال والبحث وإعادة قراءة التاريخ. أما فايق فهو أسير محرر وصاحب تجربة نضالية طويلة، يتحوّل زمن الحرب إلى رجل ميدان ومسؤولية عامة يعمل على حماية الناس وتنظيم المجتمع. وإذا كان زين الدين يقاوم بكشف الحقيقة وتثبيت الذاكرة، فإنّ فايق يقاوم بالفعل والتنظيم والصمود. الأول يفتح أمام إستر طريق فلسطين معرفيا ووجدانيا، والثاني يجعل فلسطين بالنسبة إلى زوجته هبة التزاما يوميا وتضحية مستمرة. وكلاهما يغيّر المرأة التي تشاركه حياته؛ حيث ينقل زين الدين إستر من الشك إلى اليقين، ويدفع فايق هبة إلى معرفة عالم الأسرى والسجون والسياسة والقضية على نحو أعمق. ومع ذلك تحرص الرواية على ألا يتحوّل فايق إلى رمز مجرد؛ فهو الزوج والأب والإنسان قبل أن يكون المناضل، وهذا ما يجعل استشهاده أكثر تأثيرا، إذ لا تفقد هبة رمزا وطنيا فحسب، وإنما تفقد رفيق حياتها. وعندها يطرح النص سؤالا مركزيا: كيف يبقى الشهيد بعد غياب جسده؟ والجواب الذي تتبناه الرواية هو: بالحكاية.

مقاومة الرواية بالرواية

لعل الرسائل الصوتية المتبادلة بين هبة والدكتورة أمان من أنجح تقنيات الرواية؛ فبعد لقائهما في مؤتمر طبي في جنوب افريقيا، تعود كل واحدة إلى مكانها، وحين تبدأ الحرب تقرر هبة تسجيل ما تراه بدل كتابته، لأنّ القصف لا يترك لها فرصة التدوين. وهنا يتحول الهاتف من وسيلة اتصال إلى أرشيف للذاكرة. تدرك هبة أنّ الصور والفيديوهات قد تمحى، فتتمسك بالتسجيل الصوتي والكتابة، وهي لا تقدم أخبارا مجردة، وإنما خبرة إنسانية وتجربة شخصية حيّة مثل: صوت الدبابة، القصف، خوف الأم، بكاء الطفل، الهرب، الجوع، النزوح، والموت.
وتصبح أمان الحلقة الثانية في سلسلة الشهادة؛ تفرّغ التسجيلات وتلخصها وتترجمها وتنقلها إلى جمهور آخر، وهكذا تتشكل حركة سردية بالغة الدلالة: هبة ترى وتسجل، وأمان تحفظ وتترجم، والعالم يقرأ ويسمع. وتتأكد أهمية هذا المسار حين تطلب هبة من أمان حماية تسجيلاتها إن وقعت في يد جنود الاحتلال، ثم تتحوّل التسجيلات لاحقا إلى بودكاست قابل للانتشار. وهنا تبلغ فكرة الرواية ذروتها؛ فالاحتلال يمتلك آلة عسكرية وإعلامية هائلة، لكن هبة تمتلك الصوت والشهادة، وبذلك تواجه الرواية الخطاب الذي يجرد الفلسطيني من فرديته؛ فبدل الأهداف والعمليات نرى أمهات وأطفالا ومرضى وجائعين وأناسا لهم أسماء وذكريات. إنّ التفاصيل الصغيرة تهزم التجريد، ورسائل هبة تصبح تعبيرا عن رسالة الرواية بأن تقول ما رأيت، وتحفظ أسماء مَنْ مروا بك، وألا تسمح للقوة المحتلة بأن تحتكر تفسير الحدث.

المرأة في قلب الحكاية

تكتب الرواية الحرب من منظور نسائي، من دون أن تحصر المرأة في صورة الضحية، فشهيرة مقاومة وفاعلة، وهبة أم وممرضة وموثقة وزوجة ونازحة، وأمان طبيبة وناقلة للشهادة. وتتميَّز هبة خصوصا بأنها ليست بطلة خارقة؛ فهي تخاف وتبكي وتنهار، لكنها تتخذ في الوقت نفسه قرارات مصيرية وتحمي أبناءها، وتواجه النزوح والجوع والجنود، ولذلك تبدو شجاعتها إنسانية ومقنعة، لأنّ الشجاعة لا تعني غياب الخوف، وإنما الاستمرار على الرغم منه.

الذاكرة في مواجهة المحو

في عمقها، فإنّ «لا عناوين في المدينة» رواية حرب وذاكرة؛ فذاكرة إستر تعود إلى المغرب، وذاكرة زين الدين إلى فلسطين المسلوبة، وشهيرة إلى الانتفاضة، وهبة إلى بيتها وفايق وطفولتها، فيما تصل أمان الشتات بالوطن.
والبيت يمكن أن يهدم، لكن صورته تبقى؛ والشارع قد يختفي، لكن اسمه يبقى؛ والإنسان قد يقتل، لكن حكايته تستطيع النجاة. لذلك تصبح الكتابة محاولة لإعادة عناوين الذاكرة إلى المدينة التي فقدت عناوينها المادية.
وتتحرّك الرواية لهذا السبب بين الأدب والوثيقة؛ فالتواريخ والأسماء والوقائع تمنحها طبيعة شهادية، ويظهر ذلك في البناء المتناوب بين الأزمنة والشخصيات، والصور السردية، والتفاصيل الإنسانية، وتقنية الرسائل الصوتية، وهذا التنقل بين الفن والشهادة جزء من طبيعة الرواية نفسها؛ فعندما يكون الموت أسرع من الكتابة تصبح الحاجة إلى حفظ الحدث جزءا من مهمة الأدب.
وبعد؛ فإنّ «لا عناوين في المدينة» (القاهرة: كتوبيا للنشر والتوزيع، 2025)، رواية تطرح سؤالا ملحا حول من يملك حق رواية ما حدث؛ فإستر تبحث في الكتب لأنها تشك في الحكاية التي لقنت لها، وهبة تسجل لأنها تخشى ضياع الحكاية، وأمان تترجم لأنّ الحكاية ينبغي أن تعبر الحدود، وفايق يتحوّل بعد استشهاده إلى ذاكرة. وهكذا تصبح الرواية صراعا على الذاكرة بقدر ما هي رواية عن الصراع على الأرض.
نعم، يمكن للسلاح أن يهدم البيت، لكنه لا يستطيع وحده تحديد معنى ما حدث فيه. ويمكن أن تختفي الشوارع، لكن المدينة لا تموت ما دام أهلها يتذكرون أسماءها. ويمكن للشهيد أن يغيب، لكن موته لا يصبح انتصارا لقاتله ما دامت حكايته حيّة.
لذلك فإنّ رواية «لا عناوين في المدينة» لنردين أبو نبعة ليست مرثية لمدينة ضاعت عناوينها بقدر ما هي محاولة لإعادتها، بيتا بيتا، واسما اسما، وشهيدا شهيدا، إلى ذاكرة العالم، فالاحتلال يستطيع أن يترك المدينة بلا عنوان، لكن الحكاية تعيد للمدينة عنوانها.

كاتب أردني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *