رواية «شريد المنازل» وعبثية الحروب الأهلية


تكاد رواية «شريد المنازل» لجبور الدويهي أن تكون قصة موت معلن لبطلها نظام العلمي الذي يتقلب بين الأديان، والأيديولوجيات، والنساء، ويخطو إلى الموت بكل جسارته التي جعلته يتحدى أحد تنظيمات الحرب الأهلية اللبنانية، الذي قتله رغم أنه من أنصاره ومن طائفته!
نظام فتى صغير يترك أهله في طرابلس، يبقى في المصيف على الجبل في بلدة حورا، تحبه رخيمة وزوجها توما، ويتمنيان أن يكون ابنهما، فيحقق لهما حلمهما!
الأب محمود العلمي ترك عائلته فارا إلى سوريا إثر إفلاسه واتهامه بتجارة المخدرات، والأم صباح تظل صلة الوصل بين سوريا ولبنان لأنها حمصية الأصل، ومن أصول مختلطة دينيا، فوالدتها كانت مسيحية ولكن الرواية لا تستفيض في قصتها كثيرا.
صباح تزور ابنها الذي تبنته عائلة توما ورخيمة عندما تأتي إلى لبنان لتجلب أفلام سينمائية، لأن زوجها محمود قد افتتح سينما في حمص، لتكتشف لاحقا بأن مورد الافلام يحشو بكراتها بالمخدرات التي استمر زوجها بالمتاجرة بها، رغم عمله في العروض السينمائية، وتحفل الرواية باستعراض العديد من الأفلام السينمائية التي كانت تعرض في تلك الأيام.
يتعلم نظام في المدارس الدينية المسيحية، وتعارض عمتاه بقاءه هناك ولكنهما تتجسسان على سجله في الأحوال المدنية الذي ما يزال يثبت أنه لم يغير دينه. يعيش بترف وبلا مبالاة ويلمع نجمه بسبب جماله وحسن تعامله وكرمه وخفة دمه، ولكن الجدية كانت تنقصه فلا يلتحق بالجامعة إلا في وقت متأخر وقد طلب من عائلته الجديدة أن يذهب إلى بيروت، فوافقت أمه الثانية رخيمة بشرط تعميده، فقبل على عجل غير آبه كعادته بكل المقاييس!
ينزل في بيروت في فندق زهرة الشمال، الذي يديره الأرمني رفول وسط بيروت، ينزل في غرفة مع علي السمسماني القادم من جنوب لبنان والمدمن على بيروت، بعدها يستأجر شقة أولغا فيليبوفنا اللبنانية ذات الأصل الروسي المهووسة بأحد الممثلين العالميين، الذين زاروا بيروت، وتطارده من أجل أن يتزوجها، تاركة زوجها المثلي، تغادر الشقة وهي تكن إعجابا بنظام، الفتي العشريني الذي تكبره بالعمر.
يتعرف نظام إلى خلية شيوعية عن طريق يسرى مكتبي، وتنقل خلية فرج الله الحلو مقرها إلى شقته المطلة على منارة بيروت، وتصبح صالونا سياسيا يعج بالجدالات والنقاشات التي لا تنتهي كعادة أيديولوجيي الستينيات والسبعينيات، الذين أغرموا بالكلام والأحلام على حساب الواقع، ويتجلى ذلك بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية حيث تقاسمتهم بيروت حسب أصولهم الدينية والطائفية، ولم يبق من خلية فرج الله الحلو إلا علاقات ولقاءات عابرة وغير مؤثرة.
يحب نظام يسرى ولكنه سرعان ما يختلف معها، لتكمل مسيرتها النضالية بحمل السلاح والسطو من أجل تمويل التنظيم، ويلقى عليها القبض لتخرج لاحقا في فوضى الحرب الأهلية.
يتعرف نظام على الفنانة التشكيلية جنان سالم، ويعجب بشخصيتها الغامضة التي تنوس بين العبقرية والجنون، يتخلى عن النضال الحزبي، وتصبح هي ولعه بلوحاتها الكئيبة التي تنذر بالمقبل من أيام الحرب الأهلية. على أحد الحواجز يلقى القبض على نظام بالاشتباه بكونه مسلما، ولكنه يترجى المسلح جورج الذي اعتقله، ويتلو عليه قداسات مسيحية حفظها أيام دراسته في المدارس الكنسية، ويخرج له الأيقونة المعلقة في رقبته، ويستعطفه إلى حد الإذلال حتى يتركه، نجا باعجوبة من الموت بعد أن لفوا رأسه بكيس نايلون أسود، واقترب من مكان الإعدام الذي ينفذه جلاد لا يحب أن يرى وجوه ضحاياه في اللحظات الأخيرة قبل أن يطلق عليهم النار.

يحتل فصيل ثوري الشقة ويتشارك بها مع خلية فرج الله الحلو ونظام وصاحبتها أولغا، يغتصب قائد الخلية صاحبة الشقة، وبعدها يأتي بشاحنة وينهب موجوداتها غير عابئ بديانة ولا بتعاطف رفاق الدرب معه ومع نضاله الثوري ضد الرجعية والعمالة للغرب. لكن الحرب الأهلية سرعان ما تتفاقم وتنفجر بيروت، ويجن رفول بعد تدمير فندقه الذي كان واحة لسكان الشمال وتقاطع رسائلهم ووصاياهم.
يخرج نظام من بيروت الشرقية بعد زيارة لجنان في شارع لبنان، بعد حزنه على مرضها ومحاولتها الانتحار، يخرج متحديا ويقف أمام مبنى لتنظيم ثوري اسمه حركة الأفواج الوطنية، ويشتبهون به بعد اكتشاف حمله بطاقة باسم الجبهة اللبنانية، رغم أنه يحمل آية الكرسي في رقبته كأيقونة يتبادل إخراجها أمام الحواجز مع أيقونة مسيحية عن الحبل بلا دنس.
ولكن قائد التنظيم أو المحقق يقرر إعدام نظام بعد سلب ماله، ليكتشف في ما بعد أنه مسلم ومن أنصارهم الثوريين، ولكن التنظيم لا يفعل غير التأسف وتسليم الجثة التي قتل صاحبها بكل لا مبالاة ووحشية التنظمات المسلحة وقت الحرب الأهلية!
اخته ميسلون تأخذه بسيارة إلى طرابلس ويصلّون عليه وهم حائرين أين يدفنونه، هل هو مسلم أم مسيحي، ولكن ميسلون تختطف جثته مع حبيب قديم لها، وتذهب به إلى حورا لتتشارك الحزن على أخيها الغالي مع عائلته الثانية رخيمة وتوما!
يعبر نظام منازل كثيرة من بيت طرابلس إلى بيت الجبل في حورا، إلى فندق رفول، إلى شقته في المنارة، إلى مرسم حبيبته جنان سالم، إلى بيت ميسلون في بيروت، يعبر شريدا بينها مثلما كان شريدا بين الأديان والطوائف والأيديولوجيات التي فشلت في تأهيله كجلاد أو كبوق ناطق باسمها.
كان نظام حرا وكريما مثل البحر، ومثل السماء الصافية التي تتقاطع مع البحر أمام بيتهم في طرابلس، أو أمام شقته في بيروت، ظل هو شريد المنازل، بينما رفاقه صاروا شريدي الأوطان، فقد نزعوا الأغلفة الأيديولوجية وعادوا مجبرين إلى طوائفهم، وفروا إلى السويد وفرنسا وأمريكا ونجوا من الموت، الذي فضّله نظام على المصائر الأخرى التي لم ترق له بكل بساطة!
رواية جبور الدويهي شريد المنازل الصادرة عن دار النهار تتسم برشاقتها وبعدها عن الاسترسال والحشو، تتميز بجملها القصيرة المتوائمة مع مسيرة الأحداث ومشاعر الشخصيات، وتتميز ببعدها عن السجون الأيديولوجية والطائفية، وسخريتها من المألوف الذي يظهر في بعض مقاطعها بشكل لافت، خاصة في المشاهد المسرحية في الرواية التي يضحك فيها نظام في لحظات لا تتطلب الضحك، ولكنه لا يبالي بالآخرين ولا بمواقفهم في لقطات سريالية تعبر عن الجنون المخبوء في كل ما يتعرض له، وما تتعرض بيروت له.
الكثير من الأحداث، والجغرافيا، والتفاصيل، والشخصيات والمشاعر، وبراعة الأسلوب، كل ذلك يؤهل رواية «شريد المنازل» للقراءة اليوم وغدا، رغم مرور الزمن على صدور طبعتها الأولى في عام 2010 ومرور خمس سنوات على رحيل كاتبها، وتستمر قراءتها ما استمرت آثار الحرب الأهلية في بيروت، وما دامت وحشية الحروب الأهلية في العالم العربي تتناسل بلا نهاية قريبة!

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *