الاقتصاد الفرنسي في مأزق… نمو متعثر وعجز عام مرشح للتفاقم


باريس- “القدس العربي”: يتجه الاقتصاد الفرنسي إلى تسجيل أحد أضعف معدلات النمو في العقود الأخيرة، بعدما خفّض المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026 إلى 0.4% فقط، مقابل 0.7% التي كانت الحكومة تراهن عليها حتى وقت قريب.

وفق المعهد الوطني للإحصاء، ستكون فرنسا الاقتصاد المتقدم الكبير الوحيد الذي يشهد تباطؤًا ملحوظًا في النشاط الاقتصادي خلال عام 2026؛ ولا يمثل هذا الضعف مجرد تباطؤ عابر، بل يكشف عن تراجع فرنسا مقارنة بأبرز شركائها الأوروبيين. ويعني هذا التراجع أن الاقتصاد الفرنسي سينمو بوتيرة تقل بنحو ثلاث مرات عن منطقة اليورو، التي يُتوقع أن يبلغ نموها 1.1% خلال العام نفسه، مقابل 0.9% وفق تقديرات البنك المركزي الأوروبي. كما يُنتظر أن تسجل ألمانيا وإيطاليا نموًا قريبًا من 1%.

يشكل هذا التطور تحولًا لافتًا، إذ كانت فرنسا خلال عامي 2024 و2025 أقرب إلى المتوسط الأوروبي، رغم تواضع معدلات النمو؛ قبل أن تبدو الفجوة مع الاقتصادات الأوروبية الرئيسية أكثر وضوحًا في عام 2026.

الاقتصاد الفرنسي سينمو بوتيرة تقل بنحو ثلاث مرات عن منطقة اليورو، التي يُتوقع أن يبلغ نموها 1.1% خلال العام 2026، مقابل 0.9% وفق تقديرات البنك المركزي الأوروبي

يأتي هذا التراجع في وقت تبدو فيه اقتصادات أخرى في منطقة اليورو وكأنها تستعيد بعض الزخم، مدفوعة خصوصًا بالطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي وبخطط زيادة الإنفاق العسكري، حيث يشير تقرير المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) إلى أن ضعف النمو الفرنسي ليس وليد الظروف الحالية فقط، بل يندرج ضمن مسار أوسع من تباطؤ النمو على المدى المتوسط والطويل.

فبين عامي 2012 و2019، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي بنسبة 9.85%. أما خلال السنوات السبع الممتدة من عامي 2020 إلى 2026، فلا يتوقع أن تتجاوز الزيادة 6.9%، أي بمعدل يقل بنحو 30% عن الفترة السابقة.

وتبدو توقعات النمو هذه لعام 2026 شديدة السلبية، حيث إن البلاد لم تسجل منذ عام 1950، وباستثناء السنوات التي شهدت انكماشًا في الناتج المحلي الإجمالي، سوى سنة واحدة كان فيها النمو أضعف من المتوقع لعام 2026، وهي سنة 2012 حين بلغ 0.2%. مع الإشارة إلى أن عام 2008 سجل معدل نمو مماثلًا تقريبًا، لكنه جاء في سياق أزمة اقتصادية عالمية انتهت بانهيار حاد في النشاط الاقتصادي خلال نهاية العام.

وبالتالي، فإن معدل 0.4% المتوقع لعام 2026 يعكس ضعفًا اقتصاديًا استثنائيًا، ويعزز المخاوف بشأن استمرار التراجع الهيكلي للاقتصاد الفرنسي. ويعزو المعهد الوطني للإحصاء خفض توقعاته من 0.7% إلى 0.4% إلى أربعة عوامل رئيسية:

أولها، موجة الحر.. فقد كان الصيف شديد الحرارة أحد العوامل المباشرة التي أثرت في النشاط الاقتصادي، خصوصًا القطاع الزراعي. ويُقدّر أن موجة الحر ستقتطع نحو 0.1 نقطة مئوية من النمو خلال العام. كما أنه من المتوقع أن تتراجع القيمة المضافة للقطاع الزراعي بنسبة 2.5% خلال الربع الثالث وحده، وبنسبة 6.2% على مدار عام 2026.

ثانيا، تباطؤ قطاع البناء والأشغال العامة.. فقد تأثر هذا القطاع بدوره بتباطؤ النشاط عقب الانتخابات البلدية الأخيرة، حيث تراجع النشاط في قطاع البناء بنسبة 0.4% خلال الربع الثالث، بينما يُتوقع أن ينخفض بنسبة 2.2% خلال العام بأكمله. ويشير محللون إلى أن الفترة الفاصلة عادة بين الانتخابات واستئناف المشاريع موجودة دائمًا، لكن التباطؤ المسجل هذا العام كان أكثر حدة من المعتاد.

ضعف الاستهلاك وارتفاع الأسعار يضغطان على القدرة الشرائية.. فهذان العاملان أكثر ارتباطًا بالمشكلات الهيكلية للاقتصاد الفرنسي

ثالثا ورابعا، ضعف الاستهلاك وارتفاع الأسعار يضغطان على القدرة الشرائية.. فهذان العاملان أكثر ارتباطًا بالمشكلات الهيكلية للاقتصاد الفرنسي، حيث يتوقع المعهد الوطني للإحصاء ألا يتجاوز نمو استهلاك الأسر 0.3% في 2026، بعد ارتفاعه بنسبة 0.7% في 2024 و0.5% في 2025.

ويأتي هذا التراجع نتيجة ضغوط متعددة، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة بفعل الحرب في إيران، إضافة إلى تأثير موجة الحر على أسعار المنتجات الغذائية الطازجة، ولا سيما الخضروات.

كما يتوقع المعهد الوطني للإحصاء ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 2.3% خلال عام 2026، مقابل 0.9% في 2025. لكن متوسط العام لا يعكس بالضرورة مسار الأسعار في نهايته؛ إذ يُتوقع أن يصل التضخم في شهر ديسمبر إلى 2.9% على أساس سنوي، مقارنة بـ2.4% في أغسطس.

يُتوقع كذلك أن ترتفع أسعار المنتجات النفطية بنسبة 25.7% على أساس سنوي، ما سيزيد الضغوط على الأسر والشركات. لا يُتوقع أن يسجل متوسط الأجر الحقيقي للفرد في القطاع الخاص أي نمو، بينما يُنتظر أن يتراجع في القطاع العام بنسبة 0.8%، بعد انخفاض بلغ 0.7% في 2025.

هذا الضعف الاقتصادي لا يقتصر أثره على النمو ومستوى معيشة الأسر، بل ينعكس مباشرة على المالية العامة.. فمع تباطؤ النشاط الاقتصادي وضعف الاستهلاك والدخول، تصبح مهمة الحكومة في السيطرة على العجز العام أكثر صعوبة.

وعلاوة على مشروع قانون المالية لعام 2027، تبدو احتمالات تجاوز العجز العام خلال عام 2026 نسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي أكثر ترجيحًا.

وعليه، يجد الاقتصاد الفرنسي نفسه أمام معادلة صعبة: نمو ضعيف، استهلاك متراجع، ضغوط تضخمية، أجور حقيقية راكدة، وبطالة تتجه إلى الارتفاع، في وقت تواجه فيه المالية العامة ضغوطًا متزايدة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *