رواية «ترف الانكفاء» … من الصحراء إلى سجن الذات


يسعى وائل الحفظي في روايته البكر «ترف الانكفاء» الصادرة عن دار الآداب 2025، نحو تحديد أبعاد سرد جديد ومغاير في الخطاب الأدبي الخاص بالأدب الخليجي، أو ما يمكن تسميته بأدب الصحراء، منذ عبد الرحمن منيف ومدن ملحه، الذي لم يحفر في المستويات النفسية والاجتماعية الخاصة بالإنسان كفرد، وهوية شخصية، تُبنى وتُرسم ملامحها ضمن صيرورة داخلية قادرة على تكوين رؤية للواقع والعالم من حولها، وفي الآن ذاته تتصدى لتحديات القسر الخارجي، الذي يقصي الشخصية الفردية ويزج بها في الانتماءات الأولية والقبلية.
وللوهلة الأولى قد يتوقع القارئ أن رواية الحفظي، لن تشذ عن المشهدية العامة للأدب العربي الخليجي عموماً والسعودي خصوصاً، ولن تأخذه نحو ميادين وأماكن جديدة ومختلفة في السردية الروائية السعودية، غير أنها وبتؤدة وأناة تشرع بمنح قرائها صدماتها وأقنعة كاتبها ورؤيته للعالم من حوله،، حيث يخيب الحفظي منذ الصفحة الأولى آمال القارئ والقارئة بنصٍ قد يكون مفهوما ضمناً وسلفاً، ومتحصناً بصور لا تشي إلاّ بتمثيلات الرواية السعودية التي حددها روادها الأوائل، والمأسورة دوماً بجغرافيا الأمكنة، وتلك القصص الرامية إلى التخفي والاستتار في أزقة الغياب والمسكوت عنه.
حيث يأخذنا الكاتب عبر ضمير بطله المتكلم، بل الصارخ في البرية، وينقلنا من ترف عزلة كونية إلى طرف صحراء افتراضية، مُتخفّفة من المكان والزمان والأحداث، إذ ينعزل الحفظي (البطل) ويعتزل مجريات واقع لم يكن يوماً واقعه، ليلوذ بشخصية محكمة البناء والتناقضات والالتباسات، وتتمتع بخسارات لا تصلح سوى لتأثيث رواية تلقي حمولتها الثقيلة والكثيفة في تيار الوعي الجارف، هذا التيار الذي يصعب التحكم فيه، لأنه لا يصب دوماً في مرامي ومنشود كاتبه.

ولتيار الوعي شؤون لدى الكاتب الشاب المستغرق في ترف الخسارات وليس العزلة فحسب، ليجيد الأداء واللعب على حبال الوعي والنفس البشرية، والتأمل في عالم لم يعد ينتمي له، بل إنه لم يكن لينتمي له أبداً، وبهذا يستعيض الحفظي بالصدمات دون مجريات الواقع وأحداثه وحكاياته المتعددة، رغم محاولته الجيدة في رسم حدود لأصوات أبطاله، تحديداً بطله الرئيسي، الذي قرر ممارسة الاعتزال بأكبر قدر ممكن من عبث التأمل في عالم هو السجن وهو الغريب الأطوار لا البطل الذي لا يزودنا الكاتب باسمه وعمره، ولا حتى بوجه واضح الملامح، إذ لا يمنحنا سوى تأملاته وعجائبيته السوداوية في رؤيته لواقع لم يتحدد جغرافياً، لكنه تحدد زمانياً.
وللزمن لدى الحفظي كل الاستحواذ السردي المضبوط على إيقاع وقتي متخفّف من كرونولوجية الواقع ومجرياته السطحية والفارغة من معاني الزمن الحقيقي زمن العزلة وعزلة الزمن، وهذا هو النسيج المتين والمتماسك الذي نسجه الحفظي ببراعة، عندما أمسك بزمام زمنه السردي وضبطه بإحكام وقدرة خلاّقة على تكثيف أكبر قدر ممكن من نزعات البطل الجوانية، وصقلها مرآة يضعها قبالة قرائه، ليواجهوا عبرها ما خفي في سرائرهم.
في «ترف الانكفاء»، يقدم الحفظي ذاته الروائية ككاتب يمتلك القدرة على احتراف اللعب بتقنيات سردية معهودة، وأخرى تجريبية يسعى من خلالها إلى الإمعان في بقاء القارئ/ة متيقظاً، بلغة مراوغة ورشيقة، لا تعاني من سمنة بلاغة لا حاجة لها، في نص منذ البدء يبحث كاتبه بكل هدوء وتحايل وأناة عن كيفية إحداث الصدمة لدى المتلقين، من دون الحاجة للاستعانة بلغة استعراضية مُفخّمة بهواجس المرة الأولى، وكأنه يتلبّس بطله حين يقترف روايته البكر بمعزلٍ عن مقبولية وديباجة الرواية السعودية المعهودة.

كما أن الحضور الأنثوي من خلال استدعاء طبيبة نفسية، قد يكون حيلة الكاتب الخفية لربما في التخفيف من ذكورية بطله، التي تلوح من شنبه وترف انكفائه، لتتجلى المرأة بأكثر من تمثيل، بدءاً من أم البطل الراحلة وجارته البكماء ووصولاً للطبيبة النفسية، التي كان للحوار معها منافذ ولج منها الحفظي ليعبّر عن تصوراته هو، لا تصورات بطله فحسب. غير أنه وفي لحظة حاسمة من لحظات السرد يقرر الكاتب الخروج والارتداد عن تيار وعيه الخاص، ليتماهى مع مناخات رواية «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، حين يعزم بطل الحفظي على حين غرة قتل جارته العجوز خنقاً وبكل هدوء ودم بارد، في تشابه مع راسكولنيكوف بطل الجريمة والعقاب، حين قتل المرابية العجوز باستخدام فأس وبطريقة دموية فظيعة.
ويبقى السؤال في هذا الجانب الختامي للرواية، لماذا قرر بطل الحفظي قتل المرأة العجوز ولم يقم بقتل صاحب البيت السمين الذي يمقته البطل شديد المقت؟ وهل يمكن القول أيضاً إن رواية «ترف الانكفاء»، ما هي إلا محاولة جريئة لسعيٍ حثيث نحو تسليط الضوء على سجون العالم وقضبانه، التي هي بمثابة تحديات وأعباء التقدم والحداثة؟ وبهذا تغدو ديستوبيا نفسية وليست مادية متحددة زمانياً ومكانياً.
ولربما الإجابات على هذه التساؤلات هي ما سيدفع وائل الحفظي، إما نحو التوغل أكثر في عوالم الانكفاء ووضع المزيد من القضبان التي تفصله عن سجن العالم، أو انكفاء مُحبّذ عن الانكفاء ليعلن عن حضوره الهادئ الذي يخفي عواصف رواياته المقبلة.

كاتب فلسطيني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *