تونس – «القدس العربي»: أثارت زيادة في أسعار مئات الأدوية بتونس جدلاً واسعاً، دفع بعض السياسيين لمطالبة الحكومة بعدم حل أزمة نقص السيولة على حساب التونسيين.
وكانت الصيدلية المركزية أعلنت في تموز/ يوليو الماضي زيادة في أسعار أكثر من 300 نوع من الأدوية، قال بعض المراقبين إنها تتجاوز 500 في المئة على بعض الأدوية، على أن يبدأ تطبيقها من بداية الشهر الجاري.
وأكد النائب الطاهر بن منصور أن الزيادة الجديدة في بعض الأدوية تتراوح بين 200 و500 بالمئة، متسائلاً: «هل ينقذ الترفيع في حوالي 300 صنف من الدواء الصيدلية المركزية من أزمتها؟».
أزمة هيكلية
وأشار إلى أن الزيادات الجديدة تأتي «وسط أزمة مستمرة تعيشها الصيدلية المركزية انعكست سلباً على تعاقدها مع الصيدليات الخاصة التي تراكمت مستحقاتها، أكثر من 200 مليون دينار، وسط أزمة هيكلية تعيشها الصناديق الاجتماعية التي تراكم عجزها حتى وصل حوالي 10 آلاف مليون دينار (الدولار حوالي 3 دنانير)».
وتساءل بن منصور مجدداً: «هل تعتقد الحكومة أن الزيادات المتكررة في أسعار الأدوية قد تخرجها من هذه الأزمة؟ وهل قدر المواطن أن يدفع -دوماً- من صحته وحياته ضريبة خيارات وتوجهات خاطئة؟ وإلى متى ستتواصل هذه الأزمات الهيكلية والمالية لدى عديد المؤسسات والمنشآت العمومية؟
وكتب الأمين لعام للحزب الديموقراطي، هشام العجبوني، بتهكم: «مبروك الزيادة في أسعار قائمة طويلة وعريضة من الأدوية».
وأضافت: «زيادات بنسب هامة جداً بدون أي تفسير عن أسبابها ومسبّباتها من الصيدلية المركزية».
وتساءلت منظمة أليرت المتخصصة بالشفافية: «كيف تخلت الدولة عن مرضاها بين ليلة وضحاها؟».
واستنكرت الزيادة لخمسة أضعاف بأسعار بعص الأدوية الهامة التي يعتمد عليها آلاف المرضى يومياً في تونس.
واستدرك، في بيان على موقع فيسبوك: «الحقيقة أن هذه الأسعار كانت فعلاً منخفضة بشكل غير منطقي اقتصادياً. منظومة تسعير الدواء في تونس بُنيت منذ الثمانينات على مبدأ التحكم الإداري الكامل، حيث تتولى الدولة، عبر الصيدلية المركزية التونسية، احتكار الاستيراد وتوزيع الأدوية بأسعار موحدة على كامل التراب الوطني. لعقود طويلة، ظل هذا النموذج يوفر عدالة سعرية نادرة، لكنه بُني على افتراض أن الدينار لن يتراجع، وأن كلفة الاستيراد ستبقى مستقرة، وهو ما لم يحدث».
وأضاف البيان: «النتيجة اليوم واضحة: كلفة شراء الأدوية لدى الصيدلية المركزية قفزت من 30 مليون دينار سنة 2021 إلى 300 مليون دينار سنة 2024، أي بزيادة تفوق 900 بالمائة في ثلاث سنوات فقط، بينما تراكمت عليها ديون غير مسددة من المستشفيات والصناديق الاجتماعية تفوق 1.26 مليار دينار. مؤسسة أنهكها دور «التعويض» الذي تلعبه منذ سنوات، حين تشتري الدواء بسعر عالمي وتبيعه بسعر محلي مجمّد لا يعكس لا سعر الصرف ولا كلفة الإنتاج الحقيقية».
فشل منظومة الأدوية
لكن المنظمة اعتبرت في المقابل أن «رفع الدعم عن هذه الأدوية كان خطوة ضرورية لإنقاذ الصيدلية المركزية من الانهيار. غير أن ما يثير القلق ليس فقط حساسية الأدوية المعنية بهذا القرار، وهي أدوية حيوية لا بديل عنها لمرضى القلب والغدة الدرقية وأمراض مزمنة أخرى، بل طريقة اتخاذ القرار نفسها. فهذا لا يشبه إصلاحاً مُداراً بإرادة سياسية واضحة، مصحوباً بتدابير مرافقة وتواصل مؤسساتي مسؤول، بل يشبه أكثر قراراً اتُخذ من موقع ضعف، تحت ضغط غير مسبوق على مالية الدولة، وتحديداً على مخزونها من العملة الصعبة التي أصبحت شحيحة إلى درجة لم تعد تسمح لتونس بمواصلة تحمّل فاتورة استيراد الدواء بأسعار مجمّدة».
ودعت إلى «الشفافية الكاملة حول هذا القرار، وإلى وضع خطة واضحة لإصلاح شامل لمنظومة تسعير الدواء تشمل مراجعة دورية للأسعار، إصلاح فعلي لتمويل الصيدلية المركزية، وربط أي إصلاح مستقبلي بسياسة أجور تحمي القدرة الشرائية للتونسيين، لا سياسة ترقيع تُلقي بكامل العبء على أضعف حلقات المنظومة الصحية: المريض نفسه».
وكتب النائب محمد علي: «لا تُحمّلوا المرضى فاتورة فشل إصلاح منظومة الدواء»، معتبراً أن الزيادات الجديدة في أسعار عدد كبير من الأدوية جاءت «في ظرف اقتصادي واجتماعي دقيق تعيشه البلاد، تتزايد فيه الضغوط على القدرة الشرائية للأسر، بما يجعل أي زيادة في كلفة العلاج محل اهتمام وانشغال مشروعين».
وأضاف: «لا أحد ينكر أن منظومة الدواء في تونس تواجه منذ سنوات صعوبات مالية وهيكلية متراكمة، وأن الصيدلية المركزية تعيش ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع كلفة التوريد، وتراكم الديون، والاختلالات التي تعرفها منظومة التمويل. كما أن ضمان تواصل تزويد السوق بالأدوية يمثل هدفًا وطنيًا لا يختلف حوله اثنان».
واستدرك بالقول: «لكن في المقابل، لا يمكن أن يكون المريض هو المتغير الذي يُلجأ إليه كلما تعمقت الأزمة. فالدواء ليس سلعة كغيرها يمكن للمواطن أن يؤجل شراءها أو يستغني عنها، بل ضرورة حياتية بالنسبة لآلاف المرضى، وخاصة المصابين بالأمراض المزمنة، الذين لا يملكون رفاهية الاختيار بين العلاج ومتطلبات العيش الأخرى».
ودعا علي إلى «إعداد برنامج وطني شامل لإصلاح منظومة الدواء يعالج أسباب الأزمة ويضمن استدامتها، وحماية المرضى، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة والفئات محدودة الدخل، من أي أعباء مالية قد تحول دون مواصلة العلاج، ومراجعة منظومة تمويل الصيدلية المركزية وتسوية مستحقاتها بما يضمن انتظام التزود بالأدوية، وإصلاح منظومة التأمين على المرض وتعزيز قدرتها على تحمل نفقات العلاج».
كما دعا إلى «دعم الصناعة الدوائية الوطنية وتشجيع تصنيع البدائل المحلية ذات الجودة، بما يعزز السيادة الدوائية ويقلص من التبعية للتوريد، واعتماد آليات واضحة وشفافة للتشاور مع جميع المتدخلين قبل اتخاذ القرارات التي تمس قطاع الدواء، ووضع سياسة وطنية للأمن الدوائي تقوم على التخطيط الاستراتيجي، وتضمن توفر الأدوية الأساسية بصورة مستمرة وبأسعار تراعي الواقع الاقتصادي للمواطن».
وتوعد بـ»مساءلة الحكومة حول الأسس التي بُني عليها هذا القرار، ومدى تقييمها لانعكاساته الاجتماعية، والإجراءات التي تعتزم اتخاذها لحماية أصحاب الأمراض المزمنة والفئات محدودة الدخل، فضلاً عن فتح نقاش وطني حول إصلاح منظومة الدواء، يشارك فيه جميع المتدخلين، ويضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار».
توزيع الفقر والمرض
واستنكر النائب السابق مجدي بوذينة الزيادة الكبيرة والتي أكد أنها بلغت خمسة أضعاف سعر بعض الأدوية.
وأضاف، ساخراً: «الدولة الاجتماعية كانت توزّع الفقر بطريقة عادلة، فأضافت إليه المرض، اليوم تساوى لدينا الفقر والمرض بين الطبقات الضعيفة والمتوسطة، لأن الأثرياء عندهم تأمين صحي ولا يدفعون أي شيء عندما يمرضون».
وتحت عنوان «أزمة الدواء في تونس. الحلقة التي يدفع ثمنها المواطن»، أصدر حزب التكتل بياناً مقتضباً، قال فيه: «عندما يذهب المواطن إلى الصيدلية ولا يجد دواءه، فإن المشكلة لا تبدأ من الصيدلية، بل هناك حلقة مالية كاملة».
وأوضح البيان: «المستشفيات والمؤسسات الصحية تتراكم عليها الديون. والصيدلية المركزية تنتظر سداد مستحقاتها. والموردون الدوليون ينتظرون سداد فواتيرهم. يقلّ التوريد أو يتأخر وصول بعض الأدوية. والمواطن يتحمل النقص وارتفاع الأسعار».
وتابع الحزب في بيانه: «المشكلة ليست فقط في توفر الدواء في الأسواق العالمية، بل في طريقة إدارة الدورة المالية للدواء داخل تونس. عندما تتعطل حلقة واحدة يتأثر حق المواطن في العلاج».
فيما نقلت إذاعة موزاييك المحلية عن «مصدر مطّلع» من الصيدلية المركزية قوله إن «الزيادة في أسعار بعض الأدوية شملت عددًا قليلًا من الأصناف لم يتم تعديل أسعارها منذ سنوات»، نافيًا ما تمّ تداوله حول وجود زيادات مشطة في أسعار الأدوية.
وأوضح المصدر أنّ «مراجعة الأسعار شملت عدداً محدوداً من الأدوية المستوردة والزيادة كانت في حدود بضعة دنانير فقط، وتمّ اعتمادها نظراً لارتفاع أسعارها وتكاليف توريدها، والهدف من تعديل الأسعار هو ضمان مواصلة توفير هذه الأدوية وتفادي أي اضطراب في تزويد السوق».