هربا من الفقر والجدب، إثر تفشّي وباء الكوليرا، غادر سيْل قريته «بريدة» مع ثمانية رجال آخرين ساعين إلى الرزق في الكويت. كان ذلك في النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين، حيث لم تكن الوفرة قد بلغت منطقة نجد بعد، وكان سيل ومن معه من أهلها.
في أحوال عيش قاسية اشتغل المهاجرون بالبناء، ثم انفرد سيْل عن رفاقه بالعمل غوَّاصا باحثا عن اللؤلؤ. وقد برع في مهنته الخطرة حتى إنه، في وقت قصير، نجح في أن يكون بين أوائل الغواصين على السفينة. كان يريد أن يحصّل من شغله ما يمكّنه من أن يعود حاملا كمية من المال تمكّنه من تلبية حاجات عائلته التي تركها. لكن أثناء ما كان متنقّلأ في البحر أغرقت العاصفةُ إحدى السفن، وقد عمّ خبرها سائر الخليج. عندها بلغ قريته، إن سيْل كان في عداد الغرقى، ما جعل أحد تجار المدينة يطنب في ملاحقة زوجته والإلحاح عليها بالزواج مستخدما لذلك تهديدها بدَيُن لم يسدّده والدها. كان سيْل في تلك الأثناء يستأنف هجرته واصلا بها إلى الهند، التي حقّق فيها ثراء أغراه بتمديد إقامته. وحين عاد إلى قريته رجلا ثريا، وكان ذلك في يوم زفاف زوجته، أُسقط في يده إذ كان مولعا بها، ثم قرّر أن يستعيدها بعد علمه بأنها ظلّت في ذاك الزواج على حالها لم تُمسّ.
منذ بدايتها تجذب الرواية قرّاءها بأخذهم إلى عالم يعرفونه بفطرتهم، يزيده قربا إليهم ما حملته حكايات من حياة البادية، تلك التي نقلتها إليهم روايات شاعت بينهم مثل، «فيروز شاه» و»تغريبة بني هلال» وحكايات قصيرة مثل «عاشق المرحومة» وسواها. لم تكن الحياة في الخليج العربي قد شهدت التغيّر الذي عرفته في ما بعد. كانت المعاملات التجارية، كما عاشها سيْل، تجري على مقتضى ما تنقله الأحاديث الشفوية، عن زمن ما قبل قوانين القضاء الحديثة. كما أن علاقات الزواج بين الأُسر ما تزال تجري قبل أن تداخلها الاجتهادات الوافدة من حضارات الغرب، أي أن ما سيقرأه القرّاء لم ينقطع تماما عما تحمله الذاكرة من تقاليد ما زال معمولا بالكثير منها، أي أنها قراءة مكتنفة بالحنين إلى الزمن الذي ما زالت علامات منه باقية. والرواية في بنيتها السرديّة لم تبتعد عن بساطة ذلك العالم، الأشخاص المختلفون الذين التقاهم سيْل في تنقلاته بين البلدان، طيبون كلهم لم يداخل نفوسهم المكر الذي حمله معه تعقّدُ التجارة واتساع رقعها الجغرافية إلى بلاد لا تتصّل بتاريخنا. هنا فقط نقرأ عن الجِدّة التي بدأت في البلد القريب (الكويت)، أما أقصى ما يبلغه حلم بطلنا سيْل فهو الهند التي ترجع التجارة معها إلى تاريخ قديم. لذلك تبدو الرواية كأنها كتبت بروح ذلك الزمن حيث الكاذب لا يلبث أن ينكشف، والفاسد لن يتأخر فضحه، وصاحب الحقّ سيحظى بحقّه، قبل فوات الأوان.
وفي هذا العالم المحافظ شديد الصلة بتقاليد زمنه، كان سيّل يحقّق ثروته بالتدريج، وملتزما في الوقت نفسه، البقاء بعيدا من إغراء النساء، شأن التزام زوجته، بعد زواجها من غيره، على عفّتها. كان أحد العارفين بأحوال البشر قد زوّد مهاجرين بريدة التسعة بحصص من الكافور تعصمهم من الوقوع في إغراء النساء، ذاك الذي لم يستجب سيْل إلى نداءاته. ظل محافظا على حصّته تلك، محفوظة كما تسلّمها، رغم الإغراءات التي تعرّض لها في تنقّلاته. ولم يكن ذلك تفصيلا عرضيا في الرواية التي حملت اسمه «ورق الكافور»، بل أريد له أن يكون محورا من محاورها الأساسية، على الرغم من أهوال تلك الهجرة وصروفها، وكذلك على تغيّر أحوال البلدان وعلى رأسها تسلم الملك عبد العزيز قيادة السعودية.
«ورق الكافور» رواية تحمل قارئها إلى زمن البراءة الجميل، حيث البشر يتّسمون بالوفاء في معاملاتهم وعلاقاتهم. أما الماكرون منهم، وهم القلّة، فسريعا ما يلقون جزاء أفعالهم. لا معضلة وجودية وأخلاقية، على نحو ما تسعى الأعمال الروائية إلى الإنتباه إليه والوقوف عنده. لم تُكتب الرواية بعد ملاحظة قارئها أن هناك تغيّرات تجري ينبغي رصدها. فالعالم متجانس مع مبادئه التي لا يخرقها إلا من كان عديم الأصل وقليل الوفاء.
ما نقرأه هو قطعة من عالم قديم جرى إلباسه لبوسا متأخّرا. وقد لاءم ذلك البنية السردية للرواية التي كتبت بتسلسل مشوّق ظلّ بمنأى عن التقنيات المتجدّدة التي أُدخلت، وإن متأخرّة، إلى الروايات العربية، لتعمل على تعقيدها.
*»ورق الكافور» رواية عبد الله العرفج صدرت عن دار نوفل في 227 صفحة لسنة 2026.
كاتب لبناني