طرابلس – «القدس العربي»: شهدت ليبيا خلال الأيام الأخيرة تصاعدا ملحوظا في الجدل المرتبط بملف الهجرة غير النظامية، بعد انتشار معلومات وشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي حول وجود مشاريع أو ترتيبات تهدف إلى توطين المهاجرين داخل البلاد، الأمر الذي أثار موجة واسعة من القلق الشعبي والسياسي، ودفع عددا من الجهات الرسمية والتشريعية والأممية إلى إصدار بيانات متتالية للتعليق على القضية وتوضيح مواقفها منها، بالتزامن مع دعوات للتظاهر أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في طرابلس للمطالبة بإغلاقه ورفض أي خطوات قد تفضي إلى استقرار المهاجرين بصورة دائمة داخل ليبيا.
وفي هذا السياق، أكدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بحكومة الوحدة الوطنية متابعتها لما وصفته بحالة القلق المتزايدة لدى المواطنين بشأن تنامي تدفقات الهجرة غير النظامية وما يترتب عليها من تداعيات أمنية واقتصادية واجتماعية، مجددة تمسكها بالموقف الرسمي الرافض لأي شكل من أشكال التوطين أو التسكين داخل الأراضي الليبية.
وأوضحت الوزارة أن من حق المواطنين التعبير عن آرائهم ومخاوفهم إزاء القضايا الوطنية، لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة تحري الدقة وعدم الانجرار وراء الشائعات أو المعلومات غير الموثقة التي قد تسهم في زيادة التوتر أو الإضرار بالمصلحة الوطنية.
ودعت الخارجية إلى التعبير عن المواقف والآراء عبر الوسائل السلمية التي يكفلها القانون، محذرة من أي أعمال أو ممارسات قد تؤثر على مصالح الدولة أو علاقاتها الدولية، كما شددت على ضرورة احترام حرمة البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية العاملة في ليبيا وضمان سلامة العاملين فيها وعدم التعرض لها بأي شكل من الأشكال.
وجاء بيان وزارة الخارجية بالتزامن مع استمرار الدعوات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم احتجاجات أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العاصمة طرابلس الخميس المقبل، رفضا لما يصفه ناشطون بمحاولات توطين المهاجرين داخل البلاد.
من جانبها، أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها من تصاعد انتشار المعلومات الخاطئة والمضللة والخطابات التحريضية التي تستهدف أفرادا أو مجموعات بعينها، محذرة من تأثير هذه السرديات على الأمن المجتمعي والاستقرار العام.
وأكدت البعثة في بيان أن نشر المعلومات غير الدقيقة وخطاب الكراهية يمكن أن يؤدي إلى زيادة التوترات الاجتماعية وتعميق حالة انعدام الثقة بين مكونات المجتمع، مشيرة إلى أن مثل هذه الخطابات قد تسهم في تأجيج العنف وتفاقم الأوضاع الأمنية.
وشددت الأمم المتحدة على التزامها بالتعاون مع السلطات الليبية ووسائل الإعلام المختلفة من أجل توفير المعلومات الموثوقة وتعزيز الوعي العام، داعية المواطنين والمؤسسات إلى التحقق من صحة الأخبار والاعتماد على المصادر الرسمية قبل تداول أي معلومات.
كما دعت السلطات الوطنية إلى مواصلة جهودها لمواجهة التحريض والأخبار الكاذبة وفق الأطر القانونية واحترام مبادئ حقوق الإنسان، مؤكدة أن مكافحة خطاب الكراهية يجب أن تستند إلى المساءلة القانونية والإجراءات السليمة دون المساس بالحريات الأساسية.
وفي موازاة ذلك، دخل مجلس النواب على خط الجدل الدائر بإصدار بيان أكد فيه رفضه القاطع لأي مشاريع أو سياسات أو ترتيبات يمكن أن تؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى توطين الأجانب أو إحداث تغيير ديمغرافي في البلاد.
وأوضح المجلس أن حماية الهوية الوطنية والتركيبة السكانية الليبية تمثل أولوية وطنية وخطا أحمر لا يمكن التهاون بشأنه، مؤكدا أن ليبيا لا يمكن أن تتحمل تداعيات السياسات الدولية والإقليمية المتعلقة بملف الهجرة على حساب أمنها القومي واستقرارها الداخلي.
وطالب مجلس النواب جميع المؤسسات التنفيذية والأمنية والرقابية بضرورة الالتزام الصارم بالتشريعات والقوانين النافذة، وعلى رأسها قانون مكافحة توطين الأجانب، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي ترتيبات يمكن أن تفسر على أنها تمهيد لمشاريع توطين داخل البلاد.
وأشار المجلس إلى أن الأولويات الوطنية الحالية ينبغي أن تتركز على معالجة المشكلات التي يواجهها المواطن الليبي، وفي مقدمتها أزمة السكن وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية، معتبرا أن هذه الملفات أكثر إلحاحا من أي قضايا أخرى.
وفي السياق نفسه، نفت وزارة العمل والتأهيل بحكومة الوحدة الوطنية بشكل قاطع صحة المعلومات المتداولة بشأن وجود خطط لتوطين المهاجرين أو تخصيص مساكن لهم تحت إشراف الوزارة.
وأكدت الوزارة أن اختصاصاتها تقتصر على تنظيم ومتابعة أوضاع العمالة الأجنبية التي دخلت البلاد بصورة قانونية، موضحة أن ملفات الهجرة غير النظامية تقع ضمن اختصاص الجهات الأمنية المعنية وفقا للتشريعات المعمول بها.
وأشارت إلى أن القوانين المنظمة لسوق العمل تلزم أصحاب الأعمال بالحصول على الموافقات القانونية اللازمة لاستقدام العمالة الأجنبية، مع إعطاء الأولوية لتشغيل الكوادر الوطنية، مؤكدة استمرار جهودها في حماية سوق العمل الليبي والحد من العمالة غير القانونية.
كما حذرت الوزارة من تداول الأخبار غير الدقيقة، داعية وسائل الإعلام ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى الاعتماد على المصادر الرسمية، ومؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في ملاحقة كل من يروج لمعلومات مضللة.
ويأتي هذا الجدل في ظل تقديرات رسمية تشير إلى وجود نحو 2.5 مليون أجنبي داخل ليبيا، بينهم نسبة كبيرة دخلت البلاد بطرق غير نظامية، ما يجعل ملف الهجرة واحدا من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في المشهد الليبي. وبينما تؤكد السلطات الرسمية رفضها القاطع لأي مشاريع توطين، تستمر المخاوف الشعبية من تنامي أعداد المهاجرين وانعكاسات ذلك على الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، في وقت تدعو فيه الأمم المتحدة إلى تجنب خطاب الكراهية والاعتماد على المعلومات الموثوقة، وسط ترقب لما قد تسفر عنه التحركات والاحتجاجات المعلنة خلال الأيام المقبلة.