لا شيء بإمكانه أن يبدد غيوم حزني من أجل أن ابتهج بالضياء في هذا الفجر، الذي يوشك على نهايته، سوى ذكرى تلك اللحظات المدهشة التي قضيتها معك، فمنذ اليوم الذي انتظرتك في مطار فاس رفقة المستشار الثقافي للسفارة الفرنسية، حيث ربيع الفلسفة في فاس اشهى من فصل الربيع، وأنا أجمع بعناية لحظة ثم لحظة كمن ينقب عن الذهب، فليس بوسع الإنسان أن يقدر عظمة اللقاء بك إلا إذا كان فيلسوفا، وأي شيء باستطاعته أن يمتعنا معا إنه شيء واحد، وواحد فقط: الفلسفة، هي ما يجعل الحياة سعيدة وممتعة، بطرد جميع الآراء الزائفة وتطهير الروح من الشر والكراهية والحقد، وتحكم عليها بالابتهاج والفرح المطلق.
كان الحوار معك عميقا ولذيذا، حيث كنت أفضل الصمت والاستماع إلى حكمتك والتفت أتملى وجه طبيبتي وقد عادت إليّ نشوتي وثبتّ عيني عليها، فعرفت فيها مربيتي التي نشأت في بيتها منذ شبابي – الفلسفة «إن الحياة التي لا تخضع للفلسفة هي حياة لا تستحق أن تعاش» كما قال معلمنا سقراط.
وبمجرد ما وصلنا إلى قصر المؤتمرات، كان عشاق الحكمة في انتظارك ولم نتمكن من الاختفاء ونفتح باب الإنصات لمحبة الحكمة، بل كان الكل يريد أخذ صورة معك وكثرة الصور والزمن لا يرحم والتمسنا منهم تأجيل حفل الصور إلى حفل شاي وتوقيع كتبك .
بدأت المحاضرة بسؤال وجودي، هل يمكن أن نعيش من دون فلسفة؟ وهل يمكن أن نوجد من دون عقل؟ فجاءت حكمتك لتقول «إنما العقل وحده هو ما يجعل الحياة سعيدة وممتعة، ولعلها هي الحياة التي نعيشها في حوض البحر المتوسط. هكذا قمت بتحليل مفهوم ميديتيراني méditerranée ب Nouistra madré، بمعنى أننا كشعوب هذا الحوض، وبما أن أصلنا يعود إلى أم واحدة، فإن ما يميز حضارتنا: العقل والفلسفة .الفيلسوف في الحياة زمانه لحظة، ووجوده في انسياب وفكره في ضباب، ومصيره غامض، ومجده غير متيقن، لكن أدركت كيف كان الطلبة والأساتذة وعشاق الفلسفة يحاصرونك خوفا من أن تهرب وتتركهم يواجهون قدرهم الحزين، واستمرت أسئلة الفلسفة وأجوبتكم ساعات، وكنت تشعر بالإرهاق، ولذلك طلبنا منهم أن يتجدد اللقاء في الغد، مثل سقراط الذي لا يؤمن بنهاية الحوار الفلسفي، ولذلك كان يتفق مع محاوره على الاستمرار غدا حتى في لحظاته الأخيرة، فبعد تجرعه للسم قال لهم نلتقي غدا، فهل فعلت الشيء نفسه معنا؟ وهل اللقاء ما زال ممكنا؟ .
إدغار موران والكاتب عزيز الحدادي في أسبوع الفلسفة- فاس
وطمعا في فيض نور الحكمة وشروق الحقيقة استدعيناك مرة ثانية إلى فاس مدينة ابن باجة وعاصمة الفلسفة في المتوسط، ولبيت النداء وجئت لكي نتفلسف ونكتشف الحقيقة معا، وعندما وصلت إلى مطار فاس وجدت في استقبالك وهذه المرة جاءت معك رفيقة وجودك، وبمجرد ما تعانقنا قلت لي شكرا على تمثال ابن رشد الذي أضحى يؤنسك في باريس ثم سألتني عن قراء كتبك، وانطلقنا إلى الفندق لكي ترتاح وفي الطريق أخبرتني بلقائك فيلسوف الوجود والزمان مارتن هيدغر في الغابة السوداء، صدفة دخلت عليه في بيته الريفي هذا المعبد الفلسفي، لأنك كنت في الجيش الفرنسي وأدخلت الاطمئنان إلى قلبه وقضيت معه وقتا ممتعا لا يقاس إلا بالحكمة «الحكماء يصوغون أنفسهم بواسطة الحوار» هكذا قلت قبل أن تتركني في انتظارك، وما زلت مخلصا لهذا الانتظار .
أتساءل مندهشا عما إذا كان رحيلك ورحيل جياني فاتيمو الذي كان مدمنا على ربيع الفلسفة في فاس، خسارة لجمعية أصدقاء الفلسفة وجامعة ابن رشد الربيعية، أم خسارة للمغرب المتوسط؟ وبعبارة أخرى؛ هل سيتكرر هذا اللقاء بالفلسفة، أم أنه انتهى والتحق بالمجد العدمي؟ فجبن أن لا نعترف بأننا نمر بأزمة الروح، وسقطنا ضحية المتجر بالثقافة والذي أمر بقمعنا وإسقاط ربيع الفلسفة، وأنا أقول له تشجع على المغادرة، واترك الفلسفة تزهر في كل ربيع، تمتع بكسلك وثروتك وستختفي في التاريخ المزيف. فنداء الحقيقة لن يتوقف مهما طال طغيانك، سنعود ومعنا هذه الأرواح التي أسست للنهضة العقلانية في المغرب، قبل أن يتم تأسيس النهضة العدمية. فإذا كانت السعادة هي ممارسة الحكمة والفضيلة، فلا أن تكون ممارسة لأسمى الفضائل وهي الفلسفة، لأنه لشيء نبيل أن نحتفل بالفلاسفة العظماء الذين ولدوا أرواحنا، إلى أن نبلغ هذا المقام من الفكر النقدي «فالفكر يعصمنا من شرور ثلاثة: السأم، والرذيلة والجهل المقدس، وبه تكون الحياة جنة ومن دونه تكون هذه الحياة جحيما، كما كنا نقول في حضرة فيلسوف المقاومة والنضال والمحبة الأبدية؛ إنه إدغار موران الذي يحمل حقيبته ويزور الأحباء في فاس، وكم كان يعشقها ويفضل السكن في المدينة العتيقة على السكن في أفخم فندق كاردن بلاس .
ما يكون لهم أن يعرفوا اسم الصواب إذا لم يكن ضده موجودا في فكرهم المعوق، فصار الربيع وصارت أفواج الفلاسفة تتواكب عليه، وإدغار قال لي ذات ربيع مزهر بأنني أمثل منارة فلسفة البحر الأبيض المتوسط، استقبلهم في كل سنة، ولم أكن اشتكي من قلة الإمكانيات، بل أقاوم وأحصل على الفنادق والمطاعم والنقل وبطاقات السفر. وحين يصعب علي الأمر أتوجه إلى حكماء مدينة فاس وألتمس ويتحقق لي المبتغى. وما مرّ عام وفاس فيها جوع، إلا بعد أن جاء هذا الظالم والكذاب الذي حرمنا من الاستمرار، فعيب أن لا نعترف بهذه الأزمة، أردنا أن نحتفل بإدغار موران وأغلق باب الدعم في وجهنا، ولروحه أعظم اعتراف بأنه الفيلسوف الذي أشعل شرارة الفكر الفلسفي في ربيع الفلسفة في فاس، فسلام لهذه الروح التي سيستقبلها سقراط مبتسما ومندهشا من الأخبار التي حملها معه إلى جزر السعداء .
ولأنك من السعداء ومكانك من العلم أشرف «فأنا أرشدك وأرشد من يصل إليه هذا القول من إخواننا الذين في هذا الزمان ومن يأتي به الزمان منهم وينشئهم غابر الدهر». وغاية ما في القول إن رسالة الوداع مؤثرة بلغتها المأخوذة من شعر المأساة، الذي يسعى إلى تطهير النفس من الأحزان، وإطفاء الشوق إلى الأحباء الذين نغادرهم، على الرغم من صدمة الابتعاد «ولعلي لا استطيع أن ألقاك، فإني ما دام معي هذا البدن فأنا معتمد في لقائك إذ معي الآلات التي بها أتحرك، فأما إذا فارقتني لم تكن حركة «، ومن المستحيل أن أتمتع برؤيتك ؛ وتلك هي المأساة أخشاها في المنام واليقظة.
وفي هذا الحال يتم تفسير السعادة على أنها إطفاء الشوق بمن نحب، كما أنها قد تجعل المعتقل السياسي سعيدا بعد عناقه للحرية والأحباء، ومع ذلك يظل الانتقال من المحسوس ضروريا، ولا يكاد يبين بسهولة إلى من فقد الفطرة الفائقة، وأضحى ينتمي إلى مرتبة الجمهور، أو النظار، أي فقهاء هذا الوقت، فبحرمانه من مرتبة السعداء، لأنه لم ينتفع بالحكمة والفهم والعقل. والحقيقة تقول إنه لا فرق بين الأشقياء والعبيد إلا في النوم، وإنما يقال بالحقيقة إنسان سعيد للإنسان الحكيم .
هكذا صار السفر إلى مرتبة السعداء شبه مستحيل في زمن التفاهة الذي هرب منه الوجود، وهجرته الحكمة، وأمسى أفول العقل ينتظر المساء الذي ستهدم فيه الأرض، بعد حرمانه من الجميل والخير والحب، بل وتجرد الإنسان من النزعة الإنسانية. وعندما نقول إن الإنسان موجود في العالم، فيعني أنه موجود في المكان كما يوجد الكرسي في المكتب، ما دام أنه لم يعد يهتم بوجوده، ويحمل عبء الوجود في أعماق هذا الاهتمام المتبادل بين الإنسان والوجود تتم صياغة جوهر السعادة التي ينبغي أن يحيا الإنسان في حميميتها، والسعادة بهذا المعنى ليست في اللعب واللذة الحسية، كما تعتقد الكائنات الفانية، بل في ماهية القلق الوجودي الذي يتشوق إلى اختراق هشاشة الحقيقة، ولو بكتابة رسالة الوداع كما فعل ابن باجة والذي ينام في قبره في مدينة فاس، حيث أطل عليه من النافذة .
كاتب مغربي