من وجهة نظرنا، يظل الموقف السليم حيال المبادرات الخارجية وتدخلات المجتمع الدولي بشأن الحرب الدائرة اليوم في السودان، هو التعاطي الإيجابي معها، بما يخدم مصالحنا الوطنية، على أن يكون هذا التعاطي محكوما بمبادئ وشروط أساسية صارمة، ناقشناها بالتفصيل في مقالنا السابق. ومواصلة لهذه السلسلة من المقالات حول علاقة السودان بالمجتمع الدولي، نقول في مستهل مقال اليوم إن السودانيين يعترفون لخبراء المجتمع الدولي ومُيسّري المبادرات المعنية بالحرب في السودان، بقدرتهم على الجمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية المكتسبة من الممارسة الميدانية في إسكات الرصاص وحل النزاعات في العديد من مناطق العالم. بيد أن السودانيين أيضًا، وامتلاكًا لمعارفهم وخبراتهم العميقة بالشأن السوداني، يمكنهم بكل تأكيد إبداء الملاحظات وتوجيه النقد لأداء هؤلاء الخبراء والميسّرين، وكذلك لمناهج عمل المبادرات الدولية والإقليمية المختلفة في إدارة محادثات وقف الحرب في السودان. كما يستطيعون تقديم مقترحاتهم التي يعتقدون أنها قد تُسهم إيجابًا في نجاح أي محادثات أو مفاوضات قادمة. ويكون ذلك من دون أي تطاول على، أو أيّ انتقاص من معارف وخبرات الميسّرين الدوليين لهذه المحادثات، ولكن أيضًا من دون قبول التصور السائد الذي يحصر الخبرة في هذا المجال حصريًا على هولاء الخبراء. وفي هذا السياق، ودفعًا لهذا التصور الحصري، نستضيف في مقال اليوم اللواء شرطة متقاعد، الدكتور عصام الدين عباس، الكاتب والخبير السوداني في قضايا إصلاح القطاع الأمني وبناء السلام والحوكمة، والذي تفضّل مشكورًا بمشاركتنا مساهمته العلمية القيّمة، باللغة الإنكليزية، حول ضمانات تحقيق هدنة إنسانية ذات مصداقية في السودان.
إن حديث المبادرات الدولية عن الهدنة الإنسانية في السودان، رغم كثرته، لايزال ضجيجاً دون طحين. صحيح إن الهدنة الإنسانية لن تُنهي الحرب، ولكنها قادرة على إنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح وتهيئة مساحة ملائمة للحوار السياسي. بيد إن الهدن السابقة، في عملية جدة 2023، لم تفشل فقط بسبب غياب الإرادة السياسية عند الأطراف المتقاتلة وعند المجتمع الدولي، وهذه حقيقة، بل أيضاً نتيجة عجز هيكلي في مجالات المراقبة والأمن والتصميم التقني. ففي غياب آليات ميدانية ذات مصداقية قادرة على المراقبة المتكاملة والرصد والتحقق والاستجابة للانتهاكات، وفي غياب ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، وخطة تنفيذ مرحلية وواقعية، فإن أي هدنة تُوقع ستظل واهية، وفي الغالب ستنهار سريعا.
في غياب آليات ميدانية ذات مصداقية قادرة على المراقبة المتكاملة والرصد والتحقق والاستجابة للانتهاكات، فإن أي هدنة تُوقع ستظل واهية
يبتدر الدكتور عصام مساهمته بالحديث عن التطورات الجديدة التي حدثت في تضاريس ميادين القتال منذ إندلاعه في الخامس عشر من أبريل/نيسان 2023. ويقول إن المعارك تحولت فعليا وبشكل حاسم صوب الجنوب والشرق، وتركزت بؤر الاشتباك عالية الكثافة الآن في إقليمي كردفان والنيل الأزرق. وأن هذه التضاريس باتت تمثل مزيجاً متقلباً من القرى والتجمعات الصغيرة والمساحات الريفية، التي تتغير السيطرة عليها أسبوعياً، مما جعل من المستحيل تقريباً إقامة خطوط فصل تقليدية بين الأطراف. ويسجل الدكتور عصام في ورقته، أن أساليب الحرب ازدادت وحشية من خلال استخدام الطائرات المسيّرة بشكل متزايد لقصف المستشفيات والمدارس والأسواق والقوافل الإنسانية، في حين يشكل الانتشار الواسع للألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة تهديداً يطال العاملين في المجال الإنساني والمدنيين لسنوات قادمة. ويزيد من تعقيد هذه التحديات، حسب الورقة، تعدد الكيانات المقاتلة واشتداد ساعدها، مما يصعّب ضمان امتثال أي منها لأي قيادة واحدة. كما اشارت الورقة إلى أن الديناميكيات الإقليمية لصالح الأطراف بالوكالة تضمن عدم تعرض أي طرف لهزيمة حاسمة، وكل ذلك يُزيل أي حوافز ملحّة لتحقيق سلام حقيقي.
ولضمان نجاح واستدامة أي هدنة مقترحة في السودان، يرى الدكتور عصام في ورقته أنها لا بد أن تقوم على خمسة أسس ومبادئ موجّهة، وهي:
أولاً: جهد تراكمي قائم على الممرات، حيث يُبدأ بممرات إنسانية محدودة ومؤقتة زمنيًا، ثم تُوسَّع بناءً على الامتثال المُثبت في الميدان.
ثانيًا: جهد مرتكز محليًا، يتم من خلاله إدماج مراقبين من المدنيين والمجتمعات المحلية (على غرار غرف الطوارئ) لضمان الشرعية وسهولة الوصول.
ثالثًا: أن تكون قابلة للتحقق سياسيًا، بمعنى ضمان ملكية مشتركة من قبل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، على أن يكون الدعم الدولي مساندًا لا قائدًا.
رابعًا: أن تكون معزَّزة بالتكنولوجيا، عبر استخدام الاستشعار عن بعد والتحقق التقني كعامل مضاعف للقدرات، لا كبديل عن الوجود البشري.
خامسًا: التوافق مع الأطر الدولية، على النحو الذي أكدته مبادئ مؤتمر برلين بشأن السودان (أبريل/نيسان 2026)، حيث يلزم البند الثالث الموقِّعين بدعم التنفيذ الكامل لإجراءات خفض التصعيد، بما في ذلك من خلال بناء تدابير الثقة وإنشاء آليات للمراقبة والتحقق كجزء من ترتيبات وقف إطلاق النار، بدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين.
وحول آليات المراقبة المتكاملة، تقترح ورقة الدكتور عصام نموذجا ثلاثي المستويات للهيكل الموحد للمراقبة، وذلك على النحو التالي:
المستوى الأول (عسكري مشترك): لجان فنية مكونة من أطراف النزاع والأمم المتحدة/الاتحاد الأفريقي وفق نموذج «الثلاثة في سيارة جيب»؛ وتتمثل وظيفتها في إدارة الحوادث والتواصل المباشر والتحقق المشترك.
المستوى الثاني (مدني محلي): لجان تضم النساء والشباب والقادة الدينيين وغرف الطوارئ؛ تعمل كوجود غير مسلح، وتسجيل للشكاوى، ووساطة محلية؛ وتتمثل وظيفتها الأساسية في توفير المعلومات المحلية والإنذار المبكر وضمان الإدماج.
المستوى الثالث (تقني): استخدام الاستشعار عن بعد عبر الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة والحساسات الصوتية والكاميرات الثابتة؛ للقيام بالتحقق القائم على الموافقة، وتغطية المناطق غير الآمنة والمناطق عالية الخطورة على مدار الساعة.
وفي ورقته، يطرح الدكتور عصام العديد من التفاصيل حول الترتيبات الأمنية، ومراحل إطار التنفيذ التقني، كما يتقدم بتوصيات عملية لصانعي السياسات، ويرى أن الألتزام بكل ذلك من شأنه أن يعطي الهدنة مساراً ذا مصداقية وقابلاً للتحقق سياسياً. وسنستعرض كل ذلك في المقال القادم.
٭ كاتب سوداني