لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعدته رجا عبد الرحيم قالت فيه إن عددا من الرموز السياسية والقانونية في الأردن وقّعت على رسالة مفتوحة حذرت فيها من أن العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة تمثل خطرا.
وطالب الموقّعون على الرسالة بسحب القوات الأمريكية من القواعد في الأردن، وذلك في تحد نادر للحكومة التي عادة لا تتسامح مع احتجاجات كهذه.
وجاء سياق الرسالة وسط تكثيف إيران استهدافها للقوات والمنشآت العسكرية الأمريكية في الأردن بالصواريخ والطائرات المسيرة، بما في ذلك هجوم فجر اليوم الأربعاء، وفقا لمسؤولين إيرانيين. وقد أطلقت هذه الهجمات صفارات الإنذار في جميع أنحاء المملكة، ودفعت البلاد إلى مزيد من التورط في حرب لم تكن ترغب في المشاركة فيها. إلا أن معظم الأردنيين التزموا الصمت.
وأشارت الصحيفة إلى أن دافع الذين وقعوا على الرسالة هو الشعور بالمسؤولية الوطنية والقلق من أن وجود القوات يهدد السيادة الأردنية.
وجاء في الرسالة: “نؤكد أن وجودهم يعرض الأردن لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية لا تخدم أي مصلحة وطنية، ويزيد من احتمالية انجرار بلادنا إلى صراع إقليمي ليست طرفا فيه”.
ولم يرد متحدث باسم الحكومة الأردنية على طلبات التعليق بشأن الرسالة المفتوحة أو الادعاءات المتعلقة بقمع حرية التعبير.
وأضافت أن الأردن يستضيف نحو 4,000 جندي أمريكي في قواعده، حيث تحول إلى مركز للعمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
وبعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في نهاية شباط/فبراير، ردت إيران بضربات انتقامية ضد إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بما في ذلك الأردن.
وقد أثرت الحرب بشكل مباشر على قطاع السياحة الأردني، الذي يمثل ما يصل إلى 18% من إيرادات البلاد. ويعاني الأردن أصلا من ضعف الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة وقلة الموارد الطبيعية.
وأضافت الصحيفة أن الحكومة الأردنية عبرت عن موقف ثابت من التحالف مع الولايات المتحدة، وبرغم كثافة الهجمات الإيرانية. ويعزو المحللون ذلك إلى اعتماد البلاد الكبير على المساعدات الخارجية الأمريكية. ففي العام الماضي، قدمت الولايات المتحدة للأردن 1.65 مليار دولار أمريكيا كمساعدات اقتصادية وعسكرية، وفقا لمسؤولين أردنيين.
وقال سفيان التل، الناشط السياسي البالغ من العمر 90 عاما، إنه وقع على الرسالة لأنه أراد أن يظهر للعالم الفرق بين موقف الحكومة، ولا سيما دعمها للعلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وموقف الشعب الأردني.
وأضاف التل، الذي اعتقلته قوات الأمن الأردنية أواخر عام 2022 بتهمة التخطيط لانتقاد خطاب الملك عبد الله الثاني علنا: “نحن كشعب أردني لا نقبل سياسات الحكومة واستغلالها للأردن وقدراته، بأي شكل من الأشكال، للدفاع عن إسرائيل”.
وأضاف التل أن وجود القوات الأمريكية عرّض الأردنيين للخطر، على سبيل المثال، من حطام الصواريخ الإيرانية المتساقطة والموجهة نحو إسرائيل، والتي تعترضها الدفاعات الجوية الأمريكية في الأردن.
ومنذ نشر الرسالة، أضاف التل أن مئات الأردنيين وقّعوا عليها، رغم علمهم بالمخاطر. وقال: “رد الحكومة هو فتح أبواب السجون وسحبنا واحدا تلو الآخر إلى السجن”، محذرا من الخطر الذي قد يواجه الموقعين.
وقد اتضح مدى المشاعر المتصاعدة بشأن الوجود العسكري الأمريكي خلال جلسة للبرلمان الأردني يوم الاثنين. فعندما اقترح النائب علي الخلايلة تقديم التعازي للولايات المتحدة بمقتل جنودها على الأراضي الأردنية، قوبل اقتراحه بصيحات استنكار من أعضاء آخرين، من بينهم من اتهم الجيش الأمريكي بقتل الأطفال والنساء وكبار السن.
ونقلت الصحيفة عن داود كتّاب، الصحافي والكاتب الفلسطيني- الأمريكي المقيم في العاصمة عمان، قوله إنه من الصعب تحديد مدى تمثيل الرسالة للرأي العام لعدم وجود استطلاعات رأي عامة في الأردن، فضلا عن المخاطر الجسيمة المترتبة على التعبير عن الرأي.
وأشار مراقبون سياسيون إلى أن معظم الموقعين على الرسالة المفتوحة يحملون آراء يسارية أو قومية عربية أو إسلامية.
وأضاف كتاب أن أي وسيلة إعلامية أردنية لم تنشر الرسالة، ما يعكس توجيهات الحكومة بعدم نشرها، فضلا عن الرقابة الذاتية. وقد نشرت إحدى وسائل الإعلام مقالا ينتقد الرسالة دون نشر نصها.
وانتشرت هذه القضية على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن كتّاب لم يتوقع أن تثير مزيدا من المعارضة، مضيفا: “هناك تضييق في مساحة حرية التعبير وتضييق مساحة الحق في الاحتجاج، وأعتقد أن هذه حالة فردية، ولا أرى أنها ستترك أثرا متصاعدا”.
وفي عام 2023، فرض الأردن عقوبات قانونية صارمة على جرائم مثل “نشر الأخبار الكاذبة” و”تهديد السلم الاجتماعي”، مستهدفة الصحافيين والناشطين وغيرهم ممن ينتقدون الحكومة، حسبما قالت منظمة أمنستي إنترناشونال.
وفي العام الماضي، حظرت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين، متهمة إياها بالتخطيط لهجمات في البلاد. كما داهمت قوات الأمن الأردنية مقر أكبر حزب معارض في الأردن، وهو جبهة العمل الإسلامي، الذي يعتبر الذراع السياسي لجماعة الإخوان في الأردن.