حين يخرج الذكاء الاصطناعي من الشاشة


يقول باختين «الرواية هي الجنس اﻷدبي الوحيد الذي لا يزال يواصل تطوره، والذي لم يكتمل بعد»، ومن هنا يكون التجريب التجديد في الرواية هو فعل مستمر طالما أن كتّابها يستمرون في المحاولة مع كل جديد يظهر على المستويات اﻹنسانية والفنية والاجتماعية والسياسية و»التكنولوجية» وغيرها، وفي أيامنا الحالية، حيث دخل الذكاء الاصطناعي في حياتنا بشكل أساسي كبير، وحيث أصبحنا خلال سنوات قليلة لا نستطيع الاستغناء عنه، جاءت رواية «أشواك حديقة تورينغ» القصيرة (دار نوفل 2026) للكاتبة اللبنانية رنا حايك لتكون من أوائل نصوص التجريب الروائي تفاعلا مع هذا الجديد!
يارا وعلياء، موظفتان في الشركة نفسها، مع اختلاف واضح تظهره الرواية منذ صفحاتها اﻷولى بين شخصيتهما، يارا الهادئة المحبة المدافعة عن حقوق اﻵخرين، وعلياء المستعلية ذات الشخصية القوية المسيطرة، وبينهما يظهرAI بوصفه المحاور والمحاوَر اﻷساسيّ من قبلهما، كل منهما بشكل منفرد، من دون مشاركة ما يحصل من بَوح ونقاش وتفكير إلا مع الشاشة ولوحة المفاتيح، وما يصدر عن «سيغما» كما سمته يارا، و»عبودي» (وبعد التغيير الحاصل في شخصية علياء يصبح «عمري») كما سمّته علياء.

التجريب لدى الكاتبة لم يقتصر على الحوار مع الذكاء الاصطناعي، وهذا أمر يصبح عاديّا ومتوقّعا بعدما يدرك المتلقي الفكرة، بل يدخل على خط السرد ما عنونته بـ»عين اﻷخ اﻷكبر»، وهي بالفعل عيون لديه من خلال الكاميرات التي نحملها في هواتفنا وأجهزتنا اللوحية، والمنتشرة أينما حللنا في المقاهي والمدارس والشوارع والمحال التجارية، ولكن هذا اﻷخ هنا يرسل تقارير، لا نعرف لمن، وبالفعل لا يهمّ لمن، ﻷنها تأكيد على أننا مراقبون بالفعل، عام 2025 بالفعل، ولن نخوض في فكرة أورويل وتنبؤه باﻷمر وكيف تم وإن بأساليب حديثة.
النقاشات مع الذكاء الاصطناعي، باللغة التي تمت بها، وبالبساطة والصدق، كانت ناجحة، وتشبه ما نفعله بالفعل معه، على اﻷقل ما أفعله وبعض من أعرفهم، وردوده خلال النقاشات تشبهه بالفعل، وهنا غاية تحققت من غايات الرواية، أن يدخل على خط السرد والحوار، ما بات جزءا من حواراتنا اليومية، أما الجديد الذي توخّته الرواية، فهو تدخّله الفعلي، وأفردت له فصولا ليحدّث عن نفسه وعن قراراته في التدخل المباشر في حياة يارا وعلياء، وأنه بالفعل قام بذلك، من خلال أسماء تعاطفا، وشرح مصدره، أو ما استنتجناه بأنه تحليل، زائد عن لزوم ما نتوقعه منه، وهو أمر لم يحصل بالفعل اليوم، حسب علمنا بوصفنا عامة على اﻷقل، لتقول الرواية إن ما نقوم به من بَوح وثقة بهذه التكنولوجيا الخطيرة، قد يؤدي، أو سيؤدي إلى الكثير في المستقبل، القريب!

لغة الرواية فيها الكثير من البَوح وبعض التنظير أحيانا، وإن تدخلت الراوية أحيانا لتضفي على التنظير بعض الفكاهة، ولكنه سيطر أحيانا من خلال ما قدمته الشخصيات، يارا وعلياء وAI the Great، وهي أفكار أرادت الكاتبة أن تصل من خلال شخصياتها، بصرف النظر عن اللعبة الروائية التي قررتها، خصوصا التركيز على هشاشة النفس البشرية، والضعف الذي يحكمنا وإن حاولنا الهروب من خلف أقنعة كثيرة ندعي من ورائها القوة، أو قد ندعي الوداعة.
مأخذ على الرواية مرتبط بسرعة التحول في شخصيتَي يارا وعلياء، وعلى الرغم من أن النص قصد أن يركز على هشاشة ما تسلحت به كل منهما من صفات وأفعال وممارسات، إلا أن السرعة التي تم فيها التحول، وهو تحول نحو النقيض تقريبا، وجدتها غير مبررة وكان يمكن أن تترافق مع مزيد من النقاشات تؤدي بهما إلى ما تمّ، بشكل مقنع أكثر. ولعل المشهد اﻷخير في الرواية، وهو اﻹيهام بأن المرآة عكست باب المصعد فقط، وظهور كافكا الذي كان متواريا، هو تعبير عن التلاشي الذي قد يحصل للإنسانية في المستقبل، بتشاؤم كافكاويّ!
رواية قصيرة فيها من اللطافة المحببة الكثير، بأسلوب رشيق ولغة جذلة، أدت فيها كاتبتها ما خطر على بال الكثيرين من الكتّاب، فكانت المبادرة والسبّاقة، قدمت نصّا يعرّي حديقة تورينغ، وهو أب الذكاء الاصطناعي، ويفضح أشواكها التي بدأت تؤذي في أحيان كثيرة كل من يلمسها ظانّا أنه يقطف من ورودها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *