رحيل الفنان التشكيلي سامي محمد.. الفن في سبيل القضايا الإنسانية الكُبرى


القاهرة ـ «القدس العربي»: «أهب نفسي لقضية الانسان الصغير بحجمه حد الروعة، والكبير في احتماله حد الأمل، والعظيم في إبداعه حد الدهشة». (سامي محمد)

تعد تجربة التشكيلي الكويتي الراحل سامي محمد (1 أكتوبر/تشرين الأول 1943 ــ 11 أغسطس/آب 2026) من أهم التجارب التشكيلية في الوطن العربي، وربما تتماس مع التجارب العالمية لفناني الغرب الكبار، بداية من الأفكار التي عالجها في منحوتاته بالأساس، وصولاً إلى التقنية والحِرفية العالية التي أوصلته بحق إلى تجاوز مجتمعه المحلي والعربي، فالقضايا الإنسانية التي سخّر لها محمد موهبته هي التي مهدت له هذا الطريق، وأكدت أن الانتصار لمثل هذه القضايا هي الأبقى، من دون السعي نحو تسليع الفن وفق منظومة الاستهلاك المسيطرة على المجتمعات والفنان في المقام الأول. أستعرض في هذا التقرير لمحات من مسيرة وآراء سامي محمد في الفن ودور الفنان، وما أنجزه وأضافه إلى الحركة التشكيلية بشكل عام ..

البدايات

يقول محمد.. «كانت بداياتي الفنية منذ عهد الطفولة، حيث كنت ألعب بالطين وأصنع منه أشكال حيوانات وطيور، لأنتقل بعدها خلال المرحلة المدرسية إلى المشاركة بالأنشطة الفنية، وأبرز ما فيها حينما طلبت منا المدرسة عام 1956 بعد العدوان الثلاثي على جمهورية مصر العربية، التعبير عن تضامننا ووقوفنا إلى جانب الشعب المصري. وقررت الإدارة إقامة مجسم لمعركة بور سعيد وبور فؤاد على مسرحها، كان علينا عمل جنود ونساء وأطفال تحت إشراف أساتذة التربية الفنية في المدرسة».
ولم تكن هذه التجربة التي لم ينمح أثرها من وعي الفنان إلا تأكيداً للبداية والمستقبل أيضاً. ويذكر محمد مدى تأثير المدرسين والفنانين المصريين على تجربته ورعاية موهبته، فيقول.. «تتلمذت على يد الفنان التشكيلي المصري أنور السروجي، الذي حضر إلينا في الكويت وهو من خريجي الفنون الجميلة، وكنت وقتها أعمل في النحت الخزفي، ووجهني السروجي إلى النحت وتعلمت منه النحت وصب التماثيل وتبناني فنيا، وعلى يديه وجدت ضالتي التي كنت أبحث عنها، حيث تحولت إلى نحات. ثم كان حضوري للقاهرة في الستينيات ودراستي الفنون الجميلة، وكانت لديّ معرفة بمبادى النحت والصب. وأيضا في الكلية تبناني الفنان المصري الكبير جمال السجيني، وكان من أروع الأساتذة الذين تعلمت منهم، وكان يفتخر بموهبتي ويرعاها، كما كان يرعى كل المواهب الحقيقية من طلاب الكلية في ذلك الوقت».

القلق الفني

لم يكتف سامي محمد بما حصّله من تعليم، بل بحث وجاهد لإيجاد صيغة فنية ترضيه كفنان في المقام الأول، فيقول.. «أنا دؤوب في البحث خلال عملي. درست الفن في السنوات العشر الأولى من عمر تجربتي الفنية سواء في مصر أو في أمريكا، حيث درست فيها عام 1974 ولمدة عامين. قابلت الفنانين وتحاورت معهم وقرأت الأدب والشعر». وصولاً إلى لحظة فارقة يواجهها الفنان فجأة.. يقول محمد .. «اشتغلت في البداية بأسلوب أكاديمي صرف، وكنت أتساءل دوماً وأنا أعمل وأبحث: كيف أميز نفسي؟ كيف تحكي أعمالي عني؟ كيف أتميز في الفنانين؟ كانت تلك التساؤلات هاجسي وتسبب لي القهر».

قضايا الإنسان

وربما من الكلمة الأخيرة من كلمات سامي محمد (القهر)، وهذه الحالة التي يستشعرها وأصبحت أزمة مقيمة لا تفارقه، وجد ضالته في القضايا الإنسانية، من دون التوقف عند محلية هذه القضية أو كونها أزمة مؤقتة. ولعل المناخ السياسي الذي نشأ الفنان من خلاله كان له الأثر الأكبر في الشعور بالمسؤولية تجاه مسألة الحرية الإنسانية، من دون تهويمات أو صخب، بل من خلال أعمال رصينة كلاسيكية البنية وحديثة التكوين. ومن هنا تأتي أعمال محمد اللافتة والشهيرة، التي يعرفها المتلقي العادي ـ بخلاف المهتمين أو المتخصصين ـ من دون معرفة صاحبها، وهنا يتجاوز العمل صاحبه، ويصبح دالاً على ذاته وتأثيره من دون الاعتماد على اسم صاحبه، نذكر من هذه الأعمال .. «الشلل والمقاومة»، «صبرا وشاتيلا»، و»لحظة خروج». والكثير من المنحوتات غيرها التي عبّرت عن مأساة الإنسان ومحاولاته، رغم ما يحيطه، عبر يد تمتد خارج الإطار، أو جسد يتخلص من قيوده، ولم تزل الرأس تحاول، فلا حرية لجسد إلا بحرية الفكر. مع ملاحظة أن هذه الأعمال جاءت ضمن سلاسل فنية أو مراحل مرّ بها الفنان نفسه، من هذه السلاسل.. «الصناديق ونداء الاستغاثة»، «الاختراق»، «عصر البلاء»، «رباعية الرعب»، «قف»، و»الرماديون». ونذكر مقولة الفنان في حوار سابق.. «عملت أكثر من 30 سنة في شتى الوسائل للدفاع عن مشكلات الإنسان، لأن الإنسان في رأيي ولد في أجمل صورة وصاحب كرامة يفترض أن تصان، وبالتالي قضايا الإنسانية ضخمة، فهناك قضايا حروب وإهانات واضطهادات يجب التعبير عنها».

الرؤية والأسلوب

ويقول محمد عن أسلوبه الفني.. «وظفت في أعمالي الفنية عدداً كبيراً من الرموز ذات الخاصية الدرامية، صراع الإنسان مع القيود التي تكبل جسده أو عينيه وفمه، التواءات الجسد التي تنم عن ألم وصراع إما للانعتاق أو الهروب أو الغضب العارم أو حالة التمرد». فهذا الوعي الاجتماعي ومن قبله السياسي يؤكد أن محمد تجاوز عقله حدود مجتمعه، ولم يستسلم ليصبح فناناً دعائياً يجمع الأموال ولا يهمه شيء، وخرج بفنه من الحيز الضيق الخاص بالذات والانكفاء عليها والاكتفاء بها، وهو ما يؤكد أن العمل الفني يتجاوز حتى صاحبه. هذا السلوب الإنساني هو ما جعل هذه المنحوتات لا تتقيّد بدورها بزمن ومكان معينين، فلا تدل على هوية صاحبها، بل فقط تخاطب الإنسان في كل مكان وزمان، نتيجة تسلط قوة باطشة لا تعرف شيء عن الإنسانية، ولكل مجتمع أن يُسقط هذه القوة على ما يُعانيه. يقول محمد .. «عندما كنت أقدم أعمالاً عن بيئتي الكويتية كنت أتعمد تقديم الأعمال من دون وجوه، كي لا أضع فيها شكلاً إقليمياً أو عربياً، لأني أتكلم عن إنسان الجسد لديه هو المتحرك، والشكل الفني هو المهم كونه هو الذي يفرض علي ما أقدم وكيف أقدمه».

العودة والسلام

رغم شهرة سامي محمد كنحات كبير، إلا أنه واظب على الرسم لسنوات طويلة، وربما آخر هذه التجارب هي لوحات أطلق عليها.. سلسلتي «السدويات» و»الصحراويات»، وهي مُستمدة من التراث ومفردات البيئة القديمة، فيقول.. «أمضيت مدة في الدراسة والملاحظة بغية الوصول إلى تلك العلاقة التي تجمع ما بين الإنسان وخيط الصوف واللون وأصابع البدوية والخيمة والمسند والبساط. رسمت عدة لوحات مستخدما نقوش السدو فيها كما قمت بنحت تماثيل من الصاج أو البرونز أو الخشب المركب والملون، أو من الجبس الملون، وكلها تحاكي البيئة البدوية ولكن ذلك السؤال ظل يقلقني: ماذا تريد؟! وخلافاً للمرّات السابقة جاءت الإجابة من أعمالي نفسها، التي أعلنت لي.. الإنسان».
….
بيبلوغرافيا

ولد الفنان سامي محمد أحمد الصالح في الأول من أكتوبر عام 1943، في حي الصوابر في منطقة شرق، أقدم مناطق مدينة الكويت. بدأ مسيرته الفنية عام 1960، عندما التحق بصفوف النحات المصري أنور السروجي. انضم إلى (المرسم الحر) عام 1962، وهو وحدة تابعة لوزارة التربية والتعليم الكويتية، بصفته فناناً متفرغاً ممنوحاً راتباً مدى الحياة ومساحة استوديو. في عام 1966، حصل على منحة دراسية حكومية للدراسة في الخارج في كلية الفنون الجميلة في القاهرة، وتخرج فيها عام 1970. قبلها أسس مع زملائه الفنانين الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية عام 1967. وفي عام 1974 التحق بمعهد جونسون للنحت في مدينة برنستون، ولاية نيوجرسي في الولايات المتحدة الأمريكية. تم اختياره في عام 1986 عضواً في لجنة المقتنيات الفنية للديوان الأميري، وتكليفه عام 1988 بعمل تمثال من البرونز للشيخ صباح السالم الصباح، وتكليفه في العام نفسه بإعداد تصاميم مبتكرة لنسج وحياكة السدو، مدشناً بذلك تعاوناً مثمراً مع (بيت السدو). اختاره (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب) عام 1993 لتصميم وتنفيذ مجسم الفوز بجائزة الدولة التشجيعية، وعام 2000 لتصميم وتنفيذ مجسم الفوز بجائزة الدولة التقديرية، كما انضم عام 2002 إلى لجنة تحكيم جائزة الدولة التشجيعية، وفي العام نفسه انضم إلى لجنة تحكيم الأعمال الفنية لمعرض الفن التشكيلي لدول مجلس التعاون الخليجي.
قام بتأسيس جماعات فنية ومتحف خاص، وهي .. (مجموعة سامي محمد)، (انعكاس) التي تضم العديد من التشكيليين والأدباء، ثم (دار مريم) ــ على اسم والدته ــ عام 2024، وهو متحف مفتوح للجمهور ويضم أعماله الفنية.

الجوائز والتكريمات

حصل الفنان سامي محمد على العديد من الجوائز والتكريمات المحلية والدولية، ومنها.. الجائزة الأولى في بينالي القاهرة الدولي الأول 1984، جائزة الدولة التشجيعية 1999، الجائزة الأولى في بينالي الرسم الدولي الأول للعالم الإسلامي في طهران 2000، جائزة الإبداع الفني من مؤسسة الفكر العربي 2010، جائزة الدولة التقديرية 2015.
شارك بصفته الشخصية في العديد من المؤتمرات والمحافل الفنية، منها .. المؤتمر العالمي لفن الإنترغرافيك في برلين الشرقية 1987، مؤتمر النحاتين العالمي في دبلن 1988، بينالي بودوفا العالمي للنحت في إيطاليا 1995، وصولاً إلى مشاركته في بينالي البندقية عام 2013 ضمن أول مشاركة للكويت في هذا الحدث العالمي.
من ناحية أخرى تم اختيار العديد من أعماله كأغلفة للكتب من قبل بعض الأدباء والجهات الرسمية. إضافة إلى كونه أول فنان كويتي تباع أعماله في مزادات كرستي العالمية لأكثر من مرة، وأول فنان كويتي وعربي تُعرض ثلاث من لوحاته في متحف روتردام في هولندا، ضمن احتفالات المدينة كعاصمة للثقافة الأوروبية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *