رئيسة الحكومة المغربية في مرمى التشهير الرقمي


الرباط – «القدس العربي»: لم تسلم رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، من الحملة الرقمية التي استهدفت مؤخرا عددا من النساء السياسيات، خاصة اللواتي تمكن من الفوز بمقاعد برلمانية خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث تعرضن قبل الاقتراع أو بعده، لموجة من التدوينات التي سعت إلى الانتقاص منهن والتشكيك في مساراتهن السياسية.
وتأتي هذه الحملة في وقت سجل فيه النقاش السياسي بالمغرب تطورا مهما على مستوى تمثيلية النساء ووصولهن إلى مواقع القرار، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية معنية بقضايا المرأة رسالة محفزة للنساء، وفرصة لتعزيز حضورهن في الحياة السياسية.
ومع تناسل التدوينات والصور التي تحاول النيل من النساء السياسيات، عبرت فعاليات حقوقية عن قلقها واستنكارها الشديدين لاستغلال منصات التواصل الاجتماعي للترويج لمثل هذا الخطاب. ووفقا لما جاء في بيان استنكاري صادر عن «فدرالية رابطة حقوق النساء»، فإن المنظمة تتابع بقلق شديد حملة التشهير والإساءة الموجهة ضد رئيسة الحكومة، من خلال المساس بحياتها الخاصة والحميمية وتداول صور مفبركة ذات طابع مسيء.
وأكدت الفدرالية أن هذه الممارسات لا تمت بصلة إلى حرية التعبير أو النقد السياسي المشروع وتقييم الأداء الحكومي، بل تشكل، حسب تعبيرها، اعتداء على الكرامة الإنسانية وانتهاكا للحياة الخاصة. وأوضحت أن اللجوء إلى التشهير الجنسي وتوظيف الصور النمطية والتمييز القائم على الجنس يهدفان أساسا إلى الإقصاء السياسي والاغتيال الرمزي للنساء في مواقع السلطة، إضافة إلى تقويض شرعية حضور المرأة في المجال السياسي وإضعاف طموحات الأجيال الجديدة من الفتيات في الوصول إلى مراكز القرار.

عنف واستهداف سياسي

وشدد البيان على أن الاختلاف السياسي حق والمحاسبة واجب، غير أن التشهير بالحياة الحميمية يشكل عنفا واستهدافا سياسيا لا يمكن التساهل معهما. وأكدت الفدرالية أن الدفاع عن النساء في مواجهة هذا العنف الرقمي لا يعني الاصطفاف إلى جانب حكومة أو تبني توجه سياسي بعينه، وإنما يتعلق بالدفاع عن مبدأ المساواة وضمان حق النساء والرجال، على قدم المساواة، في ممارسة السلطة دون ترهيب أو تشهير. وإلى جانب الاستنكار، تعالت الأصوات المطالبة بضرورة تدخل النيابة العامة بشكل عاجل لفتح تحقيق قضائي وتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية في حال ثبوت الأفعال المعاقب عليها قانونا. كما دعت هذه الأصوات الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني والأصوات الحرة إلى إدانة هذه السلوكيات والتصدي لمظاهر التشهير والعنف الرقمي في المشهد السياسي.

هيئات حقوقية تحذر من «الاغتيال الرمزي» للنساء السياسيات

ومنذ انطلاق المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، لاحظ عدد من المراقبين أن جزءا من النقاش العمومي انصرف إلى تفاصيل اعتبروها ثانوية، من قبيل التحية والسلام المتداولين في المشهد السياسي المغربي، اللذين يتخذان أحيانا شكل ملامسة الوجه بين الرجال والنساء، وليس التقبيل بالمعنى الحرفي، كما يروج لذلك البعض.
وإلى جانب ذلك، شهد افتتاح البرلمان تداول مجموعة من المشاهد والصور التي ركزت على جمال بعض البرلمانيات وصغر سنهن، مع تعليقات انتقصت من قدرتهن على تحقيق الإنجازات بسبب جنسهن وأعمارهن. ففي الوقت الذي تتعالى فيه الدعوات إلى تشبيب المؤسسات السياسية وتجديد نخبها، يبدو أن التعامل مع النساء يظل مختلفا كلما تعلق الأمر بحضورهن في مواقع المسؤولية، وفق متتبعين للشأن السياسي.
واختصرت دراسة حديثة مسافة الحديث عن مظاهر العنف الرقمي الموجه ضد النساء السياسيات، من خلال رصد أنماط الاستهداف وحدود الحماية الانتخابية. وكشفت عن تنامي العنف السياسي الرقمي ضد المرشحات للانتخابات التشريعية، مسلطة الضوء على محدودية الحماية القانونية رغم التعديلات التشريعية الأخيرة.
وشملت الدراسة، الصادرة عن «المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي» و»جمعية التحدي للمساواة والمواطنة»، ضمن إطار مدني يضم 16 جمعية، رصدا ميدانيا ورقميا للحملة الانتخابية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، واستهدفت الدراسة عينة تضم 42 امرأة ممن كن على رأس القوائم الانتخابية المحلية، ينتمين إلى أحزاب ممثلة في البرلمان.

خطاب كراهية وتحقير

وحسب النتائج الواردة في ملخص الدراسة الذي تلقت «القدس العربي» نسخة منه، فقد جرى توثيق 628 استمارة حالة، أظهرت تسجيل 481 حالة تشهير بالمرشحات، بنسبة 76.6 في المئة، وهي النسبة الأعلى ضمن أنماط العنف المرصودة. وجاء بعدها خطاب الكراهية أو التحقير بسبب الجنس، بـ 436 حالة، بنسبة 69.4 في المئة، ثم نشر معلومات غير مؤكدة، بـ 405 حالات، بنسبة 64.5 في المئة.
أما نشر الأخبار الزائفة والإشاعات، فقد سجل 376 حالة، بنسبة 59.9 في المائة، فيما بلغ عدد حالات المس بالحياة الخاصة 271 حالة، بنسبة 43.2 في المئة. وطال التهديد والترهيب 64 حالة، بنسبة 10.2 في المئة، في حين رصدت الدراسة 25 حالة مرتبطة بصور أو فيديوهات مفبركة، و23 حالة تحمل مؤشرات على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأوضحت الدراسة أن العنف المرصود يتخذ طابعا مركبا، إذ اجتمع التشهير مع التحقير بسبب الجنس في 330 حالة، أي بنسبة 52.5 في المئة من مجموع الحالات الموثقة. كما سجلت تداخل المس بالحياة الخاصة مع التشهير في 247 حالة، فيما اجتمع المس بالحياة الخاصة والتحقير بسبب الجنس في 205 حالات.
وفيما يتعلق بالإطار القانوني، أشارت الدراسة إلى أن التعديلات التي أُدخلت في كانون الثاني/يناير 2026 على القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، التي شملت تجريم بعض الأفعال الانتخابية المرتكبة عبر الوسائل الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي، لم تسد، حسب الدراسة، ثلاث فجوات رئيسية في منظومة الحماية القانونية.
وتتمثل الفجوة الأولى في التباين بين المفهوم الحقوقي والاجتماعي للعنف والتعريف الجنائي المحدد قانونا. أما الثانية، فتتعلق بصعوبة إثبات هوية الفاعل وكذب المحتوى والقصد الجنائي والأصالة الرقمية، خاصة في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. فيما ترتبط الفجوة الثالثة بعدم مراعاة الخصوصية التي تميز الاستهداف القائم على النوع الاجتماعي، وما ينطوي عليه من تشكيك مباشر في الأهلية السياسية للنساء.
وخلصت الدراسة إلى مجموعة من التوصيات، أبرزها ضرورة وضع تعريف واضح للعنف السياسي الرقمي، وإدماج البعد القائم على الجنس باعتباره ظرفا مشددا أو وصفا خاصا، إلى جانب إحداث آلية وطنية سريعة لتلقي الشكايات الانتخابية الرقمية، وتعزيز الشراكة مع المنصات الرقمية من أجل حفظ الأدلة. كما دعت إلى توفير تكوينات وآليات للرصد والدعم الداخلي للمرشحات من طرف أحزابهن، بما يتيح حمايتهن من الحملات المنظمة وعدم تركهن يواجهن هذه الممارسات بمفردهن.
وأكدت الدراسة، في ختامها، أن حماية المشاركة السياسية للنساء تقتضي إرساء بيئة انتخابية آمنة، تجمع بين تحديث التشريعات، وتيسير إجراءات الإثبات، وتسريع الاستجابة المؤسساتية، بما يضمن ممارسة النساء لحقوقهن السياسية دون تضييق أو ترهيب أو تشهير.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *