لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده كبير مراسلي الشؤون الدولية، جوليان بورغر قال فيه إن سلسلة من الانتخابات تجرى خلال عشرة أيام قد تهز العالم، ذلك أنها قد تعرض الأعراف الديمقراطية للخطر.
وأضاف أن أربع جولات انتخابية تجري في أربع قارات خلال الأيام العشرة المقبلة قد تعيد وبعمق تشكيل السياسة العالمية، إما نحو مزيد من الاستبداد أو حماية المعايير الديمقراطية.
وتجرى هذه الانتخابات في إسرائيل وصربيا والولايات المتحدة والبرازيل، وقد تتعرض المعايير الديمقراطية الأساسية للخطر في وقت يتزايد فيه الاستبداد عالميا.
وبحسب المعهد السويدي في- ديم، الذي يستخدم أدوات تقييم متعددة المتغيرات، فقد انخفضت الحريات الديمقراطية التي يتمتع بها المواطن العالمي العادي إلى مستويات لم نشهدها منذ عام 1978، أي قبل سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية في أوروبا بفترة طويلة.
وربما دعمت هذه الانتخابات هذا التوجه أو أصبحت تهديدا له، ففي كل انتخابات، تتنافس الأحزاب المؤيدة للديمقراطية بشدة مع حكام مستبدين حاليين أو طموحين. ومن المرجح أن يكون لنتائج كل حالة آثار ممتدة في مناطقها.
ففي يوم الثلاثاء، سيواجه بنيامين نتنياهو منافسيه في الانتخابات. وقد قاد نتنياهو، الذي حكم لمدة 19 عاما من أصل 30 عاما الماضية، إلى حالة من التراجع الديمقراطي وتفاقم انتهاكات حقوق الإنسان في إسرائيل، وهو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، ويواجه خطرا قانونيا أكبر في حال خسارته، نتيجة لمحاكمته الجارية بتهم فساد في الداخل. ويتخلف ائتلافه اليميني المتطرف حاليا عن كتلة المعارضة.
وفي 3 تشرين الثاني/ نوفمبر، ومع اقتراب نهاية هذه الأيام العشرة التي قد تكون تاريخية، تواجه رئاسة دونالد ترامب، ذات الطابع الإمبراطوري، رفضا من الناخبين الأمريكيين في انتخابات التجديد النصفي، حيث من المرجح أن يخسر الديمقراطيون مجلسا واحدا على الأقل من مجلسي الكونغرس، وربما المجلسين.
لكن سيواجه الديمقراطيون حينها مهمة شاقة في كبح جماح تجاوزات ترامب التي أدت إلى تراجع الولايات المتحدة في مؤشر الديمقراطية الليبرالية الصادر عن معهد في- ديم. وبحلول موعد فرز الأصوات في الولايات المتحدة يوم الثلاثاء، قد يبدو العالم مختلفا تماما، فالمنافسات الأربع المرتقبة ليست متقاربة فحسب، بل متشابكة أيضا.
فقد قدمت حركة “ماغا” التابعة لترامب دعما سياسيا صريحا لنتنياهو وألكسندر فوتشيتش وفلافيو بولسونارو. وتم العثور على برنامج التجسس “بيغاسوس” الإسرائيلي الصنع، في هواتف طلاب ونشطاء مؤيدين للديمقراطية في صربيا. ويعرف بولسونارو بتأييده القوي لإسرائيل، وتعهد باتباع خطى الولايات المتحدة ونقل السفارة البرازيلية إلى القدس. ووفرت الولايات المتحدة الكثير من الدعم لحروب نتنياهو، فيما تلتزم صربيا بإنفاق ملياري دولار على أنظمة الدفاع الإسرائيلية، وفي أيلول/سبتبمر، افتتح مصنع مشترك لإنتاج أنظمة المراقبة والهجوم.
وأضاف بورغر أن فوز اليمين المستبد في بلد ما سيعزز موقف نظرائه في بلدان أخرى. وعلى العكس، فإن فوز دعاة الديمقراطية في كل انتخابات سيمنح الأمل والتشجيع لحلفائهم حول العالم. وقد تكون الانتخابات الأربع مترابطة بشكل وثيق، لكن الصراع بين الاستبداد والديمقراطية يتخذ أشكالا مختلفة تماما في كل بلد. كما تختلف احتمالات الفوز في كل حالة، وكذلك المخاطر، لكنها جميعا متقاربة النتائج.
وفي حالة البرازيل (مرتبة 28 في مؤشر الديمقراطية)، فقد شهدت انتعاشا ديمقراطيا منذ تولي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا منصبه في الأول من عام 2023، بعد أن أفشل محاولة سلفه الشعبوي اليميني المتطرف لقلب نتائج انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر. ووفقا لمقاييس حزب “الديمقراطيون”، باتت البرازيل تتمتع بسجل ديمقراطي أفضل من المملكة المتحدة، وأفضل بكثير من الولايات المتحدة.
أما الخاسر في تلك الانتخابات قبل أربع سنوات، فهو جايير بولسونارو، الجندي السابق الذي خدم في ظل الديكتاتورية العسكرية البرازيلية التي دامت 21 عاما ولا يزال يكن لها إعجابا، وحكم عليه بالسجن 27 عاما لمحاولته القيام بانقلاب للبقاء في السلطة. والآن، يسعى ابنه فلافيو إلى السير على خطاه، ويخوض الجولة الثانية من الانتخابات يوم الأحد متقدما بفارق ضئيل ولكنه مهم على لولا.
أما صربيا (مرتبة 112 في مؤشر الديمقراطية) فعلى مدار 12 عاما قضاها رئيسا، عمل ألكسندر فوتشيتش على تقويض أركان الديمقراطية في صربيا بشكل مطرد، وسيطر هو وحلفاؤه على معظم قنوات البث في البلاد، مما جعله الشخصية الأبرز على شاشات التلفزيون خلال الحملة الانتخابية الحالية. وبات مستقبل آخر قناتين إخباريتين مستقلتين موضع شك، بعد أن اشتراهما خلال الحملة مستثمر برتغالي تربطه صلات بنظام فيكتور أوربان المجري المخلوع. وحول الحزب التقدمي الصربي الحاكم الوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى إلى أدوات سياسية، لدرجة أنه، بحسب راشا نيديلغكوف، مدير برنامج مركز البحوث والشفافية والمساءلة، “كاد الخط الفاصل بين الدولة والأحزاب أن يختفي”. وتشهد صربيا منذ عامين حركة احتجاجية طلابية، ستسعى هذا الأسبوع إلى الاستيلاء على السلطة.
وفي إسرائيل (مرتبة 48 في مؤشر الديمقراطية) فقد ظلت الديمقراطية حكرا على اليهود ومتحيزة ضد الفلسطينيين، فمن هم في الأراضي المحتلة محرومون من حق التصويت والعديد من الحقوق الأخرى، بينما يعامل المستوطنون اليهود المجاورون لهم كمواطنين كاملين، ويشكلون دعما حيويا لحكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة. إلا أن هذه الحكومة ستخوض معركة شرسة للبقاء في الانتخابات البرلمانية المقررة يوم الثلاثاء.
ويشكل الفلسطينيون الحاملون للجنسية الإسرائيلية نحو خمس السكان، لكنهم ممثلون تمثيلا ناقصا باستمرار في الكنيست. وقد شاركوا في التصويت بأعداد أقل من اليهود الإسرائيليين، إذ يرى الكثيرون منهم أن المشاركة غير مجدية في نظام يستبعدهم بشكل منتظم. ويرفض التكتل المعارض الرئيسي الذي ينافس نتنياهو تشكيل ائتلاف مع الأحزاب العربية، حتى لو كان ذلك يعني الفارق بين فوز ساحق وحالة جمود غير مؤكدة، بمجرد توزيع مقاعد الكنيست.
وظل نتنياهو رئيسا للوزراء بشكل متقطع خلال العقود الثلاثة الماضية، ولكن في السنوات الأربع التي تلت ولايته الحالية، وفي ائتلاف مع أحزاب متطرفة مدعومة من المستوطنين، شن هجوما على المعايير الديمقراطية الإسرائيلية، ساعيا إلى الحد من استقلال القضاء باسم “الإصلاح” وممارسة الضغط على الصحافة المستقلة وتسييس الشرطة والجيش وجهاز الأمن الداخلي، الشاباك.
ويتشارك تحالف المعارضة، بقيادة الجنرال السابق غادي آيزنكوت، الكثير من رؤية نتنياهو فيما يتعلق بفلسطين، إذ يدعم إلى حد كبير الحرب على غزة ويرفض حل الدولتين. لكنه مصمم على استئصال الفساد من حكومته وتجاوزاتها الاستبدادية. وكان من المتوقع أن يحصد التحالف مقاعد أكثر من الائتلاف الحكومي في انتخابات الثلاثاء، لكنه لم يحقق الأغلبية المطلقة. ولتحقيق ذلك، قد يضطر إلى التوصل إلى تفاهم مع الأقلية الفلسطينية التي طالما تجاهلتها إسرائيل.
وأخيرا، الولايات المتحدة (مرتبة 52 في مؤشر الديمقراطية)، فلم تشهد أي دولة غربية في العصر الحديث تراجعا في الديمقراطية بالسرعة التي شهدتها الولايات المتحدة في أقل من عامين من ولاية دونالد ترامب الثانية. ففي ظل هيمنة الجمهوريين الموالين على الكونغرس وخضوع المحكمة العليا في معظمها، أسس ترامب نظاما رئاسيا استبداديا، يحكم غالبا بمراسيم تنفيذية ويحول مؤسسات الدولة إلى أدوات سياسية، بما في ذلك أجهزة الأمن الداخلي، كوزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) التي استخدمت كسلاح ضد المعارضين السياسيين والمدعين العامين المستقلين والصحافيين. كما استخدمت السياسات الإدارية، الداخلية والخارجية، لخلق فرص إثراء ذاتي لعائلة ترامب وأصدقائه.
وتم توسيع نطاق إدارة الهجرة والجمارك (أيس) بشكل كبير، مع تجنيد عناصر مدربين تدريبا خفيفا لكنهم مسلحون تسليحا ثقيلا، نشروا في جميع أنحاء البلاد وتم انتهاك الحقوق المدنية لأي شخص يشتبه في كونه مهاجرا غير شرعي، وبخاصة بين اللاتينيين.
ومع انخفاض معدلات تأييد الرئيس ترامب إلى مستويات قياسية، يتمتع الديمقراطيون بفرصة جيدة للفوز بالأغلبية في مجلس النواب، واحتمالية ضئيلة للفوز بمجلس الشيوخ أيضا. وحتى لو سيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس، فإن قدرتهم على إعادة فرض التجاوزات الاستبدادية التي اتسمت بها رئاسة ترامب محدودة. فمن المتوقع أن يستخدم (الفيتو) بحرية، ولن يمتلك الديمقراطيون الأصوات الكافية لإلغائه أو لهزيمة تعطيل الجمهوريين في مجلس الشيوخ.
فمن الناحية النظرية، يملك الكونغرس سلطة الإنفاق ويمكنه ربط تمويل الوزارات والهيئات الحكومية بالإصلاحات. كما ستستخدم الأغلبية الديمقراطية سيطرتها على اللجان لفتح تحقيقات في قضايا فساد ومخالفات أخرى وإصدار أوامر استدعاء للمسؤولين الحكوميين.