القاهرة – «القدس العربي»: تحولت ندوة المخرج الكبير خيري بشارة، التي استضافها المتحف اليوناني الروماني ضمن فعاليات مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، إلى تظاهرة فنية واحتفاء بفلسفة مخرج يرى أن «عدم الشبع من المغامرة» هو الوقود الوحيد للبقاء على قيد الحياة سينمائياً. أمام جمهور غفير من صناع السينما والطلاب، أطل بشارة بروح تتحدى الزمن، ليؤكد أن المخرج الحقيقي لا يشيخ طالما ظل قادراً على طرح الأسئلة والاشتباك مع الواقع برؤية بصرية متمردة، معتبراً أن تجربته الطويلة لم تكن إلا محاولات مستمرة للهروب من القوالب الجاهزة والبحث عن لغة سينمائية تشبه نبض الشارع المصري وحيويته، وهي اللغة التي جعلت من أفلامه علامات فارقة في تاريخ الفن السابع، لا تزال قادرة على إثارة النقاش والإلهام حتى اليوم.
وفي حواره الممتد الذي أداره المخرج عمر الزهيري، غاص بشارة في أعماق رحلته التي بدأت بالواقعية الجديدة قبل أن تنعطف نحو مسارات أكثر تجريبية وشاعرية، موضحاً أن التغيير الجذري الذي أحدثه في «كابوريا» ومن بعده «آيس كريم في جليم» لم يكن مجرد تغيير في الأسلوب، بل كان ثورة على الذات ورغبة في استكشاف الفرح والموسيقى وحرية الكادر وسط قسوة الواقع.
وتحدث بشارة بإسهاب عن علاقته بالمكان، وكيف أن الإسكندرية بتركيبتها الكوزموبوليتانية كانت دائماً ملهمة له، وهو ما جعل وجوده في مهرجان مخصص للأفلام القصيرة يحمل رمزية خاصة، حيث يرى في هذا النوع من الأفلام المساحة الأرحب للتجريب بعيداً عن قيود وشروط السينما التجارية الضخمة، مشيراً إلى أن مسابقة الفيلم المصري التي تحمل اسمه في المهرجان هي رسالة حب وتقدير لكل مخرج شاب يمتلك الجرأة على تقديم رؤيته الخاصة للعالم دون خوف.
ولم تخلُ الندوة من استعادة ذكريات مؤثرة وصادمة أحياناً عن كواليس العمل مع عمالقة التمثيل والإخراج، حيث كشف بشارة عن فلسفته في التعامل مع الممثل باعتباره شريكاً في الإبداع وليس مجرد أداة لتنفيذ الأوامر، مستعرضاً كيف كان يخلق مناخاً من العفوية في مواقع التصوير ليخرج بلقطات تشبه الحياة في صدقها وعشوائيتها المنظمة. كما توقف عند أهمية النقد في مسيرته، مؤكداً أنه كان يستمع للأصوات المعارضة بقدر اهتمامه بالثناء، لأن الصدام الفكري هو ما يولد الأفكار العظيمة. ومع اقتراب الندوة من نهايتها، بدا واضحاً أن خيري بشارة لم يأتِ ليلقي محاضرة من الماضي، بل جاء ليشارك الشباب حلمه بمستقبل سينمائي مصري أكثر تحرراً واختلافاً، تاركاً خلفه في هواء الإسكندرية جملته التي ترددت أصداؤها في القاعة: «السينما تبدأ حين ننتهي من تقليد الآخرين ونبدأ في اكتشاف أنفسنا»، ليختتم يوماً سيبقى طويلاً في ذاكرة المهرجان كواحد من أكثر اللحظات الفنية صدقاً وكثافة.