متابعة/المدى
يتصاعد الجدل داخل العراق بشأن مشروع حكومي قيد الدراسة لاستحداث “وزارة الأمن الاتحادية”، في وقت بدأت فيه فصائل مسلحة بإطلاق رسائل اعتراض وتحذير من أي خطوات قد تؤدي إلى إعادة تنظيم وضع “الحشد الشعبي” أو تقليص نفوذه ضمن المنظومة الأمنية الرسمية.
ويأتي هذا الحراك بالتزامن مع نقاشات سياسية وأمنية متواصلة في بغداد حول خطة تهدف إلى إنشاء مؤسسة أمنية جديدة تضم تشكيلات متعددة، بينها “الحشد الشعبي” والشرطة الاتحادية وقوات التدخل السريع، إضافة إلى ترتيبات أمنية مرتبطة بالتنسيق مع قوات البشمركة، ضمن مساعٍ لإعادة هيكلة الملف الأمني وحصر السلاح بيد الدولة.
وخلال مهرجان عشائري أُقيم في محافظة البصرة تحت عنوان “عشائر العراق تساند أهل المواقف”، وجّه نائب رئيس المجلس التنفيذي في حركة النجباء حسين السعيدي انتقادات مباشرة للمشروع، معتبراً أن دمج الحشد ضمن مؤسسة أمنية جديدة يمثل “مشروعاً أميركياً”، على حد وصفه.
وأكد السعيدي أن سلاح الفصائل المسلحة “لا يمكن التنازل عنه”، محذراً من أن أي محاولة لإعادة هيكلة الحشد أو دمجه ضمن ترتيبات أمنية جديدة ستواجه برفض سياسي وشعبي، في مؤشر على حجم التوتر الذي يرافق النقاشات المتعلقة بمستقبل الفصائل المسلحة داخل العراق.
ويقول مراقبون إن الفصائل المسلحة تلجأ بشكل متكرر إلى المنابر الجماهيرية والعشائرية لإيصال رسائل ضغط إلى الحكومة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالسلاح والنفوذ الأمني، مع الحرص على إبقاء خطابها ضمن إطار سياسي وشعبي يضمن الحفاظ على قواعدها الجماهيرية.
وبحسب مصدر حكومي مطلع، فإن مشروع “وزارة الأمن الاتحادية” ما يزال في مرحلة النقاش بين القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، موضحاً أن الفكرة تقوم على إنشاء مظلة أمنية جديدة تُلحق بها بعض التشكيلات المسلحة غير المدرجة ضمن الهيكل التقليدي للقوات المسلحة.
وأشار المصدر إلى أن الحكومة تسعى من خلال المشروع إلى تقليل تعدد مراكز القوة المسلحة وإعادة تنظيم القرار الأمني ضمن مؤسسات الدولة، مع تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الفصائل التي تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً.
ويأتي هذا التوجه في ظل ضغوط أميركية وغربية متواصلة على بغداد للمضي بملف حصر السلاح بيد الدولة، خاصة بعد تصاعد الانتقادات المرتبطة بهجمات الطائرات المسيّرة ونشاط الجماعات المسلحة خارج الأطر الرسمية.
من جهته، وصف الخبير الأمني خالد العتابي ملف إعادة تنظيم الفصائل المسلحة بأنه من أكثر الملفات تعقيداً داخل العراق، موضحاً أن بعض الفصائل تنظر إلى أي مشروع دمج أو إعادة هيكلة بوصفه محاولة لإنهاء خصوصيتها العسكرية والعقائدية.
وأضاف العتابي خلال حديث تابعته(المدى) أن هذه الفصائل تمتلك أدوات ضغط سياسية وإعلامية وجماهيرية، وقد تستخدمها لمنع تمرير المشروع أو تعديله بما يضمن استمرار نفوذها الأمني والسياسي والاقتصادي.
وأكد العتابي أن الحكومة العراقية تواجه تحدياً بالغ الحساسية يتمثل بالموازنة بين الضغوط الدولية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، وبين الحفاظ على التوازنات السياسية داخل القوى الشيعية، التي ما تزال تختلف بشأن مستقبل الفصائل المسلحة ودورها في المرحلة المقبلة.
وكان المنهاج الوزاري لحكومة علي الزيدي قد تضمن فقرة خاصة بحصر السلاح بيد الدولة، وهو الملف الذي شدد عليه رئيس الوزراء خلال خطاب نيل الثقة في البرلمان، فيما سبق أن اتخذت حكومة محمد شياع السوداني إجراءات وقرارات تتعلق بتنظيم السلاح وملاحقة الجهات الخارجة عن القانون.
ومع استمرار النقاشات بشأن مشروع “وزارة الأمن الاتحادية”، يبدو أن الحكومة العراقية مقبلة على اختبار سياسي وأمني معقد، يتعلق بإعادة رسم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، وسط مخاوف من تحوّل هذا الملف إلى إحدى أكثر القضايا حساسية خلال المرحلة المقبلة.